ملح الكرامة ج1 حكايات شروق خالد
القلم نزل على وشي قبل ما المعلقة تلمس الأرض.. في ثانية واحدة، السفرة اللي كانت دافية ومنورة بالشموع وريحة الفراخ المحمرة، اتقلبت وجهنم ولعت في خدي عشان نسيت أحط ملح في الشوربة.
جوزي، طارق، وقف فوق راسي وإيده لسه مرفوعة، وكان بينهج كأني عملت جريمة مش مجرد طبخت عشا بعد شفت شغل طحن اتناشر ساعة. الناحية التانية من الترابيزة، حاته، حنان، حطت إيدها على بقها.. مش من الخضة ولا الصدمة، لأ.. دي كانت بتداري ضحكتها.
#حكايات_شروق_خالد
قالت وهي بتمسح دمعة كدابة من طرف عينها: “يا طارق.. أنت حذرتها ميت مرة قبل كده، في ستات مبتتعلمش غير بالكسرة والفضائح”.
لمست خدي.. صوابعي كانت بترتعش، بس صوتي متهزش.
همست: “دي كانت شوية شوربة”.
طارق قرب مني لدرجة إني شميت ريحة السجاير في نفسه وقال: “ده كان قلة أدب وعدم احترام”.
بقالي تلات سنين مخلية طارق يفتكر إن سكوتي ده ضعف. سبت حنان تغير نظام المطبخ بتاعي، وتنتقد لبسي، وتفتح جواباتي، وتسميني “الغلابة اللي طارق اتجوزها لله”. كنت ببتسم وهم بيتريقوا على شغلي البسيط كـ مسؤولة عقارات. ولقيتني هادية لما طارق ساب شغله في البنك وقال ببرود: “الست الأصيلة هي اللي تشيل أحلام جوزها”.
واضح إن أحلامه دي كانت عبارة عن إنه يصرف فلوسي أنا، وينام لحد الظهر، ويسمي الشقة دي مملكته.
حنان زقت الكرسي لورا وشاورت على باب الشقة: “اطلعي برا بيتي”.
طارق لف وبقى حاسس بقوته تاني وقال: “سمعتي أمي قالت إيه؟ برا”.
كانت هربانة مني ضحكة.. مش عشان الموقف يضحك، بس من كتر الغباء. هما بنوا عرش كامل على أرض هما أصلاً ميميملكهاش.
بصيت على أرضية البورسلين، والرفوف العمولة، والبلكونة اللي بتطل على أضواء المدينة. أبويا الله يرحمه هو اللي اشترى الشقة دي وكتبها باسمي من قبل ما طارق يعرف أصلاً إني موجودة في الدنيا. وأمنت نفسي قبل الجواز بعقد واتفاق ما قبل الزواج طارق مضى عليه من غير ما يقراه، من كتر ما كان مبهور بمنظر الشقة والمنطقة ومسألش في أي تفاصيل.
ضحكة حنان بقت أشرس وقالت: “مستنية إيه؟ مستنية تترجينا عشان نسامحك؟”
مسكت موبايلي.
طارق ابتسم بسخرية: “هتكلمي صاحبتك تقعدي تعيطي لها؟”
قلتله وأنا بطلب النجدة: “لأ.. أنا بطلب البوليس”.
وشه اتقلب، بس للحظة واحدة.
بعد ربع ساعة، العالم بتاعهم كله بدأ يتهد فوق دماغهم… يتبع في التعليقات 👇
#حكايات_شروق_خالد
الباب خبط، وطارق جرى يفتح وهو فاكر إن البوليس جاي ينجده أو يرميني برا. بس المفاجأة إن اتنين أمنا شرطة ومعاهم ضابط دخلوا الشقة.
طارق بدأ يتكلم بسرعة وبتناكة: “يا فندم كويس إنكم جيتوا، الست دي مش عايزة تطلع من بيتي وبتعمل مشاكل”.
الضابط بصله وبصلي، وأنا قمت وقفت بكل ثبات، وريته خدي اللي كان لسه معلم ومحمر، وطلعت من درج المكتب أصل عقد ملكية الشقة المسجل في الشهر العقاري باسمي، ومعاه ورق الجواز وعقد الاتفاق اللي بيمضي عليه إنه ملوش أي حق في الشقة.
الضابط قرأ الورق، وبص لطارق وقال له بنبرة ناشفة: “الشقة دي باسم الأستاذة يا أستاذ، وأنت هنا مشهود ضدك بواقعة اعتداء وضرب.. اتفضل معانا على القسم أنت ووالدتك”.
حنان وشها جاب ألوان، والضحكة اختفت تماماً، وبدأت تصرخ: “يا فندم دي شقة ابني! أنت مش عارف أنت بتكلم مين؟”
الضابط رد عليها بحسم: “يا فندم الورق رسمي وصاحبة الشقة طالباكم بالاسم في بلاغ اعتداء وطرد من ملكيتها.. لو سمحتوا من غير شوشرة اتفضلوا قدامي”.
طارق كان واقف زي العيل الصغير، بيبصلي بعيون كلها رعب ومكنش متخيل إن السكوت اللي عاش فيه تلات سنين كان وراه القوة دي كلها. نزلوا هما الاتنين مكسورين والكل في العمارة بيتفرج عليهم.
أنا قفلت الباب وراهم، وبصيت على الشوربة اللي على السفرة.. سحبت ملاحة الملح، ورشيت منها شوية على الأكل، وأكلت لقمة بكل هدوء.. الشقة رجعت حرة، وأنا رجعت لحياتي.
ملح الكرامة
ج1
حكايات شروق خالد