عالم الحيتان ج1 حكايات شروق خالد
في جيب الجاكيت 64 دولار من فلوس التيبس (البقشيش)، وعمالة أفكر يا ترى وصل الكهرباء ينفع يتأجل أسبوع كمان ولا لأ.
التروللي دخل من باب الطوارئ قبل ما أوصل للسلم.
راجل قميصه الأبيض غرقان دم.. دراعه مدلدل بطريقة غلط.. والممرض بيزعق بطب السرير وفصيلة الدم — AB سالب — والتوتر اللي مالي الأوضة كان باين إنهم معندهمش الفصيلة دي ومحتاجينها فوراً.
AB سالب. دي فصيلتي أنا. أندر فصيلة دم في الداتا بيز؛ بنك الدم كلموني مرتين قبل كده عشانها.
اكتشفت نفسي باخد خطوة لقدام.
أربعين دقيقة قاعدة على كرسي جلد مقطع. ممرضة اسمها هالة، لابس سلسة فيها ما شاء الله، وكانت بتقول لكل الناس يا حبيبي بنفس النبرة التعبانة بتاعة حد شغال بقاله 14 ساعة متواصلة.
قالت لي وهي بتشيل السن: “أنتِ غالباً لسه منقذة حياته حالا”.
هزيت رأسي. دفعت ثمن روشتة يوسف. وروحت. وعلى الأسبوع اللي بعده، كنت نسيت الحكاية دي تماماً.
ده كان من ست أسابيع.
كنت بفتكر الحكاية دي يوم الخميس اللي كل حاجة اتغيرت فيه — وغريبة، لأني مكنتش بفتكرها أبداً.
ساعة ضغط الغدا كان فيها كمية تعب مش طبيعية. كنت واقفة عند محطة الخدمة، مستنية طلبات ترابيزة تسعة، ولقيت نفسي بفتكر الكرسي الجلد بتاع المستشفى. السقعة بتاعة أوضة المستشفى بعد ما دمي خلص وبقى في حتة تانية.
باب المطعم اتفتح.
#حكايات_شروق_خالد
المكان هسس.. صمت تام. مش بالتدريج.. لأ، كله سكت مرة واحدة.
رفعت عيني أفسر في إيه.
خمس رجالة دخلوا الأول. لبسهم غامق، وليهم طريقة معينة في الوقفة وفرض السيطرة في المكان — مش بلطجة، بس داخلين بثقة وثبات. من نوعية الناس اللي حضورها بيوصّل رسالة من غير ما يتكلموا نص كلمة.
بعدين دخل السادس.
طويل. فكه عريض وفيه جرح أخدت بالي منه من غير ما أفهم ليه لفت نظري قوي كده. عينيه الرمادي كانت بتتحرك في الأوضة زي المايه — بيلقط المخارج، الزوايا، الناس، كل حاجة في أقل من تلات ثواني.
عادل، المدير بتاعي، اللي أنا شفته قبل كده واقف جبل ومتهزش في حريقة ولعت في المطبخ، ولا في تفتيش الصحة اللي كان هيقفلنا، ولا حتى مع زبون حدف طبق قبل كده — عادل جري ناحية الباب بسرعة لدرجة إنه خبط في ترابيزة التجهيز.
قال بنبرة مخطوفة: “مراد بيه الألفي”.
الاسم مشي في المطعم كله زي الوشوشة. مش بصوت عالي. بس بيتنقل من ترابيزة لترابيزة كأنه شفرة.
مراد الألفي.
أنا كنت عارفة الاسم ده زي ما كل الناس في مصر عارفة أسامي معينة. من تحت لتحت. من العناوين اللي بتظهر وتختفي في الأخبار من غير ما حد يعرف آخرتها إيه. من الطريقة اللي الكبار بيوطوا صوتهم بيها لما يجيبوا سيرته، زي ما بيتكلموا عن الكوارث الكبيرة أو الأمراض الخطيرة.
كان بيملك حاجات كتير. شركات استيراد وتصدير. عقارات وأراضي. كان فيه قضايا وتحقيقات.. طول عمره حواليه تحقيقات ومبيتمسكش عليه حاجة.
كان واقف في المطعم عندي.
وفجأة.. بص لي.
مش لعادل. مش للمكان. بص لي أنا — عليا علطول، بتركيز حسيته كأنه بيقفل دايرة كانت مفتوحة مش لسه بيبدأ حاجة جديدة. ملامح وشه اتغيرت بطريقة معرفتش أفسرها. مش صدمة. حاجة تانية خالص.
راحة.
#حكايات_شروق_خالد
مراد الألفي مشي في خط مستقيم ناحيتي، ورجالته اتوزعوا في الصالة زي الحيطة اللي بتعزلنا عن بقية الزباين. عادل المدير بتاعي كان واقف على جمب وشه جايب ألوان ومش قادر ينطق بكلمة.
وقف قدامي بالظبط، ريحة البرفان الرجالي الفخم بتاعه غطت على ريحة أكل المطعم كلها. بصل لاسم “ندى” المكتوب على بطاقة الشغل المثبتة على قميصي، وبعدين رجع بص في عيني وقال بصوت واطي وهادي بس مسمعش نقاش:
* “بقالي ست أسابيع بقلب عليكي الدنيا يا ندى.”
بلعت ريقي وبصيت لرجالته وبعدين بصيت له:
* “أنا.. أنا معملتش حاجة يا فندم، أنا مجرد شغال هنا.”
مراد ابتسم ابتسامة خفيفة ملمستش عينيه الرمادي اللي كانت لسه بتقراني بتركيز مرعب، ورفع إيده يشاور على صدره، ناحية الشمال بالظبط:
* “عارف إنك معملتيش حاجة وحشة.. أنا اللي عايش بدمك هنا. الرصاصة اللي أخدتها من ست أسابيع كانت هتنصّف عمري، لولا فصيلة دمك اللي نقذتني في قصر العيني.”
الدنيا لفّت بيا واكتشفت اللغز. الراجل اللي كان غرقان دم والقميص الأبيض بتاعه متبهدل، مكنش مجرد حادثة عادية.. ده كان الحوت اللي البلد كلها بتخاف منه.
مراد كمل ومسك محفظته، طلع منها رزمة فلوس وحطها على السيرفيس قدامي:
* “دي حاجة بسيطة عشان بخاخة يوسف، وعشان وصل الكهرباء اللي شاغلك.. ومن النهاردة، مفيش شفتات زيادة، ومفيش تعب تاني.”
بصيت للفلوس وبصيت له برعب:
* “أنت.. أنت عرفت عن أخويا وعن بيتي إزاي؟”
مراد مَيل عليا وقال بنبرة حاسمة:
* “أنا لما بهتم بحد، بعرف عنه دبة النملة يا ندى. وأنتِ من النهاردة بقيتي تخصيني.. واللي يخص مراد الألفي، مبيشيلش هم الدنيا.”
لف ضهره وأدا إشارة لرجالته، وقبل ما يخرج بصلي وقال:
* “جهزي نفسك.. الشغل هنا خلص، ومن بكرة ليكي مكان تاني خالص.”
خرج وساب المطعم كله بيبصلي بنظرات صدمة وذهول، وأنا واقفة مكاني مش مستوعبة إن لتر دم اتبرعت بيه وأنا مكسورة، هيرجع يغير مجرى حياتي كلها ويدخلني عالم “الألفي” اللي ملوش راجع.
عالم الحيتان ج1
حكايات شروق خالد