الوريثه الصامته الجزء الثاني حكايات شروق خالد
“لأن المكالمة دي… بتتسجل دلوقتي.”
الصمت نزل على المكان كأنه غطا تقيل.
كريم فتح بقه، لكن ما طلعش صوت.
أما أبويا فكمل بنفس النبرة الباردة:
“ومن اللحظة اللي سمعت فيها بنتي بتستنجد، تم إخطار الإسعاف والنيابة، وفي أقل من عشر دقائق هيكون في شهود وضباط في بيتك.”
سلوى اتراجعت خطوة.
“إيه الكلام الفارغ ده؟!”
لكن صوتها كان مهزوز.
أبويا تجاهلها تمامًا.
وقال:
“نهى… بنتي، تقدري تسمعيني؟”
حاولت أرد.
“أيوة…”
“خليكي قاعدة مكانك. متتحركيش. والإسعاف في الطريق.”
أول مرة من ساعات أحس إني مش لوحدي.
أول مرة حد يتكلم معايا كإنسانة.
كريم بلع ريقه.
وقال بسرعة:
“يا فندم، حضرتك فاهم الموضوع غلط. نهى تعبت فجأة وإحنا كنا لسه هنوديها المستشفى.”
جالي صوت أبويا ساخرًا:
“غريب.”
سكت ثانية.
ثم قال:
“لأن بنتي بتقول إنك كسرت موبايلها.”
كريم اتجمد.
“وبتقول إن والدتك دفعتها وهي حامل.”
سلوى صرخت:
“كدب!”
لكن أبويا أكمل:
“وبتقول إنك رفضت تتصل بالإسعاف.”
المدير الكبير بتاع كريم كان واقف عند الباب.
بدأ يبص له بنظرة مختلفة تمامًا.
مش نظرة إعجاب.
نظرة شخص بيكتشف إنه واقف جنب كارثة.
كريم حس بالنظرات كلها عليه.
فقال بسرعة:
“يا جماعة، الموضوع مش كده.”
لكن محدش رد.
محدش.
وفجأة…
صوت جرس الباب رن.
مرة.
ثم مرتين.
ثم بعنف.
الخادمة فتحت.
ودخل مسعفان ومعاهم ضابط شرطة.
البيت كله اتجمد.
الضابط بص حواليه.
ثم وقعت عينه على الدم اللي مالي أرض المطبخ.
وعليا أنا.
قاعده على الأرض.
وشاحبة.
وإيديا بتترعش.
فسأل بهدوء:
“مين السيدة نهى؟”
رفعت إيدي بصعوبة.
المسعف جري ناحيتي فورًا.
أما الضابط فالتفت ناحية كريم.
وقال:
“حضرتك كريم عبدالرحمن؟”
كريم حاول يبتسم.
الابتسامة المعتادة اللي كان بيستخدمها في المحكمة ومع العملاء.
لكنها فشلت.
“أيوة.”
الضابط فتح دفتره.
وقال:
“هتفضل موجود لحد انتهاء الإجراءات.”
سلوى اندفعت:
“إجراءات إيه؟!”
رد الضابط:
“بلاغ شروع في إيذاء سيدة حامل، ومنع طلب المساعدة الطبية، وإتلاف وسيلة اتصال.”
الكلمات نزلت كالصاعقة.
المدير الكبير رجع خطوتين للخلف.
وزوجته سحبت إيدها من مصافحة كانت لسه هتعملها لسلوى.
والهمسات بدأت.
“إتلاف موبايل؟”
“وهي حامل؟”
“في دم بالشكل ده؟”
“إزاي سايبينها؟”
لأول مرة…
العيلة اللي كانت بتضحك من شوية بقت بتبص عليهم هم.
مش عليا.
كريم حاول يتكلم.
يحاول يسيطر على الموقف.
لكن الضابط رفع إيده.
“هتوفر كلامك للتحقيق.”
وفي اللحظة دي…
دخل شخص تاني من الباب.
رجل شعره غزاه الشيب.
قامته مستقيمة.
ونظرته حادة.
أبويا.
البيت كله سكت للمرة التانية.
حتى الضابط وقف باحترام.
وأنا أول ما شفته…
انهرت.
دموعي نزلت أخيرًا.
ركع جنبي فورًا.
مسك إيدي برفق.
وبص للدم على هدومي.
ثم بص لكريم.
وكانت دي أول مرة أشوف أبويا غاضب بالشكل ده.
قال بصوت منخفض جدًا:
“طول عمري علمت بنتي إن القانون يحمي الضعيف.”
ثم وقف.
“واضح إنكم افتكرتوا إن الضعيف مالوش حد.”
سلوى حاولت تتكلم.
“حضرتك لازم تسمع—”
رفع إيده فسكتت فورًا.
وقال:
“هتتكلموا قدام النيابة.”
ثم التفت للمدير الكبير.
“وأنت يا أستاذ…”
الراجل بلع ريقه.
“أيوة يا فندم.”
قال أبويا:
“أنصحك تراجع كويس الشخص اللي كنت ناوي تديله شراكة.”
المدير بص لكريم.
ثم قال بهدوء:
“صدقني… القرار اتراجع بالفعل.”
وش كريم فقد آخر لون فيه.
وفي الوقت اللي المسعفين كانوا بينقلوني على النقالة…
بصيت عليه.
نفس الراجل اللي كان من ساعة بيشد شعري ويقول إن محدش هيصدقني.
دلوقتي واقف وحده.
مرعوب.
والكل متراجع عنه.
ابتسمت لأول مرة.
وقلت بهدوء:
“أنا ما كنتش محتاجة أقول بنت مين.”
ثم لمست بطني بحنان.
وأكملت:
“كنت بس محتاجة أفتكر أنا مين.”