عروسة ببدلة أراجوز: ليلة كسر كبرياء حماتي حكايات شروق خالد

يوم فرحي الصبح، فتحت السوستة بتاعة شنطة الفستان اللي قعدت تمن شهور بحالهم أنقيه وأدور عليه.. الفستان اللي حوشت من دمي عشان أشتريه، واللي كان المفروض يحسسني إني عروسة. بدل ما ألاقي الفستان، لقيت ألوان مفرقعة، وقماش واسع ومبهوق.. ومعاهم مناخير حمراء. صاحبتي الانتيم وإشبينتي، سارة، اتسمرت في مكانها وقالت: “إيه ده؟!” أنا فضلت متنحة للحاجة دي.. وبعدين فضلت أضحك، عشان كنت عارفة بالظبط مين اللي ورا الحركة دي.
حواتي المستقبلية، كاميليا الشافعي، الست اللي بقالها سنة كاملة بتحاول تبوظ الجوازة دي بكل الطرق، واللي كانت بتقولي في وشي إني مش من مستواهم ومستاهلش ابنها، وإن وجودي في العيلة هيجيب لهم العار. هي اللي بدلت فستان فرحي بلبس أراجوز، كانت فاكرة إني هفركش الفرح وأهرب وأنا بعيط، وأثبت لها إني فعلاً مش لايقة عليهم. طلعت اللبس وبصيت لسارة وقولت لها: “ناديلي الميكب آرتيست، قوليلها هنعمل حاجة مختلفة خالص النهاردة”. سارة بصتلي بذهول: “أنتِ بتتكلمي بجد؟!” قولت لها: “أنا هلبسه.. أنا همشي في الممر بالفرح بلبس الأراجوز ده، وهشكر كاميليا على الهدية دي قدام المعازيم كلهم”. واللي حصل بعد كده؟ مكانتش تتخيله في أحلامها.
أنا اسمي إيمان، عندي 28 سنة، وكنت هتحوز طارق الشافعي، حب حياتي. أنا وطارق اتقابلنا من أربع سنين في حفلة خيرية. أنا كنت أخصائية اجتماعية، وهو كان محامي شركات كبير. عالمين مختلفين تماماً، بس دخلنا دماغ بعض في ثانية. كان طيب، دم خفيف، وابن بلد ومتواضع جداً رغم إنه من عيلة غنية وعريقة. اتواعدنا تلات سنين قبل ما يطلب إيدي، وكل حاجة كانت مثالية.. لحد ما قابلت أمه. كاميليا الشافعي كانت من عيلة ليهم أصول وفلوس من زمان، عضويات في نوادي النخبة، وكل حاجة براندات، من نوعية الستات اللي بتقيمك على حسب جزمتك واسم عيلتك إيه.
أنا عشت في أسرة متوسطة، أبويا كان مدرس وأمي ممرضة. كنا عايشين مرتاحين ومستورين بس مش أغنية. طحنت نفسي في المذاكرة والشغل عشان أدفع مصاريف كليتي، وبدفع فواتيري بنفسي، وعايشة في شقة على قدي. بالنسبة لكاميليا، أنا كنت كل حاجة غلط في الدنيا؛ مش من عيلة مناسبة، مش من نفس بيئتهم، ومش كفاية لابنها الحبيس. أول مرة اتقابلنا، بصتلي من فوق لتحت وقالت: “آه.. أنتِ بقى الأخصائية الاجتماعية؟ شيء نبيل والله”. ومن ساعتها والموضوع نازل دحديرة.
حاولت تعمل كل حاجة عشان تفرقنا؛ كانت بتعرّف طارق على بنات من مستواهم في حفلات ومبتعزمنيش، وكانت دايماً بترمي كلام وتلقح على لبسي وشغلي وأهلي. طارق كان بيقف لها في كل مرة ويقولها: “يا ماما أنا بحب إيمان، وإحنا هنتجوز. تقبلي الموضوع أو ترفضيه ده يرجعلك، بس الجوازة هتم”. لما خطبنا، كاميليا جن جنونها، وحاولت تسيطر على كل ترتيبات الفرح؛ كانت عايزة تعمله في النادي بتاعهم، وبتجهيزاتها، والمعازيم بتوعها، ورؤيتها هي.
أنا رفضت بكل أدب وقولت لها: “شكراً يا طنط كاميليا، بس أنا وطارق عايزين فرح صغير، وحميمي، ويشبهنا أكتر”. اتقمصت واتعصبت جداً وقالت: “أنتِ بتبوظي الدنيا، فرح ابن الشافعي لازم يكون فخم، كبير، مش جمعية في جنينة خلفية!”. رديت عليها: “ده مش فرح في جنينة خلفية، دي حفلة في مكان مفتوح وجميل ومعانا 80 فرد بس، ناس بنحبهم وبيحبونا بجد”. قالتلي: “أنتِ بتبهدلي برستيج العيلة”. قولت لها: “أنا هتحوز ابنك، لو ده بيبهدل برستيجك فدي مشكلتك أنتِ مش مشكلتي”. ومكلمتنيش بعدها شهرين كاملين.
وقبل الفرح بتلات أسابيع، فجأة اتغيرت وبقت طيبة وبتتأسف: “إيمان، أنا كنت وحشة معاكي، أنا آسفة. أنا عايزة أساعد، قوليلي أقدر أعمل إيه؟” أنا كنت شاكة في الموضوع، بس طارق كان فرحان وعنده أمل وقاللي: “يمكن بتحاول بجد يا إيمو، يمكن اتقبلت الموضوع خلاص”. كنت عايزة أصدقه، فعشان كده أمنت لها. قولت لها: “حقيقي ممكن تساعديني في شيل الفستان؛ أنا هسيبه في القاعة ليلة الفرح، بس مش هكون هناك الصبح بدري، ممكن تتأكدي إنه وصل أوضة العروسة بأمان؟”

حكايات شروق خالد

كاميليا ابتسمت ابتسامة صفرا وقالتلي: “من عيني الجوز يا حبيبتي، متقلقيش خالص، فستانك في حفظ وصون”.
يوم الفرح الصبح، دخلت أوضة العروسة في الفندق وأنا طايرة من الفرحة، سارة صاحبتي كانت معايا وبتغني، والميكب آرتيست بدأت تجهز حاجتها. روحت عند الدولاب وفتحت السوستة بتاعة شنطة الفستان وأنا مغمضة عيني وببتسم.. ولما فتحت عيني، الصدمة لجمتني.
بدل الشيفون والدانتيل الأبيض اللي نقيتهم بالواحدة، لقيت قماش جبردين واسع ومبهوق، نصه أصفر ضارب ونصه أخضر فاقع، وعليه زراير حمراء ومطرز ببلالين، وفي قعر الشنطة كيس شفاف فيه بروكة صوف برتقالي ومناخير كورة إسفنج حمراء!
سارة اتسمرت في مكانها وقالت بذهول: “إيه ده؟! ده لبس أراجوز! فستانك فين يا إيمان؟!”
أنا فضلت متنحة للحاجة دي ثواني.. ثواني وبس، وبعدين بدل ما أعيط، فضلت أضحك بصوت عالي لدرجة إن سارة والميكب آرتيست افتكروني اتجننت من الصدمة. كنت عارفة بالظبط مين اللي ورا الحركة دي. كاميليا الشافعي.
الست دي كانت فاكرة إنها بذكائها ده هتخليني أنهار، وألغي الفرح، وأهرب وأنا بعيط من الفضيحة، وبكده تثبت لطارق إني حتة بنت ضعيفة ومش من مستواهم ومستحملتش الضغط. طلعت اللبس من الشنطة، وبصيت لسارة ببرود تام وقولت لها: “ناديلي الميكب آرتيست، قوليلها هنعمل حاجة مختلفة خالص النهاردة”.
سارة بصتلي بذهول وهي بتهز راسي: “أنتِ بتتكلمي بجد؟! هتبوظي ليلة عمرك عشانها؟”
رديت بثقة: “أنا مش هبوظ حاجة، أنا هلبسه.. أنا همشي في الممر بالفرح بلبس الأراجوز ده، وهشكر كاميليا على الهدية دي قدام المعازيم كلهم، وهتشوفي مين اللي ليلته هتبوظ”.
الميكب آرتيست كانت مبهورة بشجاعتي، وبدل المكياج الرقيق، عملتلي ميكب جاريء ومبهج يمشى مع اللبس بس بطريقة شيك ومجنونة، ولبست اللبس الواسع والمناخير الحمراء، وكنت طالعة فعلاً شبه “كلون” بس واثقة في نفسي لأبعد حدود.
لما جه وقت “الفيرست لوك” وطارق دخل الأوضة وهو لابس بدلتة الشيك ومغمض عينيه ومستني يشوف عروسته بالفستان الأبيض، قولت له: “فتح عينك يا تيتو”.
طارق فتح عينه.. وبرق. فضل واقف مكانه مش فاهم حاجة، بيبصلي من فوق لتحت وعينه بتتحرك بين البوكة البرتقالي واللبس المبهوق.
ضحكت وقولت له: “إيه رأيك في ذوق مامتك؟ بدلت الفستان بتاعي بلبس الأراجوز ده عشان تكسرني الصبح”.
ملامح طارق اتغيرت مية وتمانين درجة، الضحكة اختفت وعروق وش بانت من العصبية والغضب، وقال بصوت يرعش: “أنا هروح أهد الدنيا فوق دماغها، دي اتجننت رسمي!”
مسكت إيده وقولت له بهدوء: “لا، لو روحت زعقت وبلعت الفرح، هي كسبت. سيبني أنا أدير العرض ده يا طارق، واثق فيا؟”
طارق بص في عيني، وشاف فيهم تحدي وقوة عمره ما شافهم في بنت قبل كده، أخد نفس طويل وهدى وقال: “واثق فيكي يا إيمو.. ويلا بينا”.
المعازيم كانوا قاعدين في الجنينة المفتوحة، الأغاني شغالة، والكل مستني دخول العروسة. كاميليا كانت قاعدة في أول صف، لابس فستان سواريه غالي جداً، ومركبة على وشها ابتسامة النصر المنتظرة، وعمالة تبص في ساعتها ومستنية لحظة الانهيار والإلغاء.
وفجأة.. المزيكا اتغيرت لمزيكا سيرك سريعة ومبهجة، والباب اتفتح.
دخلت أنا وطارق وأنا شداه من إيده وبنرقص وبنضحك، وأنا لابة بدلة الأراجوز والمناخير الحمراء!
الناس كلها اتصعقت، همسات وهمهمات مالت المكان: “إيه ده؟!” “هي العروسة جرى في عقلها حاجة؟” “ده فرح ده ولا إيه؟”.
مشيت وسط الممر بكل فخر لحد ما وصلت للمسرح الصغير، وطلبت المايك من الدي جي. المكان كله سكت تماماً، وبقت الإبرة لو وقعت تتسمع.
بصيت لكاميليا اللي كان وشها بدأ يزرق وعينيها هتطلع من مكانها من الصدمة، وقولت في المايك بصوت عالي وواضح:
“مساء الخير على كل الناس اللي بنحبهم وبيحبونا وجايين يفرحوا معانا النهاردة. أنا عارفة إنكم مستغربين لبسي، بس أنا حابة أشكر شخص عزيز جداً في القاعة دي.. طنط كاميليا الشافعي، حماتي المستقبلية”.
الناس كلها لفت تبص لكاميليا، وأنا كملت:
“طنط كاميليا حبت تعملي مفاجأة الصبح، وبدلت فستان فرحي اللي شقيت عشان أشتريه باللبس ده. هي كانت فاكرة إن اللبس ده هيقلل مني أو يخليني أتكسف من أهلي ومن نفسي عشان أنا بنت بسيطة ومن عيلة متوسطة.. بس أنا عايزة أقولها قدامكم كلكم: لبس الأراجوز مابيقللش من صاحبه، الأراجوز شغلته يسعد الناس ويفرحهم، وأنا يشرفني إني أكون سبب فرحة ابنك.. الفلوس والبراندات مابتصنعش بني آدم يا طنط، الروح والنفسية النضيفة هي اللي بتصنع.. وشكراً ليكي على الهدية، لإنك أثبتيلي النهاردة إن طارق اختار صح، وإني قوية لدرجة تخليني أرقص باللبس ده وأنا أسعد عروسة في الدنيا”.
الجنينة كلها انفجرت بالصقفة والتصفير، صحابي وقرايبي وحتى أصحاب طارق وبابا وماما وقفوا يسقفوا بحرارة وجنون، والكل بقى يبص لكاميليا بنظرات احتقار وسخرية.. الست اللي كانت بتهتم بالبرستيج والمظاهر، بقت هي “الأراجوز” الحقيقي في نظر المجتمع بتاعها، وبوظت برستيج عيلتها بإيدها.
كاميليا مقدرتش تستحمل النظرات ولا الهمس، لمت شنطتها وقامت جريت من الفرح وهي بتعيط من الخزي والفضيحة بعد ما خطتها اتقلبت عليها.
طارق مسك المايك وقال: “وأنا فخور بيكي يا إيمان، وأجمل عروسة في عيني”.
الفرح كمل وكان أقوى وأجمل فرح، كل المعازيم نزلوا يرقصوا معايا ويتصوروا مع “العروسة الفرفوشة الشجاعة”، والكل كان بيتكلم عن الليلة دي.
أما كاميليا؟ فمن يومها وهي مابتجرؤش تبص في عيني، وعرفت كويس إن البنت البسيطة اللي كانت بتستقل بيها، عندها كرامة وقوة تكسر بيها أي حد يحاول ييجي عليها.

حكايات شروق خالد

بعد الفرح الأسطوري ده، حياتنا أنا وطارق اتغيرت تماماً.
كاميليا قعدت شهور قافلة على نفسها باب بيتها، ومبتظهرش في أي تجمع عائلي أو حفلات من اللي كانت بتموت فيها؛ لأن مجتمعها “الراقي” كله مكنش وراه سيرة غير خطتها الفاشلة، وإزاي البنت البسيطة “الأخصائية الاجتماعية” علمت عليها وكسرت برستيجها في وسط قصرها.
طارق قاطعها فترة مش قسوة، لكن عشان تحس بغلطتها وتفهم إنها كانت هتخسره للأبد بسبب كبرها وأنانيتها. بعد حوالي ست شهور، طارق جالي وقاللي: “إيمان، ماما تعبانة ورجليها شايلاها بالعافية، ونفسي تروحي معايا نزورها.. مش عشانها، عشاني أنا”.
بصيت لزوجي وحبيبي اللي وقف في وش الدنيا عشاني، وقولت له: “من عيني يا طارق”.
لما دخلنا فيلتها، كانت قاعدة باصة في الأرض، وشها مكنش فيه الكبرياء والتعالي بتاع زمان. بصتلي وعينيها لمعت بالدموع، وقالت بصوت واطي ومكسور: “أنا آسفة يا إيمان.. أنا عشت عمري كله فاكرة إن الفلوس والاسم هما اللي بيحموا البني آدم وبيعملوا له قيمة، بس أنتِ في ليلة واحدة علمتيني إن القيمة بالكرامة والنفس الشجاعة. أنتِ طلعتي أحسن وأقوى من كل اللي كنت بتمنى طارق يتجوزهم”.
قربت منها، وبست راسها وقولت لها: “حصل خير يا طنط، المسامح كريم، وإحنا أولاد النهارده”.
من يومها، كاميليا ا تغيرت مية وتمانين درجة، وبقت هي اللي بتتباهى بيا قدام أصحابها وتقول: “إيمان دي بمليون راجل، دي اللي صانت ابني ورفعت راسنا”.
وعرفت وقتها إن الحق لما بياخد حقه بذكاء وثقة، مش بس بيكسر الشر.. ده ساعات بيصلح النفوس كمان. وأنا وطارق عشنا حياتنا في تبات ونبات، وبقيت كل سنة في عيد جوازنا، أطلع بروكة الأراجوز والمناخير الحمراء من الدولاب، ونقعد نضحك أنا وهو على الليلة اللي بدأت بكيد حماتي، وانتهت بأجمل وأقوى ليلة عمر.

عروسة ببدلة أراجوز: ليلة كسر كبرياء حماتي

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *