عائد من الجحيم الجزء الاول حكايات شروق خالد

في طريق عودتي إلى بيتي في مصر بعد فترة غياب طويلة دامت ثمانية أشهر في مهمة رسمية، كنت أرسم في خيالي مشهد العناق والدموع السعيدة. لكن بمجرد أن وطئت قدمي عتبة الشقة، تبخرت كل تلك الأحلام. لم يستقبلني سوى صراخ مكتوم ومجهد لابني الرضيع “آدم”، وصوت أمي الصارم وهو يأمر الجميع في الصالة بتجاهله تماماً.
السنوات التي قضيتها في الخدمة والانضباط شحذت غرائزي بشكل لم يخطئ قط. الهواء في الممر كان ثقيلاً ومكتوماً، علب اللبن الصناعي ملقاة دون نظام، وهناك صمت غريب ومرعب يكسره فقط أنين آدم الضعيف.
#حكايات_شروق_خالد
ركضت نحو غرفة الصغير، وهناك تجمدت الدماء في عروقي. زوجتي “سارة” كانت مستلقية على الأرض، عاجزة تماماً ووجهها شاحب كالأموات. كانت إحدى عينيها متورمة ومغلقة، وكدمات زرقاء داكنة تحيط بذراعيها وكأنها تعرضت لهجوم وحشي، بينما كان آدم داخل سريره وجسده الصغير يشتعل بحمى قاتلة، يبكي بلا صوت بعد أن خارت قواه.
نزلت على ركبتي مذهولاً وأنا أرفع رأسها برفق: “سارة.. إيه اللي حصل؟ مين عمل فيكي كده؟”
قبل أن تنطق بحرف، انفتح الباب ودخلت أمي الغرفة وهي ترتدي عباءة استقبال فاخرة كانت ملكاً لسارة، وتسللت خلفها أختي “فانيسا” بابتسامة شامتة ومتغطرسة، سرعان ما تلاشت عندما رأت نظرة الموت في عيني.
قالت أمي ببرود وجفاء لا يصدق: “كانت محتاجة تتربى وتعرف الأصول.. سيبك منها”. وأشارت فانيسا بسبابتها نحو السرير قائلة باستهزاء: “واحنا مش دادات هنا.. الواد ده مشكلتها هي، تدبر حالها”.
#حكايات_شروق_خالد
بحشرجة وبكاء مرير، همست سارة وهي تتشبث بقميصي: “حبسوني هنا يا أحمد.. خدوا تليفوني وفلوسي، وكل ما أترجاهم يجيبوا دكتور لآدم عشان بيموت، كانوا بيضربوني ويقولوا لي خليه يتربى”.
في تلك اللحظة، شعرت بأن كل شيء حولي قد سكن تماماً، وهدوء ما قبل العاصفة تملكني. نظرت مباشرة في عيني أمي وسألتها بصوت منخفض ومنذر بالخطر: “ليه؟”
رفعت رأسها بكبرياء زائف وقالت: “لأن الشقة دي بقت ملكي أنا وأختك.. وأنت مالكش كلمة هنا خلاص”.
لم تكن تعلم كم هي واهمة.
قبل نزولي في هذه الإجازة، ومن خلال الرسائل المتقطعة التي كانت سارة تنجح في إرسالها لي بصعوبة، بدأت أشك في أن هناك مؤامرة تُحاك ضدها لطرها والاستيلاء على الشقة التي كتبتها باسمها. بمساعدة قادتي في العمل، تم التنسيق مع الجهات القانونية والتحريات العسكرية لتوثيق كل شيء. لم تكن أمي وأختي يعلمان أنني قمت مسبقاً بتأمين كافة الحسابات البنكية، واسترجاع التسجيلات والكاميرات المخفية التي اعتقدتا أنهما نجحتا في مسحها لإخفاء آثار الضرب والسرقة.
حملت آدم بين ذراعي وسندت سارة بيدي الأخرى وتقدمت نحو باب الشقة. حاولت فانيسا الوقوف في طريقي لمنعي من الخروج بالطفل، لكن نظرة واحدة من عيني جعلتها تتراجع للوراء رعباً.
عندما فتحت باب الشقة المؤدي إلى السلم، لم نجد الشارع المظلم الساكن، بل كانت أضواء سيارات الشرطة العسكرية والنيابة تصبغ جدران البناية باللونين الأحمر والأزرق.
دخل رجال الشرطة العسكرية يرافقهم محامي الخاص إلى صالة الشقة مباشرة. وفي تلك الثواني المعدودة، تبخرت الابتسامات المنتصرة والمتغطرسة من على وجه أمي وأختي، وحل محلها رعب حقيقي لم تحسبا له حساباً قط. لقد ظنتا أن المسافات ستعميني، لكنهما نسيا أن حقوق المظلومين لا تضيع، وأن القانون والعدالة كانا يقفان خلفي تماماً خلف ذلك الباب.

#حكايات_شروق_خالد

تسمرت أمي في مكانها، وتراجعت فانيسا خطوتين إلى الخلف حتى اصطدمت بطاولة الصالون، وبدأت الألوان تهرب من وجهيهما وهما تشاهدان ضباط الشرطة العسكرية يملأون المكان، يرافقهم وكيل النيابة ومحاميي الخاص الذي كان يحمل في يده حقيبة سوداء.
تقدم الضابط المسؤول ووجه حديثه لي باحترام: “جناح الرائد أحمد؟ كل الإجراءات جاهزة، والتقرير المبدئي للحالة وصل للمستشفى العسكري، فيه إسعاف تحت مستنية المدام والطفل”.
نظرت إلى أمي التي حاولت فجأة تغيير نبرة صوتها واستجداء عاطفتي، فقالت بصوت مرتعش: “أحمد يا ابني.. أنت هتجيب الشرطة لأمك وأختك عشان حتة حتة عيلة؟ دي كانت قرصة ودن بس عشان تسمع الكلام!”
لم ينبض فيّ عرق واحد للين. أشرت للمحامي، ففتح حقيبته وأخرج شاشة “تابلت” صغيرة، وعرض أمامهم مقطع فيديو تم استرجاعه بالكامل من الكاميرا المخفية التي كنت قد زرعتها في نجفة الصالة قبل سفري لحماية أسرتي. كان الفيديو يوثق بكل وضوح لحظة قيام فانيسا بدفع سارة على الأرض، وتناوب الاثنين على ضربها ومنعها من الوصول للهاتف بينما كان صوت بكاء آدم يمزق القلوب في الخلفية.
قال المحامي بنبرة حاسمة: “سيادة الوكيل، معانا هنا مستندات بتثبت تزوير عقد بيع الشقة، بالإضافة لتسجيلات الكاميرات اللي بتثبت واقعة التعذيب، الحجز القسري، والامتناع العمدي عن علاج طفل رضيع مما كاد يؤدي لوفاته”.
التفت وكيل النيابة إلى العساكر وقال بصرامة: “هاتوا الستات دول.. وتتحرز كل الهواتف والعقود اللي في الشقة”.
صرخت فانيسا وبدأت تبكي بهستيريا وهي تقسم أنها لم تفعل شيئاً وأن أمي هي من خططت لكل شيء لتجبر سارة على التنازل عن مؤخر صداقها والشقة. أما أمي، فنظرت إليّ بنظرة حقد أخيرة قبل أن تُقاد مكلبة اليدين خارج الشقة التي ظنت يوماً أنها استولت عليها بالظلم.
نزلت بهدوء ممسكاً بسارة التي كانت تبكي دموع الفرح والراحة، بينما كان آدم يئن خفوتاً بين يدي. ركبنا سيارة الإسعاف متوجهين إلى المستشفى، وأنا أعلم تماماً أن رحلة غيابي الطويلة قد انتهت، وأنني عدت في الوقت المناسب لنزع مخالب الشر من بيتي، وبدء حياة جديدة خالية من سمومهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *