دبلة في قاع الكأس حكايات شروق خالد

عاد الملياردير من سرير عشيقته – ثم ألقت زوجته الحامل خاتمه في شرابه

لم تنم المدينة أبدًا، وكذلك الأسرار المدفونة تحت أفق مانهاتن.

في برج زجاجي يطل على سنترال بارك، يسود الصمت، سميك ثقيل، متوقع. توهجت السقيفة بأضواء خافتة وظلال تتحرك عبر الأرضيات الرخامية.

في الساعة 3:17 صباحًا ، دق المصعد الخاص ودخل أمبروز بلاكويل داخل إمبراطوريته، تفوح منه رائحة الغطرسة وعطر شخص آخر.

لقد فك ربطة عنقه، يدندنه بهدوء مع نفسه، غير مدرك أنه كان يسير في منطقة حرب.

استغل حذائه الذي يبلغ قيمته ألف دولار بهدوء على الأرض المصقولة، وتجعدت شفتيه إلى ابتسامة متعجرفة. كان قد أمضى الليلة في روزوود مع کاساندرا آخر غزو له أصغر سناً، أكثر جوعاً، مقبول دائما .

بينما عبر الردهة، توقف. شعرت بشيء غريب. ثم رآها.

وقفت جاكلين بالقرب من البيانو، واستحممت في وهج الثريا الناعم. شعرها كان للأسفل. كانت ترتدي روبا من الحرير الباهت ينظف فوق بطنها المنتفخ، 5 أشهر ومتوهجة، ولكن ليس مع السعادة. لم تكن عيناها منتفخة من البكاء. كانوا حادة، جافين، غير متسامحين.

أمبروز رمش. “جاكى، ماذا تفعل مستيقظة؟

ام تقلنا لقد حرة تي فقط

لم تقل شيئاً، اكتفت بالنظر إليه فقط.
ابتسامته المتعجرفة بدأت تتلاشى، وحلّ مكانها ارتباك واضح. حاول يلطّف الجو وقال بنبرة هادية وفيها حذر: “أنا مش قلت لك عندي اجتماعات وشغل مهم الليلة دي؟”
بدأت تتحرك براحة ومن غير صوت ناحية البار، كل خطوة بميزان، والجو مشحون وكأنه قنبلة موقوتة هتنفجر في أي لحظة.
قالت بصوت واطي وهي بتشاور على قزازة الشامبانيا المقفولة في التلج: “كنت بتحتفل برضه؟”
أمبروز بلع ريقه وقال: “دي كانت هدية من عميل مهم”.
جاكلين هزت راسها، وظهرت نص ابتسامة باردة على شفايفها. مسكت الكاس الكريستال الغالي المحفور عليه أول حروف من اسمه، وبمنتهى الهدوء، صبت له شوية من الويسكي اللي بيحتفظ بيه ورا قزايز العصير المستوردة.
وهنا جت اللحظة اللي قلبت الدنيا فوق دماغه.
قلعت دبلة الجواز من صباعها، ورمتها جوه الكاس.
*رنة معدن خفيفة.*
الدبلة غطست في قاع الكاس، لفت شوية واستقرت في قاع المشروب، زي سر أخيراً انكشف وبان للعلن.
أمبروز نفسه اتكتم، وكل مظاهر القوة والغرور طارت في الهوا.
“جاكلين…”
بصت في عينيه وقالت: “أتمنى تكون كانت تستاهل”.
صوتها مكنش عالي، بس كان قاطع وصارم. زي حكم قاضي مفيش فيه رجوع.
قلبه بدأ يدق بسرعة: “مش كدا يا جاكي.. أرجوكي، خلينا نتكلم”.
“أنا مابقاش عندي كلام أقوله”.
طلعت ظرف أبيض من جيب الروب بتاعها، وزقته على الرخام ناحيته.
ورق الطلاق. ممضي، وجاهز.
“أنا كلمت المحامي بتاعي خلاص. والإعلان الرسمي هيوصل لك الصبح”.
“استني هنا، أنتي بتتكلمي جد؟” أخد خطوة ناحيتها: “أنتي مكبرة الموضوع قوي، دي نزوة!”
رفعت إيدها في وشه وقالت بنبرة حجرية: “متجيبش خطوة تانية هنا”.
في اللحظة دي، أمبروز تجمد في مكانه. الراجل اللي بيلف شركات بمليارات وبيمشي الكل على مزاجه، لقى نفسه لأول مرة مزنوق في حيطة سد، مكشوف وعريان من كل أكاذيبه.
جاكلين بصت له من فوق لتحت.. قميصه المكرمش، بقعة الروج اللي جنب ياقتة القميص، وريحة الست التانية اللي لسه لازقة في جسمه، وضحكت. مش ضحكة فرحة، ضحكة باردة، ناشفة، كلها شفقة عليه وعلى صغره في عينيها.
وهمست: “أنت حتى مكلفتش نفسك تاخد دش عشان تداري قرفك”.
حاول يرجع يسيطر على الأمور وقال: “جاكلين، أنتي مأڤورة، دي حاجة بسيطة وماتسواش.. دي مكانش ليها أي معنى!”
ميلت راسها وهي بتتأمله: “مكانش ليها معنى؟ بس كان ليها معنى إنك تكدب وتخدعني. كان ليها معنى إنك تضحي ببيتك. وكنت فاكر إني غبية وعمري ما هعرف”.
فتح بوقه عشان يتكلم، بس ملقاش أي عذر يتقال.
“أنا حامل يا أمبروز. ابنك بيكبر جوايا، وفي الوقت اللي أنا بقضيه كل يوم الصبح تعبانة وبموت من القلق على البيبي وعلينا، أنت كنت برا عايش حياتك بالطول والعرض وكأنك عازب السنة”.
بصت حواليها في الشقة الواسعة والفاخرة، البيانو الكبير، اللوحات المودرن الغالية، السقوعية والوحدة المستخبية ورا مظاهر النجاح المزيف.
“أنا اديتك حبي، وإخلاصي، وجسمي.. وأنت رحت بعت كل ده في ليلة”.
اتكلم بصوت مرعوش ومكسور: “أنا غلطت.. بلاش تعملي كده فينا”.
جاكلين مسكت بالطو بتاعها كان محطوط على الكرسي وقالت وهي ماشية ناحية الأسانسير: “مش أنا اللي عملت كده.. أنت اللي عملت. أنا بس مبقتش قادرة أمثل أكتر من كده إننا عيلة”.
زعق وهو مرعوب من فكرة إنها هتمشي بجد: “أنتي رايحة فين في وقت زي ده؟”
ردت وهي بتبص له النظرة الأخيرة: “في مكان عمرك ما هتعرف طريقي فيه”.
أمبروز قدم خطوة ومَد إيده وهو بيموت من الخوف: “استني يا جاكلين.. أنا هصلح كل حاجة، بس اديني فرصة”.
لفت له بالراحة، وحطت إيدها على بطنها المنتفخ: “أنا اديتك 100 فرصة، وفي كل مرة كنت بختارك أنت وبصدقك. النهاردة، ولأول مرة، أنا بختار نفسي وبختار ابني”.
وبعد الكلمة دي، بيبان الأسانسير قفلت.
أمبروز فضل واقف في وسط الهدوء القاتل لوحده.
وراه، كانت الدبلة قاعدة في قاع الكاس، ساقعة، وبتلمع، ونهاية لكل حاجة. مسك الكاس بإيد بترعش، وبص في السائل، ولأول مرة في حياته، الملياردير أمبروز بلاكويل مكانش عارف خطوته الجاية إيه.. لأن القلعة بتاعته اتهدت في ثانية.

بينما كان الأسانسير ينزل بجاكلين بعيدًا عن جحيم البرج الزجاجي، كان مراد (أمبروز) واقف في مكانه مشلول الحركة. الكاس في إيده كان بيترعش، وصوت رنة الدبلة وهي بتخبط في الزجاج لسه بيرن في ودنه زي جرس إنذار لخراب حياته.
مراد مكنش متعود يخسر. الراجل اللي صفقاته بتهز السوق، لقى نفسه في ثانية واحدة خسران أكتر حاجة حقيقية في حياته. بص لورق الطلاق اللي على الترابيزة، الحبر كان لسه ناشف، والامضاء بتاعتها كانت ثابته وقوية، مفيهاش أي تردد.
رمى الكاس من إيده على الأرض الرخام، فإتكسر ميت حتة، والويسكي اتدلق ومسح معاه بريق الدبلة اللي بقت مرمية وسط الحطام.
زعق بعلو صوته في الشقة الفاضية: “مش هسيبك تمشي يا جاكلين! مش هتهدي اللي بنيته في ثواني!”
جرى ناحية الباب، وطلب الأسانسير التاني وهو ينهج وعقله عمال يودي ويجيب. نزل للجراج بسرعة جنونية، وكان عنده أمل يلحقها قبل ما تخرج من بوابات البرج.
أول ما وصل الجراج، لمح عربية مرسيدس سوداء بتتحرك ببطء ناحية البوابة الخارجية. جرى عليها ووقف قدامها وهو بيرفع إيده: “جاكي! اقفي هنا! اسمعيني!”
جاكلين كانت قاعدة في الكنبة الوراية، وشها كان شاحب بس ملامحها كانت زي الصخر. بصت للسواق الخاص وقالت ببرود قاتل: “اطلع يا عم محمد، ملوش لزوم نقف.”
السواق بص لمراد في المراية وهو محرج ومخضوض: “بس يا هانم، الباشا واقف قدام العربية…”
شاهندة (جاكلين) ديرت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة حسم مفيهاش نقاش: “قلت لك اطلع.. هو مش هيجازف ببرستيجه ويخلي أمن الكومباوند يتفرجوا عليه وهو متبهدل كده.”
مراد خبط على إزاز العربية بعنف: “شاهندة! افتحي الإزاز! أنتي حامل في ابني، مش هسمح لك تاخديه وتبعدي! النزوة دي مش هتدمر عيلتنا!”
الإزاز نزل بالراحة.. حتة صغيرة بس. شاهندة بصت له من ورا الإزاز وعينيها كانت خالية من أي مشاعر، لا كره ولا عتاب، وده كان أكتر حاجة رعبت مراد. الصمت بتاعها كان بيموته.
قالت له بكلمات بطيئة وبصوت واطي بس مسموع:
> “أنت اللي دمرتها يا مراد يوم ما افتكرت إن الفلوس والنفوذ يخليك تدوس على كرامتي وتخوني وأنا شايلة ابنك في بطني. العمارة اللي أساسها غش بتهد فوق دماغ صاحبها.. والنهاردة، القصر بتاعك اتهد.”
>
وقبل ما ينطق بكلمة، الإزاز ارفع تاني، والعربية أخدت سرعتها وخرجت من البوابة، وسابته واقف في وسط الجراج، هدمته مبهدلة، وعرقان، والبردي والندم بياكلوا في قلبه.
العربية مشيت في شوارع القاهرة الفاضية والفجر بيشقشق. شاهندة حطت إيدها على بطنها، وأول دمعة نزلت من عينيها بعد حبس طويل. مكانتش بتعيط على مراد، كانت بتعيط على الحلم اللي مات، وعلى الغفلة اللي عاشت فيها. بس مع كل دمعة تنزل، كانت بتحس بإنها بتفوق، وبتحلف لنفسها إن ابنها عمره ما هيطلع زي أبوه.. وإن دي مش النهاية، دي بداية حياتها الحقيقية.

دبلة في قاع الكأس

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *