خلف قناع العريس الجزء الثالث والاخير حكايات شروق خالد
دخلت الفيلا القديمة، ورجلي كانت بتخطي العتبة وأنا حاسة إن الهوا جوه أبرد من بره بكام درجة. المكان كان عبارة عن قصر مهجور، الحيطان عليها آثار رطوبة، والأثاث كله متغطي بملايات بيضا زي الأشباح. الغبار كان مالي الجو كأن الزمن وقف هنا من تلاتين سنة.. يوم الحادثة بالظبط.
ياسين—أو آسر—دخل ورايا، رمى مفاتيحه على ترابيزة صالون قديمة، وشاورلي ببرود على السلم: “اطلعي الدور الثاني، أول أوضة على اليمين.. دي الأوضة اللي هتقعدي فيها. من هنا ورايح، مفيش خروج، ومفيش تليفونات، ومفيش أي صلة بالعاير اللي اسمه أبوكي.”
لفيت وشي ليه، ودموعي كانت نشفت وحل مكانها غضب طالع من وسط المكسور: “أنت فاكر إنك لما تحبسني هنا كسبت؟ أنت خسرت كل حاجة يا آسر.. خسرت البنت الوحيدة اللي حبتك بجد، وتحولت لنسخة مشوهة من الانتقام. لو أبويا غلط زمان، أنت بتغلط دلوقتي وكل يوم بتعيش فيه بالغل ده.”
ياسين ملامحه اتهزت لثانية، حسيته كان عايز يزعق أو يضرب حاجة، بس كتم غضبه وضحك ضحكته الباردة: “الكلام ده مياكلش معايا عيش يا بنت جلال.. اطلعي فوق.”
طلعت السلم وأنا بجر فستاني الثقيل اللي بقى عامل زي السلاسل في رجلي. دخلت الأوضة، لقتها واسعة وفيها سرير قديم ودولاب خشب. قعدت على طرف السرير، وبدأت أفك التوك والورد من شعري، وأنا ببص للفستان الأبيض اللي اتحول لكابوس.. فضل برود الأوضة ياكل في عضامي لحد ما التعب غلبني ونمت بدموعي من كتر الإرهاق.
صحيت الصبح على صوت حركة ورزع تحت.
قمت بسرعة، وفتحت الباب ونزلت السلم وأنا لسه بالفستان. لقيت الصالون اللي تحت اتقلب لخلية نحل.. فيه رجالة وعمال عمالين يشيلوا الملايات البيضا، وبيغيروا العفش، وبينظفوا المكان برتم سريع جداً. وفي وسطهم كان واقف آسر، لابس قميص أسود وبنطلون جينز، وماسك تليفونه وبيتكلم بعصبية: “أيوا.. الحجز التحفظي يتنفذ اليوم قبل بكرة.. مش عايز شركة واحدة من شركات جلال الهواري تفتح أبوابها.”
أول ما لمحني نازلة، قفل التليفون وبصلي من فوق لتحت: “صحي النوم يا عروسة.. كويس إنك صحيتي، عشان تتفرجي على أول مسمار في نعش إمبراطورية أبوكي.”
شاور للمحامي بتاعه اللي كان قاعد على مكتب متنقل، فالمحامي طلع جورنال وحطه قدامي على الترابيزة.
بصيت على المانشيت الرئيسي، وعيني وسعت من الصدمة.. كان مكتوب بالخط العريض: **(القبض على رجل الأعمال جلال الهواري بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال عائلة السيوفي منذ 30 عاماً)**.
“أنت حبسته؟!” صرخت وأنا بمسك رقبة آسر بانهيار: “أنت وعدتني لو جيت معاك مش هتحبسه!”
آسر مسك إيدي الإثنين بقبضة حديدية، ونزل لمستوى عيني وصوته بقى حاد وزي الموس: “أنا موعدتكيش بحاجة.. أنا قلت القوة التنفيذية مش هتقبض عليه (الليلة دي).. إنما القانون يا مريم مبيجاملش. البلاغ اتقدم، والنيابة حركت القضية بناءً على الأوراق الأصلية اللي أبوكي بصم عليها وهو بيموت.. أبوكي في التخشيبة دلوقتي، وكل شركاتكم اتحجز عليها.. يعني بقيتي على الحديدة.”
سحبت إيدي منه وأنا برتعش: “أنت بني آدم سادي.. بتتلذذ بوجع الناس.”
“أنا برجع حق أبويا اللي مات مقهور!” زعق في وشي لأول مرة بصوت هز حيطان الفيلا: “أبوكي عيشك في عز، وأنا عيشت مشرد.. دلوقتي الأدوار اتعكست.. أنتي هنا مجرد رهينة، والفيلا دي هتتوضب عشان تعيشي فيها وتخدمي المكان اللي أبوكي دمره!”
مرت الأيام.. والأسابيع.. والفيلا اتحولت من مكان مهجور لقصر فخم تاني، بس بالنسبة لي كان أفخم سجن في الدنيا. آسر كان بيعاملني بجفاء شديد.. الصبح يدخل الشركة اللي بقت ملكه، وبالليل يرجع يقعد في الصالون يراجع الحسابات وعينيه عليا وأنا قاعدة مكسورة.
بس في يوم.. الجو اتقلب.
آسر رجع الفيلا متأخر، وكان باين عليه التعب والهم.. دخل الصالون ورمى شنطته، وقعد على الكرسي وهو حاطط إيده على دماغه وبيتنفس بصعوبة.
كنت واقفة في المطبخ بعمل كباية شاي، لمحت منظره.. رغم كل اللي عمله، حتة من قلبي القديم تحركت. قربت منه وحطيت كباية الشاي قدامه: “مالك؟”
بصلي وعينيه كانت مجهدة جداً، وقال بنبرة مكسورة لأول مرة أسمعها منه: “الشركات الكبيرة اللي أبوكي كان شريك فيها برة مصر.. رافضين يتعاملوا معايا.. اعتبروا إن الاستحواذ اللي حصل ده تصفية حسابات غير قانونية، والأسهم في البورصة عمالة تقع.. أنا مهدد بالإفلاس قبل ما أفرح بانتصاري.”
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وبصتله بهدوء: “عشان أنت دخلت الحرب بغل مش بذكاء يا آسر.. الشركات دي كانت بتتعامل مع (جلال الهواري) عشان اسمه وتاريخه، مش عشان الفلوس.. لما حبسته وشوهت اسمه، السوق برة خاف منك واعتبرك قرصان.”
آسر بصلي بذهول: “وأنتي مالك زعلانه ليه؟ مش ده اللي أنتي عايزاه؟ عشان أبوكي يخرج؟”
هزيت راسي بالنفي والدموع لمعت في عيني: “أنا مش عايزة حد يتأذي.. لا أبويا اللي غلط وعقابه عند ربنا وفي السجن، ولا أنت اللي ضيعت عمرك ورا السراب. أنا مراجعة حسابات وفاهمة السوق الأوروبي كويس.. لو عايز تنقذ الشركات دي، فيه طريقة واحدة.”
آسر اعتدل في قعدته، وبصلي بنظرة فيها خليط من الشك والرجاء: “طريقة إيه؟”
قربت منه وقلت بكلمات صدمته: “أنا اللي هتدخل.. الشركاء برة يعرفوني وبيرتاحوا في الشغل معايا من أيام أوروبا. أنا هصلح اللي أنت بوظته والأسهم هترجع ترفع.. بس بشرط واحد يا آسر.”
“شرط إيه؟” سأل ونفسه محبوس.
“أبويا يخرج من السجن.. كفاية عليه التنازل عن كل أملاكه وعيشته مكسور.. يخرج يقضي اللي فاضل من عمره في بيته، وأنا هفضل معاك هنا.. هصلحلك البيزنس بتاعك، وأمضي معاك عقد شراكة حقيقي.. بس بلاش السجن لأبويا.”
آسر سكت.. صمت طويل قاتل لف المكان. كان جواه صراع مرعب بين الحقد اللي عاش بيه تلاتين سنة، وبين البنت اللي واقفة قدامه ومستعدة تضحي بنفسها وتنقذه رغم كل اللي عمله فيها.
وقف ومشي ناحية الشباك، بص للضلمة برة، وبعدين لف وشه ليا وقال بنبرة غامضة: “لو الأسهم رفعت والشركات رجعت تشتغل.. أبوكي بكرة الصبح هيكون في بيته.. وأنتي..”
قاطعتة بثقة: “وأنا هفضل هنا.. لحد ما تكتشف بنفسك إن الانتقام مبيأكلش عيش.. وإن الحب اللي دفتنه بإيدك، كان الحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتك.”
حكايات شروق خالد
آسر بص في عيني لثواني طويلة، ملامح وشه كانت مشدودة والصراع جواه باين في عروق إيده اللي ضاغطة على حرف المكتب. لف وشه تاني للشباك وقال بصوت مكتوم: “ماشي يا مريم.. قدامك 48 ساعة. لو الأسهم مرفعش والشركاء برة ممضوش على استمرار العقود.. أبوكي مش بس هيفضل في السجن، ده أنا هخليه يتنقل لزنزانة أضيق.”
أنا مأستنيتش.. دخلت أوضة المكتب الصغير اللي في الفيلا، فتحت اللاب توب بتاعي وبدأت أشتغل. الرغبة في إنقاذ أبويا كانت مديااني طاقة رهيبة. بدأت أكلم العملاء والشركاء في أوروبا واحد ورا التاني.. ناس أنا اشتغلت معاهم تلات سنين وبنيت معاهم ثقة ومصداقية.
“مساء الخير يا مستر هانز.. أنا مريم الهواري.. أيوا، التغييرات اللي حصلت في الإدارة في مصر دي إعادة هيكلة قانونية، والباشمهندس آسر السيوفي هو الشريك الرئيسي الجديد.. الشغل مش هيتأثر، وأنا بنفسي اللي مشرفة على الحسابات والمناقصات الجديدة.”
كنت بتكلم بثبات وذكاء مراجعة حسابات شاطرة، وفاهمة إزاي أطمن المستثمر الأجنبي. فضلت صاحية طول الليل، قهوة ورا قهوة، وتليفونات وإيميلات مبتفصلش.. وآسر كان واقف ورا الباب الإزاز، بيراقبني في صمت، والسيجار في إيده مبيطفيش. كان مذهول من قوتي، ومش مستوعب إزاي البنت اللي كسر فرحتها الصبح، هي اللي بتحارب عشان تنقذ اسمه بالليل.
تاني يوم العصر..
كنت قاعدة وشعري متبهدل وعينيا حمرا من قلة النوم، وفجأة شاشات البورصة اللي كنت متابعاها بدأت تتحول للون الأخضر. الأسهم بتاعة مجموعة السيوفي والألفي المشتركة بدأت ترفع تاني بسرعة الصاروخ، والإيميلات بدأت توصل بالموافقة على تجديد العقود.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل آسر وهو ماسك تليفونه، وبصلي بنظرة غريبة.. نظرة فيها ذهول وانكسار للكبرياء بتاعه.
“عملتيها إزاي؟” سألني بصوت واطي وهو بيقعد على الكرسي اللي قدامي. “مستر هانز لسه مكلمني حالا، وبيقولي إنهم ضخوا استثمارات جديدة بناءً على ضمانتك الشخصية ليهم.”
قفلت اللاب توب ورفعت راسي بتعب وثقة: “عملتها بالثقة والكلمة الحرة يا آسر.. الحاجات اللي أنت مبرؤمنش بيها وفاكر إن كل حاجة بتتاخد بالدراع والغل. دلوقتي أنا وفيت بعهدي.. والأسهم رفعت والبيزنس بتاعك إنقذ.. فين أبويا؟”
آسر سكت، فرك جبهته بإيده، ولأول مرة أشوف عينيه بتتهرب من عيني. سحب تليفونه وطلب الأستاذ عادل المحامي: “عادل.. ارفع الحجز التحفظي عن بيت جلال الهواري.. وقدم التنازل عن القضية حالا.. عايز جلال بيه يروح بيته قبل ما النهار يقفل.”
لما سمعت الجملة دي، حسيت إن جبل انشال من على صدري. دموعي نزلت غصب عني، ودفنت وشي بين إيديا وبكيت.. بس المرة دي كانت دموع راحة.
آسر قام من مكتبه وقرب مني ببطء، حط إيده على كتفي.. كانت لمسة خفيفة ومرعوبة، كأنه خايف يلمس حاجة رقيقة فتتكسر: “مريم.. أنا..”
سحبت كتفي منه ووقفت، مسحت دموعي وبصتله بقسوة: “أنا هلتزم باتفاقي معاك يا آسر.. هفضل هنا في الفيلا دي، وهديرلك حسابات الشركة وهكبرهالك.. بس متفتكرش إن اللمسة دي أو النظرة دي هترجع ياسين اللي أنا حبيته.. ياسين مات في القاعة امبارح، واللي واقف قدامي دلوقتي هو شخص غريب أنا مجبرة أعيش معاه عشان أحمي أبويا.”
الكلمة نزلت عليه زي الكرباج.. وشه اتخطف، وعرف إن انتقامه اللي خطط له تلاتين سنة، رجع وضرب قلبه هو في مقتل. هو أخد الفلوس والشركات، بس خسر البنت الوحيدة اللي كانت مستعدة تديه عمرها.
مر شهر كامل..
الوضع في الفيلا بقى غريب جداً.. المكان اتنظف وبقى جنة، وأنا بقيت بنزل الشركة كل يوم الصبح، بقعد في مكتبي، بخلص الشغل بمثالية، والكل في الشركة بقى بيعملي ألف حساب. وآسر كان بيحاول بكل الطرق يفتح معايا كلام، يجيبلي هدايا، يعتذر بطرق غير مباشرة.. بس أنا كنت عبارة عن حيطة سد وتلج.
وفي يوم بالليل.. كنت قاعدة في الجنينة بتاعة الفيلا، الجو كان خريف وهادي. لقيت آسر جاي وقعد جمبي، وكان باين عليه إنه مش قادر يستحمل الصمت ده أكتر من كده.
طلّع من جيبه ظرف كبير وحطه على الترابيزة قدامي.
بصتله باستغراب: “إيه ده؟”
“دي عقود التنازل عن نص أملاك عيلة السيوفي.. كتبتها باسمك يا مريم،” آسر قالها وصوته كان بيرتعش من العاطفة. “وده تذكرة سفر لـ أوروبا.. وورقة طلاقك.”
بصتله بذهول، ومكنتش متوقعة إنه يعمل كدة.
كمل وهو بيبص للأرض ودموعه لمعت لأول مرة: “أنا عشت تلاتين سنة فاكر إن رجوع حق أبويا هو اللي هيخليني سعيد.. بس لما حبستك وحبست أبوكي، حسيت إني بقيت مخنوق أكتر من الأول. أنا ظلمتك يا مريم.. وأنتي وجعتيني بأصلك وبجدعنتك أكتر مانا وجعتك بغلي.. أنتي حرة.. تقدري تاخدي الفلوس وترجعي لأبوكي، أو تسافري أوروبا وتبدأي حياتك من جديد بعيد عن جحيمي.”
بصيت لورقة الطلاق، وبصيت لعقود الملكية.. وبعدين بصيت لآسر. شوفت في عينيه الندم الحقيقي.. شوفت “ياسين” القديم اللي حبيته في الغربة، الشخص اللي كان حنين وبيدور على الأمان.
مديت إيدي.. وسحبت ورقة الطلاق.. وقسمتها نصين قدام عينيه.
آسر رفع راسه وبصلي وهو مش مصدق وعينيه وسعت: “مريم؟! أنتي بتعملي إيه؟”
وقفت وعدلت فستاني، وبصتله بابتسامة خفيفة فيها وجع وأمل في نفس الوقت: “أنا مش هسافر يا آسر.. ومش هسيب الفيلا دي. أنا هقعد هنا.. بس مش عشان أنا رهينة.. هقعد عشان نصلح اللي الأيام بوظته. أبويا غلط واعتذر ودفع التمن، وأنت غلطت وبتعتذر دلوقتي.. وإحنا الاثنين محتاجين نبدأ صفحة جديدة ونقفل دفتر الحسابات القديم ده للأبد.”
آسر وقف فجأة، ومن غير ما ينطق ولا كلمة، أخدني في حضنه.. حضن طويل كان فيه كل الندم وكل الشوق وكل الأمان اللي اتهز الليلة اللي فاتت.
وفي اللحظة دي، وسط ضلمة الجنينة والفيلا القديمة، عرفت إن الحب الحقيقي هو اللي بيكسر أي انتقام.. وإن الحكاية اللي بدأت بكابوس في ليلة الفرح، انتهت ببداية جديدة ونظيفة على مية بيضا.
**تمت الرواية بنجاح ونهاية سعيدة.**
خلف قناع العريس
حكايات شروق خالد