تحت كوبري المحور حكايات شروق خالد
تجمّدنا في مكاننا لما لقينا أمي نايمة على جرايد تحت كوبري في المحور. سألتها وأنا بحارب دموعي: “أومال فين بيتك اللي بتمنتاشر مليون جنيه في التجمع؟” نزلت عينيها في الأرض وهمست: “أخوكي ومراته باعوه وأنا في المستشفى.”
وش جوزي طارق قِلب وبقى زي اللوح الثلج.. رفع سماعة التليفون وعمل مكالمة واحدة للمحقق اللي شغال معاه.. وقبل شروق الشمس، كانت حساباتهم اتجمدت، والبيعة اتلغت، والشرطة بتدغدغ باب شقتهم.
المطر كان مخلي الشوارع لونها فضي لما لمحنا أمي كشّة في نفسها تحت الكوبري، نايمة على شوية جرايد وكأن الدنيا نسيتها. لثلاث ثواني كاملة، مفيش حد فينا عرف يتحرك خطوة واحدة.
همست بصوت مخنوق: “ماما؟”
فتحت عينيها بالراحة.. وملامح الخزي والكسوف ظهرت على وشها قبل ما تستوعب إحنا مين.
جوزي طارق ساب كيس الخضار والفاكهة من إيده، والتفاح قعد يتدحرج على الخرسانة المبلولة. رميت نفسي على ركبي جنبها، ولمست كم الجاكيت بتاعها اللي كان خفيف قوي وميستحملش الساقعة دي.
سألتها وأنا بنهنه من العياط: “أومال فين بيتك اللي بتمنتاشر مليون جنيه؟”
ماما نزلت عينيها في الأرض وقالت بصوت واطي: “أخوكي شريف ومراته نرمين باعوه وأنا في المستشفى.”
الكلمتين نزلوا عليا أصعب من خبط المطر.
من تلات شهور، ماما عملت عملية قلب مفتوح. أخويا شريف ومراته نرمين عملوا فيها أولاد أصول وقالوا: “إحنا هنشيل كل حاجة.” بقوا يجمعوا البوسطة بتاعتها، ويدفعوا الفواتير، وقعدوا في بيتها. وأنا بحكم إني شغالة في محافظة تانية بعيد عشان شغل جوزي، كنت بكلمهم كل يوم بالليل، وكنت مصدقة كلامهم اللي كله تفاؤل وفرحة.
“دي نايمة ومستريحة.”
“الدكاترة بيقولوا صحتها بتتحسن.”
“متقلقيش يا علا، إحنا مأمنين كل حاجة.”
كانوا بيكدبوا بمنتهى البرود والسهولة.
ماما حكت لنا إنهم جابوا لها أوراق وهي في مستشفى التأهيل، وقالوا لها دي أوراق تبع التأمين الصحي. إيديها وقتها كانت لسه ضعيفة وبتترعش، فمضت في المكان اللي شاورت عليه نرمين. بعد أسبوعين، شريف قال لها إن البيت محتاج تصليحات ضرورية وطارئة، ونقلها تقعد في بنسيون صغير. ولما فلوس الأوضة خلصت ومحدش دفع، كلمته.
همست ماما والدموع في عينيها: “قال لي إني جاحدة ومش وش نعمة.. وبعدها عمل لي بلوك.”
في اللحظة دي، ملامح طارق اتقلبت تماماً. الحنية اللي في وشه اختفت، وحل مكانها برود وسكون مشفتوش فيه غير مرة واحدة بس في حياتي.. لما كان بيشهد في قض..ية فساد ونهب أموال عامة كبيرة.
سألها بهدوء مخيف: “شيلتي معاكي أي ورق؟”
ماما مدت إيدها تحت البطانية وطلعت كيس بلاستيك، كان جواه ورق المستشفى، وصورة من عقد الملكية، ووصولات البنسيون، وكارت مجعد بتاع المحامي اللي وثق العقود.
نرمين كانت دايماً بتقول عليا إني “بتاعت دراما وبأفور”، وشريف كان شايف طارق “مجرد محاسب حكومي غلبان في نيابة الأموال العامة”.
عمرهم ما فكروا يعرفوا إن جوزي ده هو المسؤول عن التحقيقات المالية الكبيرة في الجهاز المركزي للمحاسبات ونيابة الأموال العامة! أو إن تزوير الإمضاءات الطبية، والتحويلات البنكية بين المحافظات، واستغلال كبار السن، هي بالظبط نوع الجرائم اللي فريقه بيعرف يثبتها ويفلترها حتة حتة قبل ما المجرمين يلحقوا يمسحوا وراهم أي أثر.
طارق قلع الجاكيت بتاعه، ولفه حوالين كتاف ماما، وقعد على ركبه جنبها. عصبيته مظهرتش في صوته خالص، وده رعبني أكتر من لو كان زعق، لأن طارق مبيعرفش يهدأ ويبتسم غير لما الأدلة هي اللي تبدأ تتكلم.
صور كل ورقة بالموبايل، وبعدين بعد خطوتين وعمل مكالمة واحدة.
صوته كان واطي وحاسم:
“محتاج أمر تحفّظي عاجل الليلة دي.. شبهة تزوير عقود، واستغلال مسنة عاجزة، وتحويل أموال برة الحسابات الرسمية.”
سكت ثانية وهو بيسمع الطرف التاني، وبص على أضواء القاهرة الضلمة:
“لأ.. متلفتوش نظرهم، مش عايزهم يحسوا بحاجة دلوقتي.”
#حكايات_شروق_خالد
بعد ما قفل التليفون، طارق لف ليا وبص لأمي اللي كانت بتترعش من البرد والخوف. ملامحه اللي كانت دايماً هادية ومبتسمة، اختفت تماماً وحل مكانها نظرة حاسمة وجامدة زي الصخر. قرب من أمي ومسك إيدها وقالها بصوت دافي بس كله ثقة:
“يا أمي، حقك هيظبط قبل ما الشمس تطلع، والبيت اللي طردوكِ منه، هما اللي هيخرجوا منه في كِلابشات. اجهزي معايا.”
شيلنا أمي وركبناها العربية، وطول الطريق طارق مكانش بيبطل تليفونات. كان بيكلم زمايله في مباحث الأموال العامة، ورجال الكسب غير المشروع. اللعبة اللي لعبها شريف ونرمين كانت غبية قوي؛ فاكرين إن نقل ملكية فيلا في التجمع وتزوير إمضاء مريضة لسه خارجة من الرعاية المركزة حاجة هتعدي بالساهل على راجل بيقضي يومه كله وسط دفاتر الفساد والقضايا الكبيرة.
على الساعة خمسة الصبح، الفجر كان بيشقشق، والعربيات بدأت تزيد في الشوارع. طارق طلب من السواق يتجه على التجمع الخامس، بالظبط قدام فيلا أمي.
لما وصلنا، لقينا عربيتين شرطة واقفين قدام الباب، ومعاهم قوة من تنفيذ الأحكام ورجال النيابة. طارق نزل من العربية بكل هيبة، وطلب مني أفضل مع أمي جوة عشان متتبهدلش.
شريف ونرمين صحيوا على صوت خبط ورزع على الباب وكأن القيامة قامت. فتح شريف الباب وهو لابس الترينج وبيرمش من المفاجأة، وورا نرمين وشها أصفر وزي الليمونة المخللة من الرعب.
ظابط المباحث وقف قدامه وبص في الورق اللي في إيده وقال بصوت جهوري سَمّع الشارع كله:
“شريف عبد الرحمن؟ معاك أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال قاصر وكبار السن، والنصب.”
شريف بدأ يتلعثم وصوته يرعش: “تزوير إيه يا فندم؟ دي فيلا أمي وهي اللي بايعة لينا برضاها! أنت عارف أنا مين؟”
في اللحظة دي، طارق قرب منهم بخطوات بطيئة وثابتة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة باردة خلت ركب شريف تخبط في بعضها:
“أمك اللي رميتوها تحت كوبري المحور على الجرايد في المطر عشان تشبعوا بفلوسها يا شريف؟ أمك اللي زورتوا إمضتها وهي مش غايبة عن الوعي في المستشفى؟”
نرمين أول ما شافت طارق صرخت: “أنت مالك أنت؟ أنت مجرد حتة محاسب جاي تعمل علينا راجل؟ إحنا معانا عقود رسمية ومسجلة!”
طارق ضحك ضحكة خفيفة وطلّع تليفونه:
“العقود الرسمية دي اتعمل لها إيقاف وتحفظ من مكتب النائب العام من ساعتين يا مدام نرمين. والفلوس اللي دخلت حساباتكم من بيع الشقة التانية برة المحافظة، تم تجميدها بالكامل بالتعاون مع وحدة مكافحة غسيل الأموال. يعني من الآخر كده.. أنتوا دلوقتي مش حيلتكم الأبيض ولا الأسود، والفيلا دي هترجع باسم أمي بقوة القانون الصبح.”
شريف انهار تماماً وبدأ يعيط وهو شايف العساكر بتقرب منه والكلابشات الحديدية بتلمع في ضوء الفجر: “طارق! بلاش فضايح يا طارق.. دي أمي برضه، وأنا ابنها!”
طارق لف ضهره ليهم وقال للظابط: “اتفضلوا يا فندم، اتبعوا الإجراءات القانونية.”
التفتُّ أنا من شباك العربية، والدموع مغرقة وشي، بس المرة دي كانت دموع راحة. شفت شريف ونرمين وهما بيتركبوا البوكس والكلابشات في إيديهم، والوجاهة والمنظرة الكدابة اللي عاشوا فيها على حساب صحة أمي ودمها اختفت في ثواني.
طارق فتح باب العربية، وقعد جنب أمي، وباس إيدها وقالها:
“مفاتيح فيلتك هترجع في جيبك يا أمي كمان كام ساعة.. والبيت هينظف من قذارتهم. طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق هيقدر يكسر بخاطرك.”
أمي حضنته وهي بتبكي وتدعي له، وأنا بصيت لزوجي “المحاسب الغلبان” وعرفت إن الحق لما بيبقى وراه راجل مبيضيعش أبداً.
حكايات شروق خالد
مشت عربيات الشرطة وهي واخدة شريف ونرمين، وصوت السارينا بدأ يبعد بالتدريج لحد ما اختفى تماماً من شوارع التجمع الهادية. الشارع رجع لسكونه، والشمس كانت طلعت خلاص ونورها مالي المكان، وكأنها بتغسل الفيلا من كل اللي حصل فيها.
طارق بص للظابط اللي فضل واقف لتأمين المكان وقال له: “تسلم يا فندم، تعبناكم معانا في الفجرية دي.”
الظابط ابتسم ورد بتقدير: “تعبك راحة يا سيادة المستشار، إحنا تحت الأمر. الفيلا دلوقتي تحت الحراسة لحد ما تخلصوا إجراءات النيابة الرسمية الساعة 10 الصبح.”
ركب طارق معانا في العربية، وطلب من السواق يطلع على بيتنا إحنا. أمي كانت ساندة رأسها على كتفي، ودموعها مش راضية تقف، بس المرة دي مكنتش دموع قهر.. كانت دموع صدمة من اللي عمله ابنها من ناحية، وراحة من اللي عمله جوز بنتها من الناحية التانية.
أول ما وصلنا البيت، دخلت أمي أوضة الضيوف، جهزت لها سرير دافي، وغيرت لها هدومها المبلولة، وعملت لها لقمة دافية تاكلها. فضلت جنبها لحد ما راحت في النوم وهي ماسكة في إيدي وكأنها خايفة تصحى تلاقي نفسها تحت الكوبري تاني.
خرجت الصالون، لقيت طارق قاعد واللاب توب قدامه، والتليفون مش بيفصل من على ودنه. كان بيقفل آخر خيوط القض..ية مع المحامين ووكلاء النيابة عشان يقفلوا المحضر تماماً وميبقاش فيه ثغرة واحدة يهربوا منها.
قعدت جنبه وحطيت راسي على كتفه وقلت له بصوت تعبان: “أنا مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه يا طارق.. شريف كان هيضيع أمي بجد.”
طارق قفل اللاب توب، وبص لي وعينيه كلها حنية وقال: “أنا مكنتش بدافع عن حماتي بس يا علا.. أنا كنت برجع هيبة القانون اللي هما داسوا عليها بفلوسهم ومنظرتهم. شريف ونرمين افتكروا إن الدنيا سايبة، وإن الست الطيبة اللي ملهاش حد دي هتنكسر ومحدش هيسمع صوتها. نسوا إن ربنا بيوقف للغلابة ناس تقلب الترابيزة في ثانية.”
سكت شوية وبعدين كمل ونبرة صوته رجعت حاسمة: “النيابة وجهت لهم تهم تزوير، واستيلاء، وتسهيل استيلاء على مال الغير، ده غير جناية ترك مسن في حالة خطر. يعني شريف ونرمين مش هيشوفوا الشارع قبل كام سنة حلوين.. وعقود الفيلا هترجع باسم والدتك رسمياً قبل نهاية الأسبوع.”
اتنهدت براحة وحسيت إن جبل كان شايل الغم من على صدري انزاح.
بعد تلات أيام..
كنا واقفين قدام باب فيلا أمي في التجمع. أمي كانت واقفة على رجليها، وشها رجع له الدم تاني بعد ما استريحت وأكلت لقمة نضيفة. طارق مد إيده وطلع سلسلة المفاتيح وحطها في إيد أمي.
أمي بصت للمفاتيح، وبصت لطارق وعينيها مليانة دموع، وقالت له: “أنا ابني بطني طردني يا طارق.. وأنت اللي ملستش على كمي رجعت لي كرامتي وبيتي.”
طارق باس رأسها وقال لها بابتسامة صافيه: “أنا ابنك يا أمي.. والبيت ده يفضل مفتوح بحسك ودعاكي لينا. يلا اتفضلي ادخلي بيتك مرفوعة الرأس.”
دخلت أمي الفيلا، وأنا ولفت وبصيت لطارق، ومسكت إيده جامد وأنا عارفة إن في الزمن ده، الأمان مش بيبقى في الفلوس ولا في الحيطان الكبيرة.. الأمان الحقيقي بيبقى في ضهر راجل بيعرف يجيب الحق ومبيخافش في الحق لومة لائم.
تحت كوبري المحور
حكايات شروق خالد
