وحش الجبل وسيدة قصر البركة** حكايات شروق خالد
بهيرة) اللي عندها 18 سنة، عرفت إنها في بيتها مابقتش بنت صاحب البيت، بقت مجرد بيعة وشروة.
الخبر الصدمة عرفته في المكتب القديم بتاع فيلا عيلتهم في مصر الجديدة، والدنيا برة كانت بتمطر غرق، ومرت أبوها، الست ميرفت، عمالة تظبط في خاتم ألماظ في إيدها وكأنها لسه مخلصة صفقة العمر.
قالت لها ببرود: “أنتي هتتجوزي المعلم رشدي الجبالي.. والمفروض تبوسي إيدك وش وضهر يا بت، الراجل ده لسه دافع كل ديون أبوكي وفك ضيقته”.
بهيرة حست إن نفسها اتكتم.. المعلم رشدي الجبالي!
كل الناس في جاردن سيتي والزمالك كانوا بيسموه “وحش الجبل”. كانوا بيقولوا عليه راجل ضخم، عيان، ومقفل، وعايش لوحده في قصر قديم ومقطوع وسط جبال الفيوم، وأي حد بيدخل عنده مابيطلعش سليم. وكانوا بيقولوا كمان إنه اتجنن بعد ما أخته الصغيرة ماتت.
بهيرة همست وهي مش مصدقة: “مش ممكن تعملوا فيا كده!”.
أبوها، الحاج رفعت، كان قاعد جنب الدفاية المطفية، عينيه حمرا، قميصه مبهدل، وإيديه بتترعش.. وما رضيش حتى يبص في عينيها. الراجل ده ضيع كل حاجة؛ الخيل، الذهب، الأراضي، الشيكات، وحتى صورة أم بهيرة الله يرحمها خسرها على طرابيزات القمار، وسط ناس بتشرب وتضحك وهو بيتخرب بيته. ولما مابقاش حيلته أي حاجة تانية، ضحى ببنت عمره.
مرت أبوها قالت لها بضحكة صفرا: “أنتي اللي هتنقذي العيلة دي، بلاش أنانية بقى”.
بهيرة ساعتها افتكرت حازم، الشاب الشيك اللي كان بيلبس على السنجه عشر، ووعدها بالحب الأبدي بعد ما رقص معاها في حفلة في نادي الجزيرة. كان قايل لها إنه هيخلصها من الجحيم ده، بس أول ما عرف أبوها مديون بكام، فص ملح وداب.. لا جواب، ولا مكالمة، ولا ريحة السلكان.
مرت أبوها اتريقت عليها وقالت: “أنتي بجد كنتي فاكرة الواد ده بيحبك؟ الرجالة اللي زي حازم بيحبوا لحد ما تظهر أول كمبيالة”.
الفرح اتمم بعد 3 أسابيع في جامع أثري قديم في وسط البلد. مكنش فيه أي فرحة، كان فيه وشوشة ولمز وهمز. الستات اللي لابسين لولي فالصو عمالين يقروا الفاتحة وهم بيمطوا رقابهم عشان يتفرجوا على البنت اللي اتباعت، والرجالة بتهيمس لبعض إن الجبالي دفع دم قلبه عشان ياخدها.
بهيرة مشيت وهي لابسة فستان عاجي كان شبه الكفن. وساعتها شافت رشدي.
كان ضخم جداً، وبدلتو السودا مش قادرة تديرى حجم جسمه. كان بيتنفس بصعوبة وساند على عكاز فضة، وشه كان مخطوف وشفايفه مضمومة والعرق مغرق جبينه. بس عينيه مكنتش شريرة.. كانت عينين رايقة، وتعبانة، وفيها حزن يهد جبال.
لما بهيرة حطت إيدها في إيده، مسكها بحنية خلتها تتهد من جواها. همس لها وقال: “ماتخافيش.. أنا مش جايبك هنا عشان ألمسك ولا أأذيكي”.
بهيرة معرفتش تنطق.
بعد كتب الكتاب، رشدي أمر إنهم يتحركوا فوراً على القصر. لا كان فيه بوفيه، ولا شربات، ولا مزيكا. مجرد عربية سودا ماشية في طريق مقطوع ومضلم تحت مطر مابيبطلش.
قصر “البركة” ظهر في الضلمة كأنه قلعة صخر قديمة، محاوطاه شجر عريان وريح بتصفر. الشغالة الكبيرة أخدتها على أوضة واسعة جداً، فيها سرير خشب محفور، وستائر حمرا، وبرواز قديم.
بهيرة فضلت واقفة جنب الدفاية وهي بتترعش من فوق لتحت. وبعد كام ساعة، الباب اتفتح.
دخل رشدي من غير الجاكيت، وزرار قميصه الأبيض مفتوح من عند الرقبة، وصوت العكاز بيخبط براحة على الأرض. هي رجعت لورا من الخوف، وهو لاحظ ده.
قال بصوت جهوري وخشن: “أنا شبه الوحش في عينيكي.. مش لومك”.
رشدي مقربش من السرير، راح قعد على كرسي مريح قدام النار، وحط شوية ميزانيات وورق على الترابيزة.
“اقعدي يا بهيرة.. الليلة دي مفيش كدب”.
هي قعدت وقلبها هيقف من الرعب.
رشدي فتح أول ملف وقال: “أبوكي مابعشليش زوجة، أنا اشتريت وقت.. ليكي وليا”.
بهيرة رفعت عينيها وهي مش فاهمة حاجة.
“حازم مكنش عاوز يتجوزك عشان بيحبك، كان عاوز ورثك”.
“ورث إيه؟ أنا معيش مليم!”.
رشدي بص لها أوي وقال: “لا، عندك.. أمك الله يرحمها كانت وارثة أراضي في المحلة تسوى ملايين، أكتر مالي كان أبوكي يتخيله. ولما تتمي 21 سنة، الأراضي دي هتبقى باسمك قانوناً. وحازم عرف الحكاية دي قبلك”.
بهيرة حست برعشة في جسمها كله.
رشدي طلع ورقة تانية صفرا، عليها أختام مستشفيات ودكاترة: “من 4 سنين، حازم ضحك على أختي الصغيرة فريدة، وهربت معاه وهي فاكرة إنه بيعشقها. بعد 6 شهور ماتت.. قالوا ماتت بالحمي، بس الحقيقة إنها ماتت بالسم.. أخدوا شبكتها وفلوسها وسابوها تموت، وأنتي كنتي الدور اللي عليه”.
الدنيا لفت ببهيرة، وفي اللحظة دي رشدي جاله كحة شديدة جداً، وطلع منديل كتم بيه بوقه، ولما شاله، بهيرة شافت بقعة دم غامقة.
سألته بصوت رايح من الخوف: “أنت مالك؟ فيك إيه؟”.
ابتسم بوجع وقال: “جرالي اللي جرى لفريدة، بس على الهادي.. عمي إبراهيم بقاله سنين بيسقيني السم ده. الناس فاكرة إني تخنت من الطفاسة، بس الحقيقة إن جسمي بيتملي مياه وقلبي بيموت بالبطيء”.
بهيرة اتسمرت في مكانها: “طب ولما أنت عارف كل ده.. اخترتني أنا ليه؟”.
رشدي ساند بكل تقله على العكاز وقال: “عشان محتاج حد الكل مستهون بيه.. حد يكون صغير، وذكي، وجواه غل من الدنيا. عمي مستني أموت عشان يورث القصر والمصانع والناس اللي بتاكل عيش من ورايا، وحازم مستنيكي تبقي أرملة، ووحيدة، ومعاكي ملايين عشان يرجعلك. أنا بقى قطعت عليهم الطريق”.
بهيرة حست إن فيه حاجة جواها اتكسرت، وحاجة تانية بتولع نار.
رشدي زق الورق ناحيتها وقال: “أنتي مش هتقاسميني سريري.. أنتي هتقاسميني حربي. وبكرة، لو عندك قلب ومبتخافيش، هستناكي في مكتبي”.
ثاني يوم الصبح، بهيرة منامتش ولا دقيقة. فضلت قاعدة طول الليل باصة للورق وللدموع اللي نشفت في عينيها. الغل والخيانة صحوا جواها واحدة ثانية خالص غير البنت الضعيفة اللي اتسابت في صالون بيتها في مصر الجديدة.
أول ما الشمس طلعت، غسلت وشها، ورفعت شعرها لفوق، ونزلت السلم الطويل بتاع القصر وعينيها مليانة تحدي.
خبطت على باب المكتب ودخلت.
رشدي كان قاعد ورا مكتب خشب ضخم، وشه تعبان ومخطوف أكتر من بالليل، وجنبه الشغالة الكبيرة كانت بتديله كباية أعشاب ريحتها نفاذة. أول ما بهيرة دخلت، رشدي شاور للشغالة تخرج وقفل الباب وراها.
بص لبهيرة وقال بصوته الخشن: “كنت فاكرك هتاخدي أول عربية وترجعي لـ أبوكي”.
بهيرة قربت من المكتب، سحبت كرسي وقعدت حاطة رجل على رجل وقالت بثبات: “أبويا باعني.. وحازم ق*تل أختك وكان عاوز يقت*لني.. وعمك بيسمك. أنا ماليش مكان أرجعله يا معلم، ومبمشيش من معركة قبل ما أخد حقي”.
رشدي عينيه لمعت، ولأول مرة تظهر على وشه دبة الحياة: “هو ده الكلام.. اسمعي بقى، عمي إبراهيم هييجي هنا النهاردة بليل بحجة إنه بيبارك، ومعاه حازم.. أه، حازم شغال معاه ومن رجليته، وهما فاكرين إنك صيد سهل، وكمان يومين عمي هيحاول يخليني أمضي على التنازل عن المصانع قبل ما السم يخلص عليا”.
بهيرة مالت عليه وقالت بصوت واطي: “والعمل؟”.
“أنتي اللي هتتعاملي معاهم.. أنا هبين إني تعبان ومش قادر أصلب طولي، وأنتي هتظهري قدامهم البنت المكسورة الخايفة اللي ملهاش كلمة، لحد ما نكشف ورقهم كله ونحبسهم بالسم اللي في دمي والورق اللي معاكي”.
بليل، القصر نـور، ودخل عم رشدي، “الحاج إبراهيم”.. راجل عيوز بسبحة في إيده وضحكة مفيش أخبث منها، وراه كان واقف حازم، بكامل شياكته وريحة برفانه اللي كانت بتقلب بطن بهيرة.
أول ما حازم شاف بهيرة، عزل عينيه عنها بخبث وعمل نفسه مكسوف ومتأثر، والحاج إبراهيم قرب من رشدي وباسه وقال بنبرة حنينة فالصو: “ألف مبروك يا ابن أخويا، كان نفسي تفرح وتتجوز ست الستات وأنت بصحتك.. بس المكتوب مفيش منه هروب”.
رشدي كح بتعب مصطنع وبص لبهيرة: “سلمي على عمي يا بهيرة.. وهاتيلي دوايا من جوه”.
بهيرة قامت، وكانت بتترعش “تمثيل” قدامهم، وهي رايحة تجيب الدوا، حازم لمح الفرصة وداير وراها في الطرقة الضلمة اللي عند المطبخ.
مسك إيدها بسرعة وقال بنبرة واطية وفيها لهفة كدابة: “بهيرة! أنتي إيه اللي جابك للوحش ده؟ أنا اتصدمت لما عرفت.. عمي إبراهيم قالي إنه اشتراكي عشان يذل رشدي.. أنا بموت من يوم ما سبتيني يا بهيرة”.
بهيرة لفت له، وعينيها مليانة دموع مزيفة وقالت: “حازم؟ أنت بتعمل إيه هنا؟ هما قالوا لي إنك نسيتني!”.
حازم قرب منها أكتر وقال بجاحة: “أنا أنساكي؟ أنا شغال مع الحاج إبراهيم مخصوص عشان أبقى قريب منك.. اسمعيني، الراجل ده (يقصد رشدي) ميت ميت، مش هيعيش شهر كمان، عمي إبراهيم مرتب كل حاجة.. أول ما يموت، الورث والمصانع كلها هتبقى لينا، وأنا وأنتي هنتجوز ونعيش في خيره.. بس أنتي اسمعي كلامي في كل حاجة هقولك عليها”.
بهيرة حست بقرف مش طبيعي، الراجل اللي كانت فاكراه حبيب عمرها، بيخطط لق*تل جوزها وبيتكلم عن ج/ثته وكأنها صفقة.
هزت رأسها بالموافقة وقالت: “حاضر يا حازم.. أنا هعمل كل اللي تقولي عليه، بس أوعى تسيبني هنا لوحدي”.
حازم ابتسم بنصر وسابها ورجع الصالون وهو فاكر إنه ملك الدنيا وخلاص البنت الساذجة بقت في جيبه.
بهيرة رجعت الأوضة ومعاها كباية المية والدوا، وبصت لرشدي وغمزت له بعينيها.. الإشارة وصلت. المعركة بدأت، والاتنين الأقوياء اللي الدنيا جاية عليهم، بقوا إيد واحدة في وش الكل.
الليل عدا، والحرب الباردة بدأت رسمي جوه القصر.
الحاج إبراهيم وحازم بقوا رايحين جايين على القصر بحجة الشغل، وفي كل مرة كان حازم يحاول يتسحب ورا بهيرة في الطرقة عشان يديها تعليمات، وهي كانت بتلعب دور البنت الساذجة المظلومة بعبقرية، وتنقله كل كلمة بيقولها لرشدي.
في يوم، دخلت بهيرة مكتب رشدي وقفلت الباب بسرعة، كانت بتنهج: “رشدي.. حازم قالي إن عمك جايب بكره المحامي ومقنعينك إنها أوراق جرد المصانع، بس الحقيقة إنه تنازل بيع وشراء عن كل أملاكك باسم الحاج إبراهيم”.
رشدي سند ضهره على الكرسي، وابتسامة ثقة ظهرت على وشه رغم التعب: “تمام.. اللعبة هتنتهي بكره يا بهيرة. أنا كلمت دكتور كبير وصاحب عمري من برا المحافظة، وهييجي بكره مع الشرطة، والتحاليل اللي تثبت السم في دمي جاهزة”.
بهيرة بكتف في كتفه: “وأنا جاهزة للتمثيلية الأخيرة”.
تاني يوم العصر، وصل الحاج إبراهيم ومعاه المحامي وحازم، وكانوا داخلين وعينيهم بتاكل الحيطان وكأن القصر بقى بتاعهم خلاص. دخلوا المكتب لقوا رشدي قاعد على الكرسي، وشه شاحب جداً، وبيتنفّس بالعافية، وبهيرة واقفة جنبه بتمسح جبينه بمنديل وبتبكي بنهنهة.
الحاج إبراهيم قرب بخبث: “شد حيلك يا ابن أخويا.. الشغل مش مستني، والمصانع واقفة حالها. أمضي بس على أوراق الجرد دي عشان المحامي يخلص الإجراءات وتستريح أنت”.
رشدي طلع صوت مبحوح وضعيف: “مش قادر يا عمي.. عيني مش شايفة الكلام.. أشهد يا حازم، أشهد يا محامي إني مش قادر”.
حازم قرب بسرعة وعينيه بتلمع بالطمع: “معلش يا معلم، أمضي بس في الخانة دي عشان نلحق السوق.. إحنا بنساعدك”.
في اللحظة دي، رشدي مسك القلم بإيد تترعش، وقبل ما يحطه على الورق، بهيرة اتدخلت بصوت عالي ومذعور: “استنى يا رشدي! متمديش!”.
الحاج إبراهيم برّق لها بغل: “أنتي بتدخلي في شغل الرجالة ليه يا بت؟ اتفضلي على أوضتك!”.
حازم بص لها بصدمة وهمس: “بهيرة.. أنتي بتعملي إيه؟”.
بهيرة مسحت دموعها فجأة، ووقفت طولها، ونظرة الانكسار اللي في عينيها اختفت وحل مكانها برود وثقة خلتهم يتسمروا في مكانهم. قالت للحاج إبراهيم: “الشغل ده يخص جوزي يا حاج.. ويخصني أنا كمان، عشان الورق ده مش ورق جرد، ده تنازل عن كل حاجة”.
حازم زعق: “أنتي اتجننتي؟ أنتي هتعرفي أكتر من المحامي؟”.
وهنا.. رشدي قام وقف على حيله من غير العكاز، رمى القلم في وش عمّه، وصوته الجهوري رجّ الحيطان: “لا.. هي متنطقتش، إحنا اللي كشفنا لعبتكم القذرة يا إبراهيم!”.
ملامح إبراهيم وحازم اتقلبت للرعب، وحازم خطف خطوتين لورا وهو مش مستوعب إزاي رشدي واقف على رجليه بالصحة دي.
رشدي كمل بجمود: “السم اللي كنت بتهندس له بقالك سنين مع حازم، أنا وقفته من شهر، والعلاج شغال، والتحاليل الطبية والسموم اللي في دمي متوثقة عند النيابة.. وبلاغ الق*تل العمد وج/ريمة ق*تل أختي فريدة اتفتح من جديد”.
الباب اتفتح فجأة ودخل دكتور ومعاه ضابط شرطة وقوة من الرجالة.
حازم وشه بقى أبيض زي الملخية، وبص لبهيرة بغل وهو مش مصدق: “أنتي.. أنتي اللي بلغتيه؟ أنتي بعتيني يا بهيرة؟”.
بهيرة قربت منه ووقفت قدامه بكل شموخ وقالت بصوت مسمع: “أنا مبعت كش، أنا أخدت طار فريدة.. وحميت نفسي من واحد زيك كان فاكر البنات لعبة يدوس عليها عشان يوصل للملايين. برة يا حازم.. برة أنت والقاتل التاني”.
الشرطة كلبشت الحاج إبراهيم وحازم اللي كانوا بيصرخوا وبيلعنوا، وخرجوا بيهم وسط جرسة قدام أهل البلد كلهم.
المكتب فضي، ومبقاش فيه غير رشدي وبهيرة.. والهدوء اللي بقاله سنين مدخلش القصر ده.
رشدي بص لبهيرة، عينيه اللي كانت دايماً حزينة، بقا فيها لمعة فخر وامتنان حقيقي. قرب منها، وسند على مكتبه وقال بنبرة هادية وخارجة من القلب: “أنا مدين ليكي بحياتي يا بهيرة.. أنتي فعلاً كنتي قد الحرب”.
بهيرة ابتسمت لأول مرة من قلبها، وحست بأمان عمقها ما عاشته في بيت أبوها: “إحنا شركاء يا معلم رشدي.. والحرب دي، إحنا كسبناها سوا”.
ومن اليوم ده، بهيرة م بقتش البنت اللي اتباعت عشان دين.. بقت هي سيدة “قصر البركة”، والوحش اللي كانوا بيخافوا منه، بقى هو السند الوحيد اللي عوضها عن الدنيا كلها.
مرت الشهور، وقصر “البركة” اللي كان الناس بيخافوا يعدوا من جنبه، اتقلب وبقى حتة من الجنة. الضحكة رجعت تدوي في الطراريح الواسعة، والخدم بقوا يتحركوا بفرحة بعد ما انزاح كابوس الحاج إبراهيم وحازم اللي نالوا جزاهم ورا القضبان، بتهم الق*تل العمد والتزوير.
في يوم العصر، كانت الشمس بتميل وبتفرش لونها الدهبي على جنينة القصر. بهيرة كانت قاعدة بتشرب شاي، ولابسة فستان رقيق مخلّيها زي الأميرات.
رشدي خرج لها من باب الصالون، بس المرة دي من غير عكاز خالص! صحته رجعت له، وبقى مالي مركزه، وضخامته اللي كانت بتبان مرضية بقت هيبة وفخامة تليق بـ “المعلم رشدي الجبالي”.
قرب منها وابتسامته سبقت خطاويه، حط إيده على كتفها بحنية وقال: “الجميل سرحان في إيه؟”
بهيرة لفت له وابتسمت وهي بتطمن على ملامحه: “سرحانة في الدنيا.. إزاي في كام شهر كل حاجة اتبدلت. أنا بكره هتم الـ 21 سنة يا رشدي، يعني قانوناً أراضي المحلة بقت ملكي”.
رشدي قعد قصادها ومسك إيديها بين كفوفه الكبيرة: “ودا معناه إني بكره الصبح هاخدك ونروح للشهر العقاري، عشان نثبت كل شبر باسمك. مليم واحد من حقك مش هسيبه بره، ولا هسمح لمخلوق يطمع فيكي تاني”.
بهيرة بصت في عينيه وقالت بنبرة فيها عتاب محب: “أنت لسه فاكرني البنت المكسورة اللي أبوها رماها؟ أنا مبقاش يهمني أراضي ولا ملايين يا رشدي.. أنا ورثي الحقيقي هو أنت، والأمان اللي عشته جنبك”.
رشدي عينيه لمعت بدموع الفرحة، وطبع بوسة طويلة على إيديها: “أنتي اللي أحيتيني من تاني يا بهيرة. أنا كنت مجرد ج/ثة مستنية الموت، وأنتي جيتي بقوتك وعقلك نفختي الروح فيا وفي القصر ده”.
وفعلاً، تاني يوم الصبح، بهيرة استلمت كل أوراق ورثها شرعاً وقانوناً. بس المفاجأة الكبيرة كانت لما رجعوا القصر بليل.
رشدي كان مجهز حفلة وعازم فيها كل عمال المصانع وأهل البلد الغلابة اللي بيحبوهم. القصر كان منور بالأنوار الفرحانة، والذبائح شغال توزيعها على الناس، والكل بيدعي لهم بالصحة والخلف الصالح.
وسط الزيطة والفرحة، رشدي وقف وطلب من الكل يسمعوه، وبص لبهيرة قدام الناس كلها وقال بصوت قوي وواضح: “يا أهل البلد.. الست بهيرة مش بس مراتي، الست بهيرة هي شريكتي في كل مصنع وكل أرض وكل لقمة بناكلها.. وكلمتها في القصر ده وفي الشغل من كلمة رشدي الجبالي”.
الناس كلها صقفت وزقططت، وأبوها الحاج رفعت اللي كان قاعد في زاوية وشه في الأرض من كسوفه بعد ما عرف قيمة بنته، قرب منهم وعينيه مليانة ندم.
الحاج رفعت قال بمرارة: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت مغمي عيني ورميتك في النار”.
بهيرة بصت لأبوها، ولأن قلبها أبيض ومفيش فيه غل، طبطبت على إيده وقالت: “مسامحاك يا بابا.. لولا رميتك دي، مكنتش عرفت طعم السند الحقيقي، ولا كنت لقيت الراجل اللي صانني وعوضني عن كل الوجع”.
الليل عدا، والناس مشيت، ورجع الهدوء الدافئ يملى المكان. وقفوا هما الاتنين في البلكونة الكبيرة باصين للنوم اللي مغطي البلد.
رشدي لف لبهيرة، وحضنها بقوة وكأنه بيقفل على سعادته من الدنيا كلها، وهمس في ودنها: “تفتكري حكايتنا خلصت كده يا بهيرة؟”
بهيرة ريحت رأسها على صدره، وهي سامعة دقات قلبه القوية السليمة، وقالت بابتسامة مالية وشها: “لا يا معلم رشدي.. حكايتنا لسه بتبدأ، والمرة دي، مفيش وحوش.. فيه بس بهيرة ورشدي، والأيام الجاية كلها خير”.
**وحش الجبل وسيدة قصر البركة**
حكايات شروق خالد