دبله فضه وفستان فضي الجزء الثاني حكايات شروق خالد

نزل الكأس من يد شريف ليتحطم إلى مئة قطعة على الأرض الرخامية، وتزامن الصوت مع انفتاح أبواب القاعة الخلفية بدفعات قوية. لم تكن هذه الدفعة جرسونات يحملون المزيد من الأطباق، بل رجالاً بملابس رسمية داكنة، يتقدمهم ضابط برتبة عقيد من مباحث الأموال العامة، ترافقه قوة مكافحة الفساد.
تحول الصخب وضجيج الضحكات تحت النجف الكريستال إلى صمت خانق. تقدم العقيد بخطوات عسكرية ثابتة وسط ذهول رجال الأعمال والمستثمرين، واتجه مباشرة نحو شريف الذي كانت يده ما زالت معلقة في الهواء وعيناه تتسعان برعب لم يختبره من قبل.
* “المهندس شريف هلال؟” سأل العقيد بصوت جهوري قطع سكون المكان.
* “أه.. أيوة أنا يا فندم. في إيه؟ أكيد في سوء تفاهم، دي حفلة مشروع أبراج النيل..”
* “مفيش سوء تفاهم. معانا أمر من النيابة العامة بضبط وإحضار سيادتك، والسيدة نادية والدتك، والآنسة ميار علام، بتهمة اختلاس أموال المستثمرين، وتأسيس شركات وهمية برة مصر بغرض غسيل الأموال، والتزوير في أوراق رسمية.”
انطلقت صرخة مكتومة من ميار التي تراجعت خطوتين للخلف وهي تحاول إخفاء وجهها بحقيبتها، بينما تجمدت حماتي نادية في مكانها، وسقط “البروش” الماسي من يدها المرتعشة ليتدحرج تحت أقدام الحاضرين.
شريف حاول استجماع شجاعته الكاذبة وتحدث بنبرة حادة:
* “أنت مش عارف بتكلم مين! أنا رئيس مجلس إدارة أكبر شركة مقاولات في البلد، والفلوس دي فلوس شركتي!”
خطوت خطوة واحدة للأمام، ووقفت في مواجهته مباشرة، والبرود الذي كان يسري في عروقي تحول إلى قوة تلمع في عيني. نظرت إليه وابتسمت بنعومة قاتلة:
* “لا يا شريف.. دي مش شركتك. دي شركة أبويا الله يرحمه اللي بدأت بفلوسه وبتصاميمي وبراءات الاختراع بتاعتي. الحسابات اللي أنت كنت بتسحب منها الساعة 12 بالظبط، متأمنة بنظام تشفير ملوش نسخة تانية غير على تليفوني.. وأي حركة نقل برا بروتوكول الشركة بتبعت إشارتين: إشارة للاب توب بتاعي، وإشارة فورية لغرفة عمليات الأموال العامة كبلاغ سرقة واختلاس.. يعني أنت سلمت نفسك بنفسك وبإيدك.”
التفت شريف إليّ وعيناه تتطاير منهما شرارات الغل والجنون، وتحرك نحوي وهو يصرخ كالذبيح:
* “أنتي؟! أنتي يا فريدة تعملي فيا كده؟ يا مريضة يا فاقدة الأهلية! أنا هحبسك!”
وقبل أن يقترب مني سنتيمتراً واحداً، تداخل رجال الأمن التابعين للمستشفى والقوة المرافقة للشرطة، ليفصلوا بيننا ويثبتوا يديه خلف ظهره. العقيد أخرج الكلبشات الحديدية ولمع بريقها تحت نجف القاعة وهي تلتف حول معصمي شريف.
أكملت كلامي بكل ثبات ونبرة صوتي هزت القاعة:
* “أما بخصوص التقارير الطبية اللي زورّتها في المستشفى الحكومي عشان تثبت إني مجنونة وتسحب أسهمي.. فمدير المستشفى شخصياً صديق قديم لأبويا، والدكاترة اللي قبضوا منك عشان يمضوا على الورق المزور، محبوسين في النيابة من العصر.. وجوز لورا أخت البنت اللي في القصة اللي فاتت مش أحسن منك في التزوير.”
التفتُّ بعيني إلى حازم، المحاسب الشجاع الذي كان يقف عند باب الخدمة يتابع بدموع متحجرة، وقولت بصوت عالي سمعه كل الحاضرين:
* “أستاذ حازم.. بكرة الساعة 9 الصبح تكون في مكتب رئيس مجلس الإدارة. أنت من الليلة دي المدير المالي العام للمجموعة بمرتب تلات أضعاف، وابنك خط أحمر.. ومفيش مخلوق يقدر يمسه.”
انفجر حازم في البكاء وهو يومئ برأسه امتناناً، بينما بدأ رجال الشرطة بسحب شريف وميار وحماتي نادية مكلبشين وسط فلاشات كاميرات الصحفيين الذين تحولوا في ثانية من تصوير عقد الـ 2 مليار، إلى تصوير أكبر فضيحة فساد وتزوير في السنة.
وقفت وسط القاعة، والعيون كلها تترقب خطوتي الجاية بذهول واحترام. مشيت بخطوات ثابتة نحو المنصة الرئيسية، وأمسكت بالميكروفون، ونظرت للمستثمرين المصدومين وقولت بكل هدوء:
* “سيداتي وسادتي.. الحفلة مخلصتش. العشا لسه هينزل، ومشروع أبراج النيل قائم وهيتقفل عقده بكرة.. بس من الليلة دي، اسم الواجهة الكدابة اتشال، والشركة رجع ليها اسمها الحقيقي.. شركة ‘فريدة علوان للمقاولات والهندسة’.. ومفيش واجهة مصدية هتدير الكيان ده تاني.”
ضجت القاعة بالتصفيق، ونظرت لفستاني الفضي المبلول، ولم أره مشوهاً.. بل رأيته كـ مياه طهرت حياتي من ست سنوات من الخديعة، لأبدأ من جديد كـ فريدة التي لا تقهر.
**#حكايات_شروق_خالد**

حكايات شروق خالد

مر أسبوع على تلك الليلة المشهودة. أسبوع كامل لم تهدأ فيه مانشيتات الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي عن “فريدة علوان” الفتاة التي هزت الوسط الاقتصادي، ولقّنت زوجها وعائلته درساً قاسيًا في ساحة العدالة.
انتقلتُ للعيش مؤقتاً في فندق هادئ يطل على النيل مباشرة، بعيداً عن فيلا الزوجية التي باتت جدرانها تذكرني بالخيانة. كنت أحتاج لترتيب أوراقي والتركيز في إدارة الشركة التي عادت لحضني بكامل أصولها، والأهم: رعاية ابنتي الصغيرة “نور” التي كانت هي محركي الأساسي في كل خطوة أخطوها.
في صباح يوم الأحد، كنت أقف في مكتب رئيس مجلس الإدارة الجديد بالشركة، المكتب الذي قُمت بإعادة تصميمه ليصبح واسعاً، تدخله الشمس من كل جانب، ومطلياً باللون الأبيض المريح، تماماً عكس ذلك السجن المظلم الذي كان يدير منه شريف ألاعيبه.
دق الباب، ودخل الأستاذ حازم، المدير المالي الجديد، ومعه ملف سميك ونظرة تحمل الكثير من الجدية.
* “صباح الخير يا فندم. دي التقارير النهائية بعد فحص دفاتر السنوات الثلاث الأخيرة.”
* “صباح النور يا حازم. قولي.. شريف كان مخبي إيه تاني تحت البلاطة؟”
تنهد حازم وقال وهو يفتح الملف:
* “المفاجأة إن شريف مكنش بيسرق بس عشان يهرب فلوس لبرة مع ميار ونادية.. شريف كان شريك في باطن الأمر مع شركة مقاولات تانية منافسة لينا، وكان بيسرب ليها تصاميمك وبراءات اختراعك عشان يدخلوا بيها مناقصات حكومية ويكسبوها على حساب شركتنا، مقابل نسبة بتتحول لحساب والدته نادية!”
شعرت بنوبة غضب خفيفة، لكنني سرعان ما كبحتها بابتسامة باردة.
* “يعني مكنش مجرد حرامي.. ده كان جاسوس كمان. طيب، والنيابة وصلت لإيه معاه ومع نادية وميار؟”
* “النيابة جددت حبسهم 15 يوم على ذمة التحقيق. والمحامي بتاعهم طلب التصالح مع الشركة ورد المبالغ المختلسة مقابل إنك تتنازلي عن الشق المدني والدعوى المرفوعة ضد والدته عشان سنها.”
نظرت من النافذة الزجاجية الكبيرة إلى صفحة النيل، وقلت بنبرة حاسمة:
* “مفيش تصالح يا حازم. الفلوس اللي اتهربت هترجع بقوة القانون وحجز المحكمة على أملاكهم الشخصية اللي متسجلة باسمهم في مصر. أما السجن.. فده المكان الطبيعي لكل واحد فكر يمد إيده على شقى أبويا، أو يهدد موظف شريف في ابنه عشان يخليه يزور. قفل الملف ده، وخلّي المحامين يتابعوا مع النيابة لحد ما القض//ية تتحول للجنايات.”
أومأ حازم برأسه واحترام كبير يلمع في عينيه، وقبل أن يخرج، التفت إليّ وقال:
* “صحيح يا فندم.. مندوب وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية برة، وجايين عشان نوقع الملاحق النهائية لعقد ‘أبراج النيل’ بكرة الصبح في مقر الوزارة في العاصمة الإدارية.”
* “ممتاز. جهز الورق وفريق الهندسة كله يكون جاهز. الليلة دي هنقضيها شغل عشان بكرة نثبت للكل إن الكيان ده قام على العقل والتعب، مش على المنظرة والوجاهة الكدابة.”
بعد مغادرة حازم، جلست على مقعدي الوثيق، وأخرجت هاتفي. فتحت الحساب الرسمي لبراند القصص الخاص بي، ونشرت صورة لخطوط التصميم الهندسية الأولى لأبراج النيل، وكتبت تحتها:
> “الخيانة ممكن تعطلك خطوة.. بس النظافة والذكاء بيخلوكي تسبقي بسنين. الحق مبيضيعش طالما صاحبه صاحي ومش نايم.”
>
في اليوم التالي، كنت أقف في قاعة المؤتمرات الكبرى بوزارة الإسكان، أرتدي بدلة رسمية بيضاء، وحولي عشرات المصورين والمسؤولين. وأنا أوقع بقلمي على عقد الـ 2 مليار جنيه، نظرت إلى اسمي: **فريدة علوان**.. وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن روحي عادت إلى جسدي، وأن فستاني الفضي الذي ابتشن بمياه الخديعة، قد تبدل اليوم بثوب النصر الحقيقي الذي لا يمكن لأحد أن يلوثه.

**دبّلة فضة وفستان فضي**

**#حكايات_شروق_خالد**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *