الوريثه تنتقم حكايات صافي هاني

في جنازة أبويا، ولسه التراب مبردش عليه، لقيت مرات أبويا بترميني بمقشة وبتضحك وهي بتقول: “ده ورثك الوحيد يا حبيبتي.. ابدأي بقى نظفي بيتي الجديد.”
​أخويا من أبويا، زين، طلع موبايله وفضل يصور وهو بيتمسخر على دموعي عشان يلم لايكات ومشاهدات. مأنطقتش بولا كلمة، لحد ما المحامي فتح الوصية الأخيرة.. ضحكتهم اتجمدت أول ما بدأ يقرأ. بصيت لهم بكل برود وقلت: “ارمي المقشة من إيدك.. أنتوا دلوقتي في ملكي، ومطرودين بره.”
​لسه والدي مبردش في تربته، ومرات أبويا “شيرين” كانت بتسلمني المقشة.
​”ده ورثك الوحيد”، قالتها وهي بتضحك، وطرحتها السودة مايلة على جنب كأنها تاج. “يلا يا شاطرة، وريني شطارتك وتنظيفك لبيتي الجديد.”
​لمدة تلات ثواني، الصمت ساد المكان.
​فجأة، زين أخويا من أبويا رفع موبايله وبدأ يسجل فيديو.
​وهو بيلف حواليا بكل لؤم قال: “يا نهار أبيض! لقطة مصلحة.. ليلى انطردت من الورث رسمي! قولي هاي لمتابعيني يا لولو.”
​العزا كان في فيلا أبويا، اللي بناها حتة حتة بعرقه على النيل، قبل حتى ما شيرين دي تعرف اسمه بالكامل. المطر كان بينزل على الإزاز زي الدموع اللي محدش في القاعة دي كان عنده شجاعة يدمعها بجد.
​كنت واقفة جنب الدفاية، لابسة الفستان الكحلي اللي أبويا جابهولي لما نجحت في نقابة المحامين. إيدي كانت ضاغطة على

عصاية المقشة بكل قوتي.
​شيرين قربت مني، وريحة برفانها كانت تخنق.
​همست في ودني: “كنتي فاكرة إنك عشان بنته بقيتي مميزة؟ بس الورق بيكسب الدم يا قطة.”
​زين ضحك وقال: “اضحكي يا أختي.. الفيديو ده هو اللي هيسفرني السفرية الجاية.”
​المعزيين بدأوا يبصوا لبعض بكسوف، شركاء والدي القدام عينهم في الأرض، وعمتي حاطة إيدها على بوقها من الصدمة.. بس محدش نطق.
​ده الدرس اللي الحزن علمهولي: القسوة بتحب المنظرة، والجبن هو اللي بيملى الكراسي.
​شيرين رفعت كاسها وقالت بصوت عالي: “في نخب البدايات الجديدة.. البيت ده أخيراً بقى ليه ست بتعرف تديره.”
​كام واحد ضحك بمجاملة وضعف.
​بصيت لصورة والدي المتعلقة، عينيه كانت كأنها صاحية في وسط الضلمة دي. افتكرته وهو قاعد قدام الدفاية من أسبوعين، كان خاسس وتعبان، وقال لي بصوت واطي: “يا ليلى.. لما الناس توريكي وشها الحقيقي، سيبيهم يكملوا للآخر.”
​وقتها افتكرته بيكلمني عن التسامح.. بس دلوقتي فهمت قصده.
​موبايلي رن في الشنطة.
​رسالة من الأستاذ شاكر، محامي بابا: “5 دقايق وأكون عندك. متمضيش ولا تنطقي بكلمة.”
​قفلت الشاشة.
​زين قرب الموبايل من وشي أكتر: “ها.. هتعيطي ولا لسه؟”
​بصيت في الكاميرا مباشرة وقلت: “لأ.”
​ضحكته اتهزت ثانية.
​شيرين طرقعت صوابعها في وشي وشاورت على المطبخ: “ابدأي بالكاسات وبعدين الأرضية.. وريني همتك عشان مفكرش أرميكي في الشارع دلوقتي.”
​نزلت المقشة من إيدي.
​مش استسلام.. ده كان صبر.
​خمس دقايق يا بابا.. خمس دقايق بس.
سمعت صوت فرامل عربية بره، وبعدها بدقيقة الباب اتفتح ودخل الأستاذ شاكر ومعاه شنطته السودا. ملامحه كانت جد جداً، لدرجة إن الضحكة اللي كانت على وش شيرين اختفت فجأة.
​”يا ساتر.. خير يا أستاذ شاكر؟” شيرين قالتها وهي بتحاول تبان طبيعية، “مش كنا متفقين نفتح الوصية الأسبوع الجاي؟”
​الأستاذ شاكر مبصش في وشها أصلاً، طلع ملف وحطه على التربيزة وقال ببرود: “المرحوم وصى إن الوصية تتفتح فوراً بعد الدفن.. وبحضور الكل.”
​زين نزل الموبايل وبدأ ينتبه: “يا ريت تخلصنا يا متر، عشان ورانا مشاوير ومحتاجين نوزع التركة.”
​المحامي لبس نضارته وبدأ يقرأ.. الغرفة هديت خالص، حتى صوت المطر اختفى قدام دقات قلبي.
​”أنا، جمال المنصوري، أقر وأعترف وأنا في كامل قواي العقلية.. أن كل ما أملك من عقارات، وأرصدة بنكية، والفيلا المقيمين بها حالياً، وما استجد من استثمارات…”
​شيرين كانت بتعدل طرحتها بانتصار، وزين كان بيبتسم للكاميرا اللي لسه شغالة.
​المحامي كمل: “… تؤول ملكيتها بالكامل، وبصيغة البيع والشراء النهائي، إلى ابنتي الوحيدة: ليلى جمال المنصوري.”
​السكوت اللي حصل كان

يرعب. شيرين كاسها وقع من إيدها واتفرفك ميت حتة، وزين ملامحه اتلخبطت كأنه مش فاهم عربي.
​”إيه الهبل ده؟” شيرين صرخت، “والعقود اللي معايا؟ والمؤخر؟ والبيت اللي كتبهولي؟”
​الأستاذ شاكر طلع ورقة تانية وهبدها على التربيزة: “الورقة اللي معاكي دي مبلولة وتشربي ميتها.. الحاج جمال اكتشف قبل وفاته بشهر إنك كنتي بتمضي على تنازلات وبتسرقي من حساباته، فباع كل أملاكه لبنته ليلى بعقود مسجلة ونفذها وهو عايش.. أنتي وزين ملكوش هنا ولا مليم.”
​زين بدأ يزعق: “دي مؤامرة! ليلى هي اللي لعبت في دماغه!”
​في اللحظة دي، سيبت المقشة من إيدي، ووقعت على الأرض بصوت رن في الصالة كلها.
​بصيت لشيرين اللي كانت وشها بقى أصفر زي الكركم، وقلت لها بنفس الهدوء اللي بابا علمهولي: “سمعتي المحامي قال إيه؟ البيت ده ملقيش فيه ست بتديره.. البيت ده بقى ملكي أنا.”
​قربت من زين، وخدت الموبايل من إيده بالراحة، وبصيت للكاميرا اللي لسه بتسجل “لايف” وقلت لمتابعينوا: “يا ريت الكل يصور اللحظة دي.. عشان دي هتبقى آخر لقطة لزين وشيرين هانم وهما في الفيلا.”
​شيرين حاولت تهجم عليا وهي بتصوت: “مش هخرج من هنا! ده بيتي!”
​شاورت للأمن اللي واقفين على الباب، وقلت بصوت عالي وواثق: “ارمي المقشة دي من إيدك يا شيرين.. أنتي دلوقتي بتتعدي على ممتلكات غيرك.. اتفضلوا بره، ورجليكم متعتبش العتبة دي تاني.”

​خرجوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، والناس اللي كانت بتضحك بمجاملة بدأت تقرب عشان تباركلي.. بس أنا مشيت وسيبتهم، وقفت قدام صورة بابا، وغمضت عيني..
​أخيراً يا بابا.. الناس ورتني وشها، وأنا ورتيتهم الباب.
شيرين وزين كانوا واقفين مذهولين، ملامحهم كانت مزيج بين الرعب والغل. زين حاول يداري خيبته وصرخ في المحامي: “أكيد الأوراق دي مزورة! أنا هرفع قضية وهحبسكم كلكم!”
​الأستاذ شاكر بص له بنظرة استحقار وطلع ورقة تالتة: “دي تقارير طبية بتثبت إن الحاج جمال كان واعي تماماً وقت الإمضاء، ومعاها فيديو مسجل بيأكد فيه رغبته في نقل كل أملاكه لبنته ليلى عشان يحميها من طمعكم.. تحب أعرض الفيديو دلوقتي قدام الناس دي كلها؟”
​زين سكت خالص، والموبايل اللي كان بيصور بيه عشان يذلني، وقع من إيده واتكسر على الأرض.. كأنه رمز لنهاية “الشو” بتاعه.
​شيرين بدأت تمثل العياط وتتمسكن: “يا ليلى يا حبيبتي.. إحنا ملناش غير بعض، أنا زي والدتك، والبيت كبير يشيلنا كلنا.”
​بصيت لها ببرود وقلت لها: “والدتي ماتت من زمان يا شيرين.. والمقشة اللي رميتيها في حضني من شوية، لسه واقعة مكانها.. خديها وأنتي ماشية، يمكن تنفعك في مكانك الجديد.”
​شيرين وشها اتحول فجأة، وعنيها بقت بتطلع شرار: “مش هسيبك تتهني بيها يا ليلى! هقلب عليكي الدنيا!”
​نصحتها بهدوء: “وفري طاقتك للمحاضر اللي هتوصلك الصبح.. بابا سايب ملف كامل عن اختلاساتك من حسابات شركته، يعني مش بس هتخرجي من هنا، أنتي احتمال كبير تقضي بقية حياتك ورا القضبان.”
​الأمن قرب منهم وبدأ يخرجهم وسط نظرات الشماتة من الناس اللي كانوا بيجاملوهم من شوية. شيرين

كانت بتصرخ وهي بتجرجر رجليها، وزين ماشي وراها زي الفرخة المبلولة، خايف حتى يرفع عينه في عيني.
​لما الباب اتقفل وراهم، الصالة فجأة بقت هادية بشكل غريب. المطر بره هدي، والجو بقى فيه سكينة لأول مرة من يوم وفاة بابا.
​الأستاذ شاكر قرب مني وطبطب على كتفي: “ألف مبروك يا متر.. باباكي كان عارف هو بيعمل إيه كويس، كان واثق إنك الوحيدة اللي هتصوني اسمه.”
​هزيت راسي وشكرته. الناس بدأت تمشي واحد ورا التاني، لحد ما بقيت لوحدي في البيت.
​روحت وقفت قدام صورة بابا، مسحت دمعة كانت محبوسة في عيني، وابتسمت.
​”وصلت الرسالة يا بابا.. والبيت نضف بجد المرة دي.” قعدت على الكرسي اللي بابا كان بيحب يقعد عليه، وحسيت فجأة بتقل المسؤولية بس براحة غريبة. البيت اللي كان من شوية مليان نفاق ودوشة، بقى هادي وكأن روحه رجعتله تاني.
​فتحت المجلد اللي بابا سابهولي مع الأستاذ شاكر، لقيت ورقة مكتوبة بخطه المهزوز بتاع أيام التعب الأخيرة:
​”يا ليلى يا بنتي.. أنا عارف إن اللحظة دي صعبة عليكي، وعارف إنهم هيحاولوا يكسروكي. أنا مسبتلكيش الفلوس دي عشان تعيشي في رفاهية وبس، أنا سبتهالك عشان تكوني ‘سند’ لنفسك وعشان مفيش حد يقدر يذلك. كوني قوية زي ما علمتك، ونظفي حياتك من أي حد مبيحبكيش بجد.”
​قفلت الورقة وضمتها لصدري.
​فجأة سمعت خبط على الباب. قلبي دق، افتكرتهم رجعوا تاني يملسوا عشان الفلوس. فتحت الباب، لقيت عمتي واقفة، ملامحها كانت باينة عليها الندم.
​قالت بصوت واطي: “ليلى.. أنا مكنتش عارفة أعمل إيه، كنت خايفة من لسان شيرين ومشاكلها.. سامحيني يا بنتي إني وقفت أتفرج.”
​بصيت لها بابتسامة هادية بس واضحة: “المسامح كريم يا عمتي، بس اللي بيقف يتفرج على الظلم بيبقى مشارك فيه. البيت بيتك في أي وقت كضيفة، لكن السند بيبان في وقت الشدة، مش بعد ما الحقيقة تظهر.”
​عمتي فهمت قصدي، هزت راسها ومشت وهي مكسوفة.
​طلعت البلكونة اللي بتبص على النيل، الهوا البارد خبط في وشي. بصيت بعيد وشفت عربية شيرين وزين وهي بتختفي في الضلمة. مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بإن الحِمل انزاح.
​طلعت موبايلي وكلمت الأستاذ شاكر: “يا متر، بكرة الصبح تبدأ إجراءات البلاغات اللي بابا جهزها. مش عاوزة مليم من اللي سرقوه، أنا عاوزة حق بابا وبس.. وعاوزة البيت ده يتفتح لجمعية خيرية باسمه، جزء منه يبقى سكن للطالبات المغتربات اللي زي ما أنا كنت في بدايتي.”
​قفلت السكة، وبصيت للسما. المطر وقف تماماً، والنجوم بدأت تبان.
​رميت نظرة أخيرة على “المقشة” اللي كانت لسه مرمية في الصالة، ضحكت بجد لأول مرة من يوم الوفاة. شيرين كانت فاكرة إنها بتهيني، مكنتش تعرف إنها بتديني الإشارة عشان أكنسهم هما من حياتي للأبد.
​دلوقتي بس، قدرت أقول بقلب جامد: “نام مرتاح يا بابا.. بنتك بطلت تعيط، وبدأت تبني.”
عدى أسبوع على اليوم ده، والفيلا بدأت روحها تتغير. العمال كانوا شغالين بيشيلوا كل حاجة اختارتها شيرين بذوقها المستفز، وبيرجعوا البيت لصورته اللي بابا كان بيحبها.
​كنت قاعدة في المكتب، لما السكرتيرة بلغتني إن فيه “زيارة” تحت. نزلت، لقيت زين واقف في الصالة، بس المرة دي مكنش معاه موبايل بيصور بيه، كان هدومه مبهدلة ووشه شاحب.
​أول ما شافني، جرى عليا وكان هيقوم يبوس إيدي: “الحقيني يا ليلى! شيرين هربت وخدت كل الفلوس

اللي كانت مخبياها، والشرطة بتدور عليا أنا بسبب الشيكات اللي كنت بوقعها مكان بابا.. أنا أخوكي يا ليلى، من دمك!”
​بصيت له بمنتهى الهدوء، وقعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل: “دلوقتي افتكرت الدم يا زين؟ فين كان الدم ده وأنت بتصورني وأنا بعيط عشان تلم لايكات؟ فين كان الدم وأنت بتضحك وأمك بترميلي المقشة في العزا؟”
​بكى بحرقة: “كنت مغيب، هي اللي وزتني! أنا ماليش حد غيرك، لو اتحبست هضيع.”
​قربت منه وهمست: “أنت فعلاً ضعت يا زين.. ضعت لما بعت أبوك وهو عايش، وضعت لما افتكرت إن الفلوس والمنظرة أهم من الأصول. أنا مش هسجنك، بس مش هطلعك منها. القانون ياخد مجراه، والفلوس اللي اتسرقت لازم ترجع لصحابها.”
​شاورت للأمن: “خرجوه بره.. وسلموه للبوكس اللي واقف مستنيه على البوابة.”
​خرج زين وهو بيصرخ وبيدعي عليا، بس قلبي متهزش شعرة. اللي يبيع أبوه في مرضه، ملوش مكان في حياتي في عزي.
​طلعت الدور التاني، وقفت قدام أوضة بابا. فتحت الباب ودخلت، ريحة ريحانه اللي كان بيحبه لسه موجودة. مسكت صورته الصغيرة اللي كان حاططها جنب السرير، وقلت له:
​”خلاص يا حبيبي.. الفيلا نضفت بجد، والعدل اتحقق. بكرة أول يوم في الجمعية، والبيت ده هيتملي ضحك ودعوات ليك بدل الغل والنفاق.”
​نزلت تحت، ووقفت قدام “المقشة” اللي شيرين رمتها. مسكتها بإيدي، وخرجت جنينة الفيلا، ورميتها في نار الخشب اللي العمال كانوا مولعينها عشان يخلصوا من الكراكيب القديمة.
​بصيت للنار وهي بتاكل الخشب، وحسيت إن كل وجع السنين اللي فاتت بيتحرق معاها.
​رفعت راسي للسما، وخدت نفس طويل.. مكنش مجرد ورث، دي كانت بداية حياة جديدة، حياة أنا اللي بكتب قوانينها.
​النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *