صرخه في وادي الصعيد الجزء الثالث والاخير حكايات شروق خالد

شادية أول ما سمعت سيرة “الورق والفيديو” جسمها ساب، وبصت لـ إبراهيم والحاج عمران وعينيها بتلف من الخوف: “الورق والفيديو معايا.. أنا مفرطتش فيهم واصل طول التلات سنين دي، هما دول حبل المشنقة اللي هيلف رقبة منصور الغول.”
إبراهيم قرب منها بلهفة: “معاكي فين يا شادية؟ إنتي كنتي هربانة بعبايتك المتبهدلة دي!”
شادية حطت إيدها على بطانة العباية القديمة من جوه، وطلعت “فلاشة” صغيرة أوي كانت مخيطاها جوه القماش بحرفنة، ومعاها كارت ميموري صغير. “الفلاشة دي عليها الفيديو اللي صورته من شباك المخزن وهو بيخلص على شريكه، والكارت عليه صور العقود والورق اللي يثبت تجارته في السلاح والآثار تحت غطاء مصنع الغزل.”
الحاج عمران خد الفلاشة في إيده الكبيرة وهو بيهز راسه: “عفارم عليكي يا بنتي.. دي مش فلاشة، ده حبل المشنقة بجد.” ولف لـ أولاد أخوه وقال بزئير: “يا فراج! خد اتنين من رجالتك واطلعوا بـ الموتوسيكلات على مركز الشرطة.. كلموا المستشار (أحمد بيه) ابن عمنا اللي في النيابة الكلية، قولوا له آل عمران باعتين لك أمانة تزلزل مصر، ولازم توصل للنائب العام شخصياً الليلة قبل بكرة!”
فراج خد الفلاشة وطار هو والرجالة بـ السلاح، والبلد كلها بدأت تتحول لثكنة عسكرية. الشباب وقفوا على المداخل، وفوق أسطح البيوت، والكل صباعهم على الزناد.
الـ 24 ساعة ممرتش بسلام.. قبل ما المهلة تخلص بـ ساعتين، وتحديداً والليل مغطي الغيطان، النور انقطع عن الحتة كلها فجأة!
الظلمة حلت، وبعدها بـ دقايق، ظهرت أنوار كشافات قوية لـ تلات عربيات دفع رباعي مفيهاش نمر، جاية بسرعة الصاروخ من على الطريق الزراعي، ووقفت على أول مدخل البلد.
نزل منها يجي عشرين راجل، شايلين أسلحة أوتوماتيكية متطورة، وعلى رأسهم راجل ضخم هو (الكوماندا). وبدأوا يضربوا نار في الهواء عشان يرعبوا أهل البلد، وصوت الكوماندو ضرب في الميكروفون: “يا آل عمران! تسلمونا الأمانة والبت.. يا إما هنسوي البلد بالتراب، والباشا مش هيرحم حد فيكم!”
الحاج عمران مدهمش فرصة يكملوا كلامهم.. طلع على سطح الدوار وبصوت زي الرعد ضرب طلقة في الجو وزعق: “يا ولد الغول! أرض الصعيد مبتقبلش الجيف.. وأنت ورجالتك جيتوا لقبركم بـ رجليكم!”
وفي ثانية، الغيطان والأسطح ولعت نار! رجالة آل عمران بدأوا يضربوا من كل زاوية. المعركة كانت حامية، ورجالة الباشا اتفاجئوا إنهم مش داخلين على ناس غلابة، دول داخلين على قلاع حديد. إبراهيم كان واقف ورا ساتر على أول البوابة، وكل ما حد من رجالة الكوماندو يقرب، يرجعه بطلقة تخش في صدره.
الكوماندو لقى رجالته بيقعوا واحد ورا التاني، فبدأ يتراجع لورا وعايز يركب العربية ويهرب.. بس إبراهيم لمحه! جرى وراه وسط ضرب النار، ونط فوق عربية الكوماندو قبل ما تتحرك. دارت بينهم خناقة موت، الكوماندو طلع مطواة وإبراهيم مسك إيده بكل عزم، وافتكر تلات سنين وعذاب مراته ونوم ابنه وهو بيعيط.. وبكل غله، ضرب الكوماندو بـ قفا البندقية في وشه، وقعه على الأرض سايح في دمه، وكتفه تماماً.
على ما الفجر بدأ يشقشق، كانت المعركة انتهت.. رجالة الباشا اللي عاشوا اتكتفوا، واللي ماتوا شالوهم. وفجأة، الشارع الرئيسي للبلد اتملى بـ عربيات الشرطة والأمن المركزي، وسارينات البوليس قيدت المكان.
نزل منها مأمور المركز ومعاه المستشار أحمد ابن عمهم، وجريوا على الحاج عمران وإبراهيم.
المستشار أحمد ابتسم وقال وهو بينهج: “خلاص يا عمي.. الأمانة وصلت للنائب العام بالليل، وقوة من الأمن الوطني والرقابة الإدارية نزلت حالا على قصر منصور الغول في القاهرة وقبضت عليه متلبس وهو بيحاول يهرب برة البلد! الفلاشة والورق قلبوا الدنيا، والباشا خلاص بقى ورا القضبان بتهمة القت*ل العمد والاتجار في السلاح والآثار والخطف بالحيا!”
إبراهيم رمى السلاح من إيده، وحس إن جبل انزاح من على صدره. جرى لداخل البيت، لقى شادية قاعدة ومحتضنة صلاح وهو نايم في حجرها وبتعيط بس المرة دي دموع فرحة.
إبراهيم نزل على ركبه، وخدها هي وصلاح في حضنه، وقال بصوت مخنوق من العياط: “خلاص يا شادية.. الكابوس انتهى.. والباشا وقع، والبلد كلها عرفت إنك شادية الحرة الطاهرة.. حقك رجع يا أم صلاح.. والدنيا كلها رجعت تضحك لنا من تاني.”

حكايات شروق خالد

مرت الأيام، والصعيد كله مكنش ليه سيرة غير عن “نصرة آل عمران” لولد غريب رجعاله مراته بعد تلات سنين في بطن الحوت. منصور الغول اتسحب منه الحزب، واتحكم عليه تحويل أوراقه للمفتي في أول جلسة جنايات بعد ما الفيديو والورق مسبوش ليه ثغرة واحدة يهرب منها.
بعد شهر من الليلة دي، كان الدوار منور بـ قناديل الفرح، والحاج عمران أصر يعمل “ليلة عشا” تليق بـ رجوع شادية للحياة. البلد كلها كانت معزومة، والذبائح شغالين عليها الطباخين من فجر ربنا، وصوت المزمار البلدي بيرن في الغيطان.
إبراهيم كان قاعد في أوضته، لابس جلبابه الصعيدي الجديد، وباصص في المراية وهو مش مصدق إن الوش المجهد الحزين اللي عاش بيه تلات سنين، رجعت تترسم عليه الضحكة من تاني.
الباب اتفتح بالراحة، ودخلت شادية.. بس مكنتش شادية المتبهدلة اللي شافها على رصيف وسط البلد. كانت لابسة عباية قطيفة سودة مطرزة بـ الخوص الدهبي، وشها ردت فيه الروح، وعينيها اللي كان فيها كسرة السنين بقت بتلمع زي النجوم.
إبراهيم لف ليها وقرب خطوتين، مسك إيديها اللي الجروح بدأت تلم فيها، وقال لها بنبرة كلها حنية: “بسم الله ما شاء الله.. قمر يا شادية، كأنك عروسة ليلة دخلتنا من جديد.”
شادية نزلت دمعة من عينيها بس دمعة فرحة، وقالت بصوت واطي: “كل ده بفضلك وفضل أهلك يا إبراهيم.. أنا كنت ميتة بجد، وأنت اللي نفخت فيا الروح لما ركزت في وشي وسط زحمة الدنيا.”
في اللحظة دي، دخل صلاح وهو بيجري، لابس جلباب صغير شبه أبوه، ونط في وسطهم ومسك إيدين أبوه وأمه: “يلا يا بابا، يلا يا ماما.. جدي عمران مستنيكم برة، والناس كلها عايزة تسلم عليكي.”
خرجوا هما التلاتة، وأول ما رجلهم عتبت الدوار، اشتعل ضرب النار في الهوا ترحيباً بيهم، والزغاريد شقت ليل سوهاج. الحاج عمران وقف ورفع عصايته وقال بصوت جهوري: “نورتي دارك يا بنتي.. والنهارده بس، إبراهيم يقدر يقفل باب العزا اللي اتفتح من تلات سنين، ويفتح باب الفرح اللي مش هيتقفل واصل!”
وقفوا كلهم وسط أهلهم وناسم، وإبراهيم حاطط إيده على كتف شادية، وصلاح في حضنه.. وبص للسما وابتسم، وعرف إن الحق لو نام ليلة، بيصحى في ليلة تانية يهد جبال الظلم، وإن اللي انكسر في حواري القاهرة، اتجبر ووقف على رجله بـ حديد الصعيد.
**تمت القصة.**

​صرخة في واد الصعيد

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *