رجعت من السعوديه بعد خمس سنين غياب

رجعت من السعودية بعد خمس سنين… ولقيت مراتي وابني بيموتوا من الجوع ورا الفيلا اللي أنا اللي دافع تمنها
الجزء الأول
بعد خمس سنين شغل في السعودية، رجعت مصر من غير ما أقول لحد.
لا لأمي.
ولا لأختي.
ولا حتى لمراتي.
كنت عايزها تبقى مفاجأة.
خمس سنين كاملة عشتهم تحت شمس تحرق الجلد، شغل في مواقع البناء، تراب، إيدي اتشققت، أكل على القد، سكن مشترك، وليالي طويلة كنت بعد فيها الأيام والمرتبات اللي فاضلة عشان أرجع بيتي.
بيتي…
الكلمة دي هي اللي كانت مخلية عندي أمل.
مراتي ندى.
وابني عمر.
والفيلا الكبيرة اللي كنت ببنيها تحويلة ورا تحويلة.
كل شهر كنت ببعت 1800 دولار لأمي، أمينة.
لما سافرت السعودية، ندى مكانش عندها حساب بنكي، وكنا ناويين نعمل واحد، بس السفر جه فجأة، فوثقت في أمي إنها تمسك الفلوس لحد ما أرجع.
وثقت.
كلمة بعد كده بقت طعمها مُر.
كل شهر، بعد ما أحول الفلوس، أكلم أمي وأقول لها نفس الكلام
اتأكدي إن ندى عندها كل اللي محتاجاه.
ما تقلقش يا كريم.
وعمر ميكونش ناقصه حاجة.
اطمن، كويس.
حوشي جزء للمدرسة، والهدوم، والأكل، والدكتور.
يا كريم، بطل قلق. أنا ربيت عيال قبل ما مراتك تتولد.
أوقات كنت بطلب أكلم ندى.
وأمي كل مرة كان عندها سبب.
نايمة.
نزلت مع عمر.
راحت تزور حد.
مشغولة في البيت.
مش في مود كلام النهارده.
في الأول صدقتها.
أي راجل بيحب يصدق إن أهله بيحافظوا على مراته وابنه وهو بيكسر ضهره عشانهم.
لكن بعد شوية، الأعذار بقت غريبة.
ندى بطلت تبعت
صور.
لما سألت، أمي قالت موبايلها باظ.
قلت أجيب لها واحد جديد، قالت إنها اشترتلها.
ولما طلبت من عمر يوريني أوضته في مكالمة فيديو، أختي هبة ضحكت وقالت
بقى مكسوف يا عم… العيال كده.
فات عيد ميلاده الرابع وأنا بعيد.
وبعدين الخامس.
وبعدين السادس.
وكل سنة كنت ببعت فلوس زيادة.
فلوس للتورتة.
وللهدايا.
ولللبس.
وكل مرة أمي تقول نفس الجملة
اطمن… انبسط جدًا.
وكنت بعيش على الجملة دي.
كانت بتسندني وأنا باكل رز بارد ولحمة ناشفة.
وبتهون عليا وجع ضهري بعد 12 ساعة شغل في الحر.
وبتسكت الصوت اللي جوايا اللي بيسأل
لو كل حاجة تمام… ليه صوت مراتي بيبعد عني سنة بعد سنة؟
خلص عقدي قبل معاده بشهرين.
ومقولتش لحد.
حجزت أول طيارة ورجعت.
في المطار اشتريت علبة شيكولاتة فاخرة لندى، وأسورة دهب كانت نفسها فيها، وشنطة مليانة لعب لعمر.
عربيات.
قطر.
كتب.
وديناصور بالريموت… لأنه كان بيعشق الديناصورات وهو عنده 3 سنين.
معرفش لسه بيحبها ولا لأ.
والفكرة دي وجعتني.
طول الرحلة كنت بتخيل اللحظة.
ندى بتجري عليا.
وعمر بيصرخ
بابا!
وأمي بتعيط من الفرحة.
وأختي بتتريق إني كبرت.
والفيلا منورة في الشمس.
خمس سنين تعب أخيرًا هتبقى حقيقة.
وصلت الفيلا.
كانت ضخمة… ببوابة حديد وجنينة متشققة بعناية.
أنا اللي دفعت تمنها.
أنا اللي دفعت للمقاولين.
أنا اللي دفعت الفرش.
والتكييف.
والرخام.
والنجف.
والعربية.
والمدرسة.
والأكل.
على الأقل… ده اللي كنت فاكره.
أول ما التاكسي وقف، سمعت صوت أغاني عالي.
والبيت كله منور.
وعربيات مالية المدخل.
وضحك.
ضحك ناس بتحتفل.
مش ضحك عيلة.
ضحك ناس شبعانة ومش فارق معاها لو في حد جعان بره.
استغربت.
قلت يمكن عندهم مناسبة.
يمكن أمي عاملة عزومة.
نزلت بالشنط والهدايا.
ولقيت أول صدمة.
رقم البوابة اتغير.
جربت القديم.
رفض.
كلمت أمي.
مردتش.
كلمت هبة.
برضه مردتش.
لفيت من ناحية باب الخدمة اللي ورا.
قدام الفيلا كان شكلها قصر.
وراها…
كان في عالم تاني.
ريحة زبالة.
وزيت بايت.
ورطوبة.
وفجأة…
سمعت طفل بيعيط بصوت واطي.
مش دلع.
ولا زن.
ده صوت طفل اتعود يجوع.
وسمعته بيقول
يا ماما… أنا جعان… ينفع آكل الفراخ اللي جوه؟
قلبي وقف.
أنا حافظ الصوت ده.
عمر.
ابني.
وسمعت ندى ترد بصوت مكسور
لأ يا حبيبي… متطلبش تاني… لو تيتة سمعت هتزعل… كل ده… أنا غسلته مرتين، مش هيبقى وحش أوي.
جسمي كله اتجمد.
قربت من الباب المكسور.
وشفتها.
ندى…
قاعدة على كرسي بلاستيك تحت لمبة صفراء ضعيفة.
ماسكة طبق مكسور.
رفيعة بشكل يخض.
مش رفيعة…
جعانة.
هدومها قديمة ومقطوعة.
وشها غائر.
إيديها بقت كلها عضم.
وجنبها عمر.
ست سنين.
بس شكله أصغر بكتير.
هدومه واسعة.
وركبته باينة.
ومسك معلقة بإيده الاتنين، وباصص للطبق كأنه كنز.
الطبق كان فيه شوية رز وبقايا أكل مرمية.
أكل كنت بشوف العمال ياكلوه لما ميلاقوش غيره.
ابني…
بياكله ورا الفيلا اللي أنا دافع تمنها.
جنب الحيطة كان كل اللي يملكوه.
مخدة.
بطانية.
جردل.
كام هدوم.
جزمة مقطعة.
وحلة سودا.
مفيش لعبة.
ولا كتاب.
ولا شنطة مدرسة.
ولا أي أثر للفلوس اللي كنت ببعتها.
رفع عمر المعلقة.
ندى شمّت الأكل الأول وقالت
استنى… أشوف ريحته بايظة ولا لأ.
في اللحظة دي…
حاجة جوايا اتكسرت.
وقبل ما أدخل…
باب المطبخ الكبير اتفتح.
دخل نور.
وريحة فراخ مشوية.
وحلويات.
وأكل يفتح النفس.
ودخلت أختي هبة، شايلة صينية مليانة فراخ وحلويات.
لابسة فستان شيك.
ودهب.
وبصة احتقار.
بصت لندى وقالت
قولتلك متقربيش من أكل الضيوف.
ندى وطت راسها.
عمر اتجمد.
هبة بصت للطبق.
ده إيه؟
ندى ردت
بواقي.
من الزبالة؟
ندى مردتش.
هبة ضحكت وقالت
غريبة… كريم بيبعت فلوس من السعودية، وبرضه عايشين زي الشحاتين.
ندى قالت برجاء
بلاش قدام عمر.
هبة زعقت
يمكن لو كنتي نافعة، مكانش ده حالكم.
وبعدين بصت لعمر وقالت
وبطل عياط… أبوك بيشتغل ليل نهار عشان أمك الفاشلة.
عمر سألها بصوت بريء
هو بابا هيرجع؟
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت
لأ… الرجالة زي أبوك مبترجعش لست بقت حمل عليها.
في اللحظة دي…
وقعت الشنطة من إيدي.
واتفتحت.
واتناثرت العربيات والكتب والديناصور على الأرض.
الصوت خلا الكل يلف.
هبة بصتلي…
وشها اصفر.
كريم؟
ندى لفت ببطء.
الطبق وقع من إيدها واتكسر.
وعمر بصلي.
مجرش عليا.
وده كان أكتر حاجة كسرتني.
كان باصصلي كأنه مش متأكد إن انا كنت ممكن ارجع فعلا
نزلت على ركبتي.
قلت له
أيوه يا بطل… أنا بابا.
قرب خطوة…
وبعدين جري وارتمى في حضني.
بس الصوت اللي طلع منه…
مكنش صوت فرحة.
كان صوت راحة.
صوت طفل استحمل فوق طاقته.
حضنته بقوة.
وبصيت لندى.
كانت بتعيط في صمت.
وقالت
أنا آسفة.
استغربت.
آسفة على إيه؟
قالت وهي بتترعش
إني معرفتش أحميه أكتر من كده.
وفي اللحظة دي…
غضبي بقى هادي.
وده أخطر نوع

وفجأة…
دخلت أمي.
لابسة شيك.
وماسكة كاس عصير.
أول ما شافتني…
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
وساد صمت مرعب.
وأختي حاولت تبرر بسرعة
يا كريم… الموضوع مش زي ما أنت فاهم.
رفعت عمر بين إيديا.
وبصيت لها.
وقلت بهدوء
بجد؟
وقفت كلمة بجد؟ معلقة في الهوا، كل حرف منها وزنه طن من الغضب اللي كان بيتخزن خمس سنين، وكل ثانية صمت كانت بتزيد النار جوايا. أمينة وقفت مكانها، لون وشها تحول من الأحمر الفاتح اللي كان من الفرح المزيف لبياض شاحب، ويدها اللي كانت ماسكة الكاس بقت بتترعش لدرجة إنها مش قادرة ترفعها. هبة كانت بتلف وتدور بعينها، بتدور على أي مخرج، أي كذبة تانية تستر اللي انكشف، بس عيونها كانت بتقول إنها عارفة إن الكلام ده مش هيمشي عليا تاني.
شلت عمر أكتر بين إيديا، وحسيت جسمه الصغير بيترعش، وريحته كانت ريحة صابون بسيط وجهد، وكل شوية بيلمس وجهي بيده الصغيرة كأنه بيتأكد إني مش هروح تاني. قربت من ندى اللي كانت لسه قاعدة على الأرض، عيونها مليانة دموع مفيش صوت بيعيط منها، ومديت إيدي أساعدها تقوم. لما مسكت إيدها حسيت بعظامها بارزة، وبحرارة جسمها اللي كانت منخفضة أوي، وكل لمسة كانت بتذكرني بكل لحظة إني كنت بعيد ومش عارف.
قولت لها بصوت هادي بس قوي قومي يا ندى. ولا تقلقي من حاجة تانية. أنا جيت، ومش هسمح لحد يضيكم تاني أبدًا.
قامت ببطء، ومسحت دموعها بكم هدومها القديم، وبصت لامي وهبة بنظرة مش خايفة، بس نظرة إنسانة استحملت كل حاجة ومش فارق معاها أي حاجة تضيفها. في اللحظة دي بدأت تسمع أصوات من جوه الفيلا، ضيوف اللي سمعوا الصوت والصمت، وبدأت تطلع رؤوسهم من الباب، بعضهم مستغرب، وبعضهم عارف ومستحي، وبعضهم كان واقف بيشوف كأنه مسلسل على التلفزيون.
امي حاولت تستر نفسها، رفعت راسها وقالت بصوت حاولت ترفعه عشان يبقى مسموع يا ولدي.. أنا كنت عايزة أقولك، بس.. بس كنت خايفة تقلق وتتعب في شغلك.. الموضوع مش زي ما بتبدو عليه.. الفلوس كانت.. كانت بحفظها ليك، والبيت كان بيحتاج مصاريف، وهبة كانت بتدرس، و..
قاطعتها من غير ما أرفع صوتي، لأن الغضب اللي بيعلو صوته غضب ضعيف، والغضب اللي هادي ده اللي بيخلي الحق يطلع كله أمي.. خمس سنين. كل شهر 1800 دولار. حسبها معايا كده. خمس سنين بيعادل ستين شهر. ستين ضرب 1800 يساوي مائة وثمانية وعشرين ألف دولار. غير الفلوس اللي كنت ببعتها في الأعياد، واللي قلتلك خصصها للمدرسة والهدوم والدكتور. مجموعهم أكتر من مائة وخمسين ألف دولار. ده غير تمن الفيلا نفسها اللي دفعته قبل ما أسافر، وتمن الفرش والتكييف والعربية اللي جبتها من بره.
سكت شوية، وبصت حولي على الفيلا اللي كانت مليانة أكل وناس وفرح، وبعدين بصيت ورا على المكان اللي كانوا عايشين فيه، وقالت وين الفلوس دي؟ ده مش بيت محتاج مصاريف، ده قصر مبني على جوع ابني ومراتي. هبة بتدرس؟ بتدرس إيه يخليها تلبس دهب وفستان بألف جنيه وابني بياكل بواقي من الزبالة؟ قوليلي وين راحت كل قرش دفعته بعرق جبيني ودموع عيوني وأنا نايم على أرضية شقة مشتركة وباكل رز بارد عشان أوفر لكم كل قرش؟
هبة تدخلت بسرعة، وصوتها كان عالي ومش عارفة ترد أنت بتتهمنا يا كريم؟ إحنا خدنا بالنا من البيت! لو مكناش عملنا كده كان البيت ضاع! وندى هي اللي كانت فاشلة، مش عارفة تدير حاجة، مش عارفة تطلب منك، كانت بتقولك كل حاجة تمام عشان ما تقلقش! إحنا اللي كنا نصرف عليها من جيبنا أحيانًا!
ضحكت بصوت خفيف، ضحكة مليانة مرارة وقلة حيلة، وقالت تصرفوا عليها من جيبكم؟ وين كان تصرفكم ده؟ في إنكم تحبسوها ورا الفيلا؟ في إنكم تمنعوها تكلمني؟ في إنكم تقولوا لابني إن أبوه مش هيرجع؟ يا هبة.. أنا كنت كل شهر ببعت الفلوس وأقول لك وأقول لأمي خلي بالكم من عمر، خلي بالكم من ندى، ومرة واحدة سألتني أنا محتاجة حاجة؟ ولا مرة قلتلي كويسين؟ كل مرة كانت الأعذار جاهزة، كل مرة كانت بتقولوا لي اطمن، وأنا كنت أطمن وأنا ميت من القلق.
بصيت لامي اللي كانت بدأت تعيط عشان تحاول تغير المسار، وقالت أمي.. أنا وثقت فيك. وثقت إنك أمي، وإنك أم أبني، وإنك هتحافظ على أهل بيتي زي ما بتحافظي عليا. وثقت وكنت فاكر إن الدم أغلى من أي حاجة، بس طلعت الفلوس كانت أغلى من كل حاجة عندكم. قوليلي الحقيقة دلوقتي.. وين راحت الفلوس؟ ومش هقول لحد حاجة قدام الضيوف، بس قوليلي الحقيقة بيني وبينك.
سكتت أمي، ومش عارفة ترد، وبدأت الضيوف يتكلموا بين بعض، وبعضهم بدأ يعتذر ويخرج، لما شافوا إن الحقيقة بتطلع ومش عايزين يتدخلوا في مشاكل عيلة تانية. لما شافت أمي إن مفيش فايدة من الكذب، نزلت دموعها بجد هذه المرة، وقالت بصوت مكسور يا ولدي.. أنا.. أنا كنت خايفة عليك من الحياة.. كنت فاكر إن الفلوس دي هتضيع لو خليتها مع ندى.. و.. وهبة كانت عايزة تعمل مشروع، واشترينا شقة تانية، والفيلا كنا بنكمل فرشها عشان لما ترجع تفرح، و.. وندى كانت.. كانت مش عايزة تخدم، ومش عايزة تتعامل مع الناس، فقولنا نخليها في المكان
قاطعتها بصوت قوي أوي لدرجة إن الحيطان سمعته أكل؟ بواقي أكل الضيوف ده اللي بتسميه أكل؟ تخليها تخدم إيه؟ هي مراتي وسيدة بيتي، مش خادمة عندكم! واشتريتوا شقة تانية؟ ومشروع هبة؟ وفرش الفيلا؟ كل ده باسم مين؟ باسمي؟ ولا باسمكم؟ أنا دفعت تمن كل حاجة، ولما جيت لقيت نفسي غريب في بيتي، واهلي سرقوا تعبي وسنيني! وأنتِ يا أمي.. تعرفي إن عمر مريض؟ تعرفي إن جسمه ضعيف ومش بيلحق يلعب زي الأطفال بتوع عمره؟ تعرفي إن ندى كانت بتعالج من كآبة منعزلة ومحدش كان بيعطيلها فلوس للدكتور؟
ندى بصتلي بصدمة، وقالت كنت عارف؟
رديت عليها بسرعة كنت حاسس. كنت كل مرة أكلمك بحس صوتك بيتغير، بس كنت أصدق الأعذار عشان كنت واثق فيهم. كنت ببعث فلوس زيادة كل مرة أحس إن في حاجة غلط، بس طلعت الفلوس بتتراكم عندهم وانتو بتعانوا. أنا آسف يا ندى.. آسف إني وثقت فيهم أكتر منك، آسف إني سبتكم لوحدكم كل السنين دي.
في اللحظة دي جاء صوت من ورا، بصيت لقيتها سيدة كبيرة كانت جارة قديمة لينا، كانت واقفة من أول وبتشوف كل حاجة، وقالت بصوت هادي يا كريم.. الحقيقة إنهم من أول شهر سافرت، منعوها تطلع، منعوها تكلمني ولا أي جارة، كانوا بياخدوا الفلوس كلها، وبيقولوا لها إنك انت اللي قلت كده، وإنك مش عايزها تضايقك، وإنك هتجيلها لما تخلص شغلك. مرة جيت أجيب لها أكل ودواء لما كانت سخنة، وهبة طردتني وقالت لي ماليش دعوة. وعمر كان بيجي من ورا الحيطة ياخد مني شوية بسكوت ويرجع خايف تيتة تشوفه. كنت عايزة أكلمك بس مكنش معايا رقمك، وامي كانت بتقول إنك مش عايز تتكلم في حاجة.
الكلام ده كان زي السكين اللي بيدخل في الجرح، وبصيت لامي وهبة وقلت سمعتوا؟ الجارة الغريبة كانت أرحم بكم منكم. الجارة الغريبة كانت بتحاول تساعد وأهل الدم كانوا بيضروا. دلوقتي.. قوليلي ليهم كلهم يخرجوا من بيتي. كلهم. والفلوس اللي سحبتوها، والشقة، والمشروع، وكل حاجة باسمكم سجلتوها بفلوسي.. كلها هترجع لي. وإن مش رجعتها بسرعة، هروح القضاء وأثبت كل حاجة، وكل ورقة تحويل عندي، وكل صورة حسابات، وكل دليل. مش هخلي حق يضيع، ولا هسامح في درهم واحد.
امي حاولت تقرب مني وتحضني يا ولدي.. إحنا أهلك.. دمي من دمك.. مش هتعمل كده بينا وبينك؟ الناس هتقول إيه؟
دفعتها برفق بس بتصميم الناس تقول اللي تقوله. اللي يهمي دلوقتي بيتي ومراتي وابني. اللي عملتوه مش غلطة بسيطة، ده خيانة عمرها خمس سنين، ده جوع طفل وآلام ستة، ده خيانة ثقة ومشاعر وتعب سنين. أنا مش هكرهكم، بس مش هسامحكم بسهولة، ومش هخليكم تضروا حد من عيلتي تاني أبدًا.
شلت عمر اللي نام في حضني من التعب والدموع، ومسكت إيد ندى، وقولت لها تعالي معايا. من النهاردة مفيش حاجة هتفرق بينا تاني. هنعوض كل يوم فات، وكل لحظة عانيتوها، وهنجعل كل حاجة أحسن من الأول.
طلعنا من ورا الفيلا، ومشينا قدام البوابة، والضيوف كانوا بيشوفونا باحترام أو خجل، ومحدش قدر يقول كلمة. وصلنا للتاكسي، وطلبت من السائق يروح لفندق نظيف في مكان بعيد، لأن مش عايز ندى ولا عمر يرجعوا يقعدوا في مكان فيه ذكرى ألم. في الطريق بصيت لندى اللي كانت بتبص للشارع بعين مليانة أمل وخوف، وقولت لها اطمني.. كل حاجة هتكون تمام. الدنيا لسه بخير، وأنا جيت عشان أكون معاكم.
هي بصتلي وقالت بصوت خافت كنت فاكرك نسيتنا. كنت كل يوم أقول لعمر بابا جاي، وكل يوم بيعدي وأقول لنفسي يمكن السفر طويل، يمكن حصل له حاجة، بس كنت مستحملة عشان خاطره. وشكرًا يا كريم.. شكرًا إنك جيت.
عندما وصلنا للفندق، طلبت غرفة كبيرة، وطلبت أكل كتير من كل نوع عشان عمر يأكل ما يشتهي، وجبت لندى ملابس جديدة من أقرب محل، وطلبت دكتور ييجي يكشف عليهم الاتنين. الدكتور جاء وكتب لهم فيتامينات ومقويات، وقال إن الحالة بتتحسن بالتغذية السليمة والراحة النفسية.
بعد ما أكل عمر ونام، جلست أنا وندى على الشرفة، وقالت لي كل حاجة بالتفصيل كيف كانت أول ما سافرت وامي بدأت تغير المعاملة، وكيف منعتها تطلع، وكيف كانت بتقول لها إنك انت اللي قلت كده، وكيف كانت بتعطيهم فلوس قليلة جدًا مش تكفي لشيء، وكيف كانت هبة تضايقها وتقول لها إنك هتتجوز واحدة تانية وتنساهم، وكيف كانت بتخاف تقول لحد عشان خافت تضيع الأمل في رجوعي. كل كلمة كانت بتقطع قلبي، وكل ما كانت تقول كلمة كنت أحس بالذنب إني سبتها لوحدها وثقت في الغير.
في اليوم التاني، بدأت أتحرك. رحت البنك وجبت كل كشوفات الحسابات والتحويلات، ورحت لمحامي صديق قديم لي، وشرحت له كل الحكاية، وقال لي إن الحق معايا وإن كل حاجة هترجع لي، وإنهم هيتعرضوا لعقاب قانوني لو ما رجعوش الحق طوعًا. بعدين رحت الفيلا لقيت أمي وهبة جالسين بيبكوا وبيتوسلوا، بس أنا كنت واضح معاهم أنا مش عايز أضركم، بس الحق لازم يرجع. الشقة والمشروع والفلوس اللي معاكم، كلها هترجع لي، والفيلا هتبقى لندى وعمر ومش هتدخلوا فيها تاني. وأنا مستعد أساعدكم لو
عايزين تبدأوا من جديد، بس بشرط ما تقربوا من عيلتي ولا تضايقوهم أبدًا.
بعد محاولات كتيرة منهم، وافقوا، وبدأت الإجراءات القانونية ترجع كل حاجة لاسمي. وبعد أسبوعين، نقلنا لشقة جميلة ونظيفة في مكان هادئ، وجبت لعمر كل اللي بيتمناه، ودخلته مدرسة كويسة، وبدأت ندى تسترخي وتستعيد صحتها وابتسامتها اللي كانت اختفت سنين. كل يوم كنت أجلس معاهم، ونقضي وقت مع بعض، وكنت أعلم إن العوض بييجي مهما كان الوقت طويل، وإن الحق مهما طال الزمن بيرجع لأصحابه.
وفي يوم من الأيام، كنت جالس معاهم في الجنينة، وعمر كان بيلعب بالديناصور اللي جابته له، وندى كانت بتبص لهم بابتسامة جميلة، قالت لي الحمد لله.. رجعنا لبعض.
رديت عليها وأنا بحضنهم الحمد لله.. ولا يفرقنا شيء تاني أبدًا. مهما كان اللي حصل، الحب والحق بيرجعوا في الآخر.
وبالفعل، الحق رجع، والفرح عاد، وكل لحظة عانينا منها كانت سبب إننا نقدر قيمة بعض أكتر، ونعرف إن الأهل مش دايما الأقرب، وإن الثقة لازم تكون في المكان الصحيح، وإن مهما كان الظلم قوي، فالخير والنصر بييجي في الوقت المناسب للي صبر وانتظر.