**”بين العسكري والقبر: الرتبة المستخبية في عنبر الطوارئ”*ج2* حكايات شروق خالد

مسكت فوطة معقمة ومسحت الدم اللي كان مغرق إيدي ورقبتي، وبصيت لأحمد الممرض الصغير اللي كان لسه واقف مبرق ومش على بعضه. ابتسمت له وقولت بلهجة مصرية حنينة وهادية تماماً غير الوش الخشب اللي كان من شوية:
* “جرى إيه يا واد يا أحمد؟ قفلت بوقك ليه ما كان مفتوح شبرين من شوية؟ فوت وموت يا حبيبي.. الشغل مش رتب، الشغل رجولة.”
أحمد بلع ريقه وضرب تعظيم سلام مضحك وهو لابس السكراب:
* “يا فندم.. قصدي يا سيادة العميد.. أنا والله كنت بكلمك عادي طول الشفت اللي فات وأقولك يا أبلة إلهام وساعات كنت بطلب منك تعملي لي شاي مع الأطقم!”
ضحكت من قلبي وقولتله وأنا بعدل ياقة السكراب:
* “والشاي بتاعي ماله بقى؟ مش كان بيظبط الدماغ؟ عيبك يا أحمد إنك لسه بتقيس الناس بـ لَبسها.. اللي يخدم في الميدان يا ابني يتعلم إن الهدوم دي مجرد قشرة، والمعدن الأصيل بيبان وقت العصرة.”
في اللحظة دي، تليفون العنبر الداخلي رن، أحمد جري رد وشه منور:
* “تمام يا فندم.. علم وينفذ.”
لف ليا وقال بفرحة:
* “دكتور العمليات بيطمنك يا فندم، الشريان اتخاط تمام والنبض رجع مستقر، والبطل مصطفى اتنقل الرعاية المركزة وهيعدي منها إن شاء الله.”
النفس اللي خرج من صدري في اللحظة دي كان فيه شكر لربنا ميتوصفش.. رجعت ظهري لورا وسندت على مكتب الطوارئ، ولقيت مدير المستشفى بنفسه، اللواء طبيب أحمد صبري، داخل العنبر والشرار بيطير من عينه، ووراه النقيب كريم واقف وشه في الأرض وزي الفراخ المبلولة.
اللواء صبري قرب مني وضرب تعظيم سلام وبصلي بأسف:
* “يا فندم أنا بعتذر بالنيابة عن طاقم الإدارة كله.. اللي حصل ده خطأ غير مقبول، والولد ده لسه منقول من مكاتب إدارية في القاهرة وميعرفش طبيعة مستشفى المعادي ولا يعرف مين هي الدكتورة إلهام الشافعي.”
بصيت لكريم اللي كان هيموت من الرعب، وقولت للواء صبري بهدوء:
* “يا سيادة اللواء، المشكلة مش إنه ميعرفنيش.. المشكلة إنه ميعرفش ربنا في شغلانته. النقيب كريم كان هيموت عسكري بطل عشان يفضي مكان لـ (واسطة) جاي على رجليه.. دي مش عسكرية ودي مش أخلاق دكاترة.. ده اسمه استهتار بأرواح الناس.”
كريم اتكلم بصوت مخنوق والدموع في عينه:
* “حقك عليا يا فندم.. أنا اتعلمت الدرس وعرفت إن الله حق.. أنا أسف.”
بصيت له نظرة أخيرة وقولت للواء صبري:
* “النقيب كريم يتنقل من المستشفى هنا فوراً يا فندم.. مشوفوش في مكان فيه خط نار أو طوارئ.. يتنقل يراجع دفاتر وعهدة في مخازن طبية بعيدة، لحد ما يتعلم إن حياة أصغر عسكري فينا أغلى من كراسينا ومكاتبنا كلها.”
* “أمرك يا فندم، قرار النقل هيتوقع حالاً، وهيتحول كمان للتحقيق العسكري.”
خرجوا من العنبر، ولفيت بصيت على السرير رقم 1 اللي فضي وبقى جاهز للحالة اللي بعدها.. عديت إيدي على البادج بتاعي، وقلبته تاني لورا وخليت ظهره هو اللي باين.. رجعت “إلهام الحكيمة الغلبانة” اللي بتجري وتسعف وتغير على الجروح.. لأن الألقاب والترقيات بتموت، بس السيرة الطيبة وعمر البني آدم اللي بتنقذه.. هو ده اللي بيفضل عايش.

حكايات شروق خالد

قعدت على الكرسي الخشب القديم اللي ورا مكتب الطوارئ، وسحبت كباية الشاي اللي كانت بردت من أول الشفت. أخدت منها بوق وبصيت لـ “أحمد” اللي كان لسه واقف بعيد، حاطط إيده في جيبه وبيبصلي بنص عين، كأنه خايف يقرب فـ آكله.
ضحكت وقولتله:
* “جرى إيه يا واد يا أحمد؟ هتقف عندك كتير زي العمل الردي؟ ما تيجي تقعد يا ابني وتكمل تظبيط الجداول، الشفت لسه مخلصش، والناس اللي بره دي ملهاش ذنب في الهيلمة اللي حصلت.”
أحمد قرب بحذر وسحب كرسي وقعد وهو بيقول بصوت واطي:
* “يا فندم.. طب وحياة أغلى حاجة عندك، إنتي إزاي كنتِ بتستحملي قلة ذوق الدكاترة الصغيرين اللي لسه متخرجين لما كانوا بيتنططوا عليكي الأسبوع اللي فات؟ ده أنا كنت دمي بيغلي بدالك!”
سندت راسي على إيدي وبصيت لسقف العنبر وقولتله بنبرة فيها حكاوي سنين:
* “يا أحمد.. اللي يشوف اللي أنا شفته في حياتي ميزعلش من العيال دي. أنا شفت طيارات هليكوبتر بتتحرق قدام عيني، وشفت رجالة زي الورد بيموتوا في حضني وهمّ بينطقوا الشهادة ويقولوا لي (أمانة عليكي يا أبلة إلهام قولي لأمي إني مُت راجل).. اللي يعيش وسط الموت والبارود، تكبر دماغه عن تفاهات البشر. اللي يتنطط يتنطط، والميدان هو اللي بيفرز الرجالة من العيال.”
وفجأة، الباب اتمطوح ودخلت “الحاجة فاطمة”.. ست غلبانة من أمهات العساكر اللي محجوزين في العنبر العادي بره، لابسة عباية سوداء وطرحة بسيطة، ووشها كله قلق ودموع. أول ما شافتني جريت عليا ومسكت في هدومي:
* “الحقيني يا ست الحكيمة.. ابني واد غلبان ومصعّد من الأقصر، وجايله هبوط ومش راضي ياكل واصل.. والدكاترة بره مش ملاحقين، وأنا ماليش بعد ربنا غيرك.”
أحمد وقف بسرعة وكان لسه هيقولها “يا حجة دي السيادة العميد..” بس برقتله وعملتله إشارة بإيدي يسكت تماماً. قمت من على الكرسي وأخدت الست في حضني وطبطبت على ظهرها:
* “اهدي بس يا أمي، وحدي الله.. ابنك مين فيهم؟”
* “الواد جابر يا ست هانم.. اللي في السرير رقم 4 بره.”
* “جابر ده عيني الإتنين ليه.. ده واد بطل ومفيش منه. تعالي معايا نشوف ماله.”
خرجت معاها بره، نسيت الرتبة، ونسيت النجمتين والنسر اللي على الورق، ورجعت “إلهام” بتاعت الغلابة. دخلت لعسكري الأمن المركزي الغلبان، كشفت عليه، ولقيت ضغطه واطي من قلة الأكل والخوف. قعدت جنبه على طرف السرير، وطلعت من جيبي باكو بسكوت كنت شايلاه للشفت، وفتحته ودبّيته في إيده:
* “كل ده يا بطل.. عشان تِشد حيلك وترجع لبلدك تقف وسط ناسك واكل شارب.. مفيش خروج من هنا واصل واصل إلا وأنت واقف على رجليك وزي البمب.”
الواد ابتسم بضعف وأمه دعت لي دعوة من قلبها:
* “ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي ويسترك دنيا وآخرة ويريح قلبك زي ما ريحتيني.”
الدعوة دي بالذات نزلت على قلبي زي المية الساقعة في عز حر الصعيد. بصيت لأحمد اللي كان واقف ورايا ومتابع الموقف، وعيونه لمعت بفهم.
لفيت ورجعت العنبر الرئيسي، وبدأت خيوط الفجر الأولى تنور شبابيك مستشفى المعادي.. الشفت قفل، والنهار الجديد بدأ، والورديات بدأت تبدل. قلعت السكراب الأزرق ولميت حاجتي في الشنطة القماش الصغيرة بتاعتي، ولبست لبسي المدني البسيط.
وأنا خارجة من باب المستشفى، بصيت على النيل اللي قدام المستشفى وهو ساكن وهادي.. أخدت نفس طويل، وعرفت إن طالما فينا نفس، وطالما لسه بنقدر نقف ونحمي ولاد البلد دي.. فـ إحنا بخير، والبلد دي عمرها ما هتقع.

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *