الوريثه الصامته الجزء الرابع حكايات شروق خالد
أول ما نهى قالت الجملة دي، كريم بلع ريقه بصعوبة.
أما مدام نادية فقالت بسرعة:
“بلاغ؟! بلاغ إيه؟!”
نهى فتحت الملف مرة تانية.
وسحبت مجموعة أوراق.
وقالت بهدوء:
“خلال السنة الأخيرة من الزواج، خرجت من منزل موكلتي مجموعة مقتنيات ثمينة بدون إذنها.”
كريم قاطعها بعصبية:
“إنتِ بتتهميني بالسرقة؟!”
نهى ردت فورًا:
“أنا مش باتهم حد. أنا بقدم مستندات.”
وسلمت الظابط نسخة.
الظابط بدأ يقلب الأوراق.
بينما أنا كنت واقفة ساكتة.
لأول مرة من سنين.
مش محتاجة أدافع عن نفسي.
الأرقام والصور والمستندات كانت بتتكلم بدالي.
مدام نادية قالت:
“دي أكاذيب.”
قلت بهدوء:
“السلسلة الذهب اللي كانت بتاعة أمي.”
سكتت.
بعدين كملت:
“الساعة السويسرية بتاعة أبويا.”
سكتت تاني.
“وطقم الأنتيك اللي اختفى من المكتب.”
المرة دي محدش رد.
لأنهم كلهم عارفين.
وعارفين إني عارفة.
كريم بصلي وقال:
“إنتِ كنتي بتراقبيني؟”
ابتسمت.
“لأ.”
وبعدين رفعت تليفوني.
“لكن البيت كان فيه كاميرات.”
وشه فقد آخر ذرة لون.
أما أخوه محمود فبصله فجأة.
وكأنه بدأ يفهم إن الموضوع أكبر مما كان متخيل.
نهى قالت:
“وعندنا تسجيلات كاملة.”
مدام نادية اتوترت لأول مرة.
“تسجيلات لإيه؟”
نهى قفلت الملف.
وقالت:
“ده هيتحدد رسميًا في التحقيق.”
في اللحظة دي واحد من العمال قرب من كريم وسأله:
“باشا… إحنا نرجع العفش؟”
العمال كانوا واقفين بقالهم أكتر من ساعة.
مستنيين يدخلوا البيت اللي اكتشفوا فجأة إنه مش ملك الناس اللي جابوهم.
الجيران بدأوا يتهامسوا.
وواحدة من السيدات في البلكونة قالت بصوت عالي:
“يعني كانوا جايين يحتلوا البيت!”
والكلمة انتشرت بسرعة.
احتلوا البيت.
مدام نادية كانت هتنفجر من الغضب.
لكن الموقف خرج من إيدها.
تمامًا.
وفجأة رن تليفون كريم.
بص للشاشة.
واتغير وشه فورًا.
نهى لاحظت.
وقالت:
“في مشكلة؟”
كريم مردش.
لكن بعد ثواني قال:
“الشركة.”
كان شريك كريم في الشركة بيتصل.
رد بسرعة.
وسمعناه بيقول:
“إيه؟!”
وبعدين:
“إزاي الحسابات اتجمدت؟!”
أنا بصيت لنهى.
ونهى بصتلي.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأن كريم مكانش يعرف إن أثناء إجراءات الطلاق، اتفتح تحقيق مالي منفصل بخصوص بعض المعاملات اللي حاول يخفيها.
الشريك كان بيصرخ في التليفون.
وكريم بدأ يبعد عن الناس وهو بيتكلم.
لكن كل خطوة كان بيبعدها…
كان بيخسر فيها جزء جديد من الثقة اللي كان فاكر إنها هتفضل معاه للأبد.
أما مدام نادية فكانت واقفة وسط الشارع.
قدام عربيات النقل.
وقدام الجيران.
وقدام المالك الجديد للفيلا.
ومش قادرة تستوعب إن البيت اللي كانت جاية تستلمه…
مش بس مش ملكها.
ده أصلًا خرج من حياتها كلها من شهور.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها…
ماكانش عندها أي حاجة تقولها.
أما أنا…
فلفيت وركبت عربيتي.
قبل ما أقفل الباب سمعت مدام نادية بتنادي:
“منى!”
بصيتلها من الشباك.
قالت:
“إنتِ خططتي لكل ده؟”
ابتسمت بهدوء.
وقلت:
“لأ يا مدام نادية.”
وسكت ثانية.
ثم كملت:
“أنا بس كنت مستعدة للي كنتوا ناويين تعملوه.”
وأغلقت الشباك.
وتركتهم واقفين وسط الشارع…
يتفرجوا على الحلم اللي جُم ياخدوه…
وهو بيختفي قدام عينيهم.
#حكايات_شروق_خالد
عدى أسبوع.
وكنت فاكرة إن القصة انتهت.
لكن بعض الناس عمرهم ما بيتعلموا الدرس من أول مرة.
كنت قاعدة في شقتي الجديدة، مكان هادي وصغير مقارنة بالفيلا، لكنه كان أول مكان أحس فيه بالأمان من سنين.
وفجأة رن تليفوني.
كانت نهى.
أول ما رديت قالت:
“اقعدي.”
ضحكت.
“أنا قاعدة أصلًا.”
قالت:
“كويس… لأن عندي خبر مش هيعجبك.”
قلبي انقبض.
“خير؟”
قالت:
“كريم وأمه رفعوا قضية.”
سكت ثواني.
وبعدين انفجرت ضاحكة.
لدرجة إن نهى نفسها ضحكت.
قلت:
“قضية إيه؟”
ردت:
“بيطالبوا بنص ثمن الفيلا.”
ضحكت أكتر.
“الفيلا اللي عمرهم ما امتلكوها؟”
قالت:
“أيوه.”
“واللي اتباعت قبل الطلاق؟”
“أيوه.”
“واللي معانا كل عقودها؟”
“أيوه.”
نهى تنهدت وقالت:
“واضح إنهم بيلعبوا آخر ورقة.”
قفلت المكالمة وأنا مش مصدقة.
لكن بعد أسبوعين كنا في المحكمة من تاني.
مدام نادية كانت قاعدة بثقة غريبة.
وكريم جنبيها.
كأنهم داخلين يكسبوا معركة مضمونة.
المحامي بتاعهم وقف وقال كلام طويل.
عن الأسرة.
والتضحيات.
والسنين اللي كريم عاشها في الفيلا.
وكأن الإقامة المجانية بقت حق ملكية.
القاضي سمع الكل.
وبعدين طلب العقود.
نهى سلمت كل حاجة.
عقود الشراء.
إثباتات الدفع.
أوراق البيع.
تحويلات البنك.
كل حاجة موثقة.
وبعد أقل من عشر دقائق…
القاضي كان خلص.
رفض الدعوى بالكامل.
بل وحمّلهم المصاريف القانونية.
وشفت وش كريم لحظة النطق بالحكم.
كان نفس الوش اللي شوفته يوم الطلاق.
وش إنسان اكتشف متأخر جدًا إن الثقة الزائدة أحيانًا أغلى من الهزيمة نفسها.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد الجلسة.
وأنا خارجة من المحكمة.
سمعت حد بينادي اسمي.
لفيت.
لقيت راجل كبير واقف.
عرفته بعد ثواني.
كان “عم حسن” المحاسب القديم بتاع أبويا.
آخر مرة شوفته كانت من سنين.
ابتسم وقال:
“ممكن دقيقة؟”
وافقـت.
فتح شنطة جلد قديمة كان شايلها.
وطلع ملف.
ملف أصفر قديم.
وقال:
“أبوك سلمني ده قبل وفاته.”
اتجمدت مكاني.
“ليه دلوقتي؟”
قال:
“لأن وصيته كانت واضحة.”
بلعت ريقي.
“إيه الوصية؟”
ابتسم.
وقال:
“أسلمهولك لما أتأكد إنك بقيتي قوية كفاية تديري كل حاجة بنفسك.”
بصيت للملف.
وإيديا بدأت ترتعش.
فتحته ببطء.
وفي أول صفحة…
لقيت حاجة خلتني أنسى كريم.
وأنسى أمه.
وأنسى كل اللي حصل.
لأن أبويا ماكانش سايبلي الفيلا بس…
كان سايب سر أكبر بكتير.
سر هيغير حياتي كلها.
#حكايات_شروق_خالد