رقصه احيت روحي الجزء الاول حكايات شروق خالد
أنا مكنتش طول عمري عاجزة على كرسي متحرك. قبل حفلة التخرج بست شهور بس، حياتي اتقلبت جحيم. سواق طايش كسر الإشارة ودمر كل حاجة في لحظة… دمر رجلي، وأحلامي، والمستقبل اللي كنت برسمه. في ثانية واحدة، اتنقلت من قيس الفساتين مع صاحباتي، لسرير مستشفى بارد، وأنا بحاول أستوعب إزاي هعيش في جسم مابقاش بيسمع كلامي.
لما جه ميعاد الحفلة، كنت هتموت من الكسوف والخوف وقررت مش هروح. بس أمي عيطت وصممت: “لازم تروحي يا بنتي، أنتي تستاهلي تفرحي ولو ليلة واحدة”.
فروحت… وكانت أسوأ ليلة في حياتي. قضيت الساعات كلها قاعدة لوحدي في ضلمة القاعة، مأنتخة فستاني ومظبطاه فوق رجلي العاجزة عشان أداريها، وبراقب زمايلي وهم بيضحكوا ويرقصوا وعايشين دنيتهم. الكل كان بيهرب من عيني، والي يبصلي كان بيبص بنظرة شفقة قطعت قلبي، وفيه اللي عملوا نفسهم مش شايفيني أصلاً كأني وباء.
وفي قمة كسر نفسي، لقيت فجأة خيال وقف قدامي. رفعت عيني وبقيت مش مصدقة… مروان! “جاناتان” المدرسة، كابتن فريق الكورة، الولد اللي كل البنات بتموت عليه، وآخر شخص في الكون ممكن يلتفت ليا.
قرب وحط إيده في جيبه وقاللي بصوت كله حنية: “تسمحيلي بالرقصة دي؟”
دموعي خانتني وهمستله وأنا بداري وشي: “أنا… أنا مش هعرف أقف أصلاً”.
ابتسم ابتسامة سحرتني وقاللي بثقة: “سيبها عليا… هنصرفها سوا”.
واللي حصل بعد كده كان سحر… مروان بدأ يلف بالكرسي بتاعي يمين وشمال على المزيكا، يرفع إيدي لفوق ويخليني ألف معاه، وبقيت طايرة في الهوا. في العشر دقائق دول، هو محى من عليا لعنة الكرسي… حسسني إني مش البنت المعاقة اللي الكل خايف يقرب منها، حسسني إني بنت جميلة ومرغوبة.
بعد الليلة دي، ومارسيل التخرج، مروان اختفى تماماً ومأعرفش عنه حاجة.
السنين مرت تقيلة وبطيئة… عمليات جراحية ورا عمليات، شهور من العذاب في العلاج الطبيعي، ووجع مكنش بيفارق عضمي. بس العزيمة عملت معجزة. بعد سنين، وقفت على رجلي تاني! بنيت نفسي، وبقى عندي شركتي وحياتي المستقلة.
لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة… بعد تلاتين سنة كاملة.
كنت قاعدة في كافيه وسط البلد، وبقوم فجأة اتكعبلت، وفنجان القهوة السخنة اتقلب على إيدي وهدومي. الصوت كان عالي والناس كلها لفت تبص عليا ببرود واستنكار.
وفي وسط الإحراج ده، لقيت راجل بيجري عليا بلهفة وهو بيقول: “ولا يهمك يا فندم، ثواني وكل حاجة هتتصلح، حصل خير”.
بصيت عليه… كان لابس سكراب أزرق قديم ومبهدل، ماسك في إيده مقشة، وبيعرج بشكل ملحوظ وصعب مع كل خطوة بيمشيها.
مسح الأرض بسرعه، وراح جابلي فنجان قهوة جديد على حسابه. ولمحته من بعيد وهو واقف عند الكاشير بيطلع فكة متبهدلة من جيبه وبيعد القرش على القرش عشان يدفع تمنها، ووشه فيه قلق أصابني في مقت*ل.
حسيت بنغزة ووجع في قلبي عمري ما حسيته. قربت منه عشان أشكره، ولما لف وبص في عيني… الزمن وقف!
نفس تقطيعة الوش… نفس رسمة العينين الحنينة اللي شوفتها من تلاتين سنة…
ده مروان! كابتن المدرسة بقا عامل نظافة وبيعرج؟!
هو ميعرفنيش، ملامحي اتغيرت تماماً ومبقيتش على كرسي. بصلي باحترام وانكسار وقال: “تؤمري بأي خدمة تانية يا فندم؟”
في اللحظة دي، جسمي كله اتنفض، وعرفت إن دي مش صدفة… ده ترتيب ربنا. هو مكنش يعرف أنا ناوي أعمل إيه في حياته اللي جاية.
تاني يوم الصبح، رجعت الكافيه. دخلت ووقفت قدامه مباشرة وهو شغال. بصلي باستغراب… فقربت منه أوي، ووشوشته بكلمة وسر أنا شايلاه في قلبي ومنقوش في روحي من تلاتين سنة…
فجأة… إيد مروان اتثبتت في الهواء، والمقشة وقعت من إيده على الأرض، وعينيه اتملت بدموع ورعب وصدمة هزت كيانه كله!
حكايات شروق خالد
المقشة وقعت من إيده وصوتها رن في الكافيه كله، وعينيه كانت بتتحرك في وشي بذهول وهو مش مصدق.
قربت منه أكتر وقلتله بنبرة ثابتة والدموع محبوسة في عيني: “أنا البنت اللي كانت على الكرسي المتحرك يا مروان… البنت اللي أنت جبرت بخاطرها ونقذت روحها في ليلة الحفلة من تلاتين سنة. أنا مانسيتكش ولا يوم.”
مروان رجع خطوة لورا، ساند على الحيطة وجسمه كله بيترعش، وبص لرجلي اللي واقفة عليها بكل ثبات، دموعه نزلت وهو بيوشوش: “مش ممكن… أنتي؟! أنتي وقفتي على رجليكي؟”
ابتسمت وهزيت راسي: “وقفت… وبقيت صاحبة شركات كمان. والدور عليا دلوقتي عشان أرد الدَين.”
عرفت منه بعد كده إن حياته اتقلبت بعد التخرج؛ عمل حادثة صعبة هي اللي سابتله العرجة دي وحرمته من الكورة، والظروف جت عليه لحد ما خسر كل حاجة واشتغل هنا عشان يصرف على علاج أمه المريضة.
في نفس اليوم، طلبت مدير الكافيه، واشتريت المكان كله باللي فيه!
مش بس كده، عينت مروان مدير عام للمكان بمرتب محترم جداً، ونقلت والدته لأكبر مستشفى في مصر على نفقتي الخاصة.
لما جيت أسلمه عقد الإدارة الجديد، بصلي والدموع مغرقة وشه وقاللي: “أنا مكنتش متخيل إن رقصة من تلاتين سنة ممكن تغير حياتي كده.”
رديت عليه وأنا فخورة بيه وبنفسي: “صانع المعروف لا يقع يا مروان… وإن وقع، بيلاقي اللي يشيله… زي ما شيلتني زمان.”