اسرار خلف الكرفته الجزء الاول حكايات شروق خالد

في الكومباوندات المقفولة بتاعة التجمع الخامس، الحيطان هناك كانت أعلى من جوامع القاهرة، والكاميرات بتلقط حتى النفس. ومحدش هناك كان بيجيب سيرة الخوف.. كانوا بيسموها “إجراءات أمنية”، أو “خصوصية”، ويقولوا: “هو ده الطبيعي في الأماكن دي”.
بس “عبير السنتريسي” كانت عارفة كويس إن البيوت اللي زي قصر “إياد الألفي” مفيهاش أسرار بتنام.. الأسرار كانت بتتنفس ورا كل باب مقفول.
عبير بقالها تسع شهور شغالة في القصر ده.. إياد الألفي، رجل الأعمال اللي اسمه لوحده كفيل يرعب حيتان السوق. محدش كان بيجرؤ يرفع صوته قدامه، ولما كان بيدخل مكان، أكتر ناس مريشة في البلد كانوا بيوطوا راسهم احترماً.. أو خوفاً.
بالنسبة لباقي الشغالين في القصر، عبير كانت مجرد “البنت الجديدة”، اللي جاية من الأرياف، هادية، مابتتسمعش، يدوب بتلمع الإزاز، وتقدم القهوة من غير ما تدلق نقطة واحدة، وعمرها ما تخطي خطوة في مكان مش بتاعها.
ده اللي كانوا فاكرينه..
لأن وراء الطرحة البسيطة والجلابية الواسعة اللي بتداري بيها نفسها، عبير كانت في الأصل مراجعة حسابات شاطرة جداً في شركة كبيرة في طنطا. شغلانتها كانت تتبع الفلوس.. الفواتير المضروبة، الشركات الوهمية، والأسامي اللي بتتكرر في الحسابات من تحت لتحت.
والشطارة دي هي اللي كانت هتطير رقبتها.
عبير كشفت شبكة كبيرة قوي، فيها رجال أعمال ومسؤولين كبار بيهربوا ملايين من خلال شركات مقاولات مالهاش وجود على أرض الواقع. ولما حاولت تبلغ، أخوها الصغير اختفى تلات أيام.. رجع عايش، بس عينيه كانت مكسورة من الرعب. بعدها بيومين، شقتها ولعت باللي فيها. الرسالة كانت واضحة: لو مخرستيش، هنخرسك للأبد.
فجمعت اللي فاضل من شتاتها، وهربت على القاهرة ببطاقة مزورة واسم مستعار، وحطت لنفسها شرط واحد: متدوريش ورا حد تاني يا عبير.
بس الكلام ده كان سهل برة قصر إياد الألفي.. جوة القصر، الوضع كان تاني خالص.
يوم الخميس ده، القصر صحي على هدوء غريب يقبض القلب. الطباخين مشغلواش راديو كالعادة، والهمس كان مالي الممرات. “شريف كامل”، دراع إياد اليمين، كان بيبص في ساعته كل دقيقتين. إياد كان عنده اجتماع مهم جداً في العاصمة الإدارية مع “رأفت المغربي”، الغريم التقليدي ليه في السوق. كانوا بيقولوا إن الاجتماع عشان يعملوا تحالف وينهوا حرب تكسير العظام اللي بينهم، بس في المستوى ده من البيزنس، كلمة “تحالف” بيبقى معناها “كمين”.
عبير كانت بتغير ورد الفازات في الطابق الفوقاني، وبصت بالصدفة من الشباك على الجنينة والمدخل الرئيسي. جمب العربية الجيب المصفحة الكبيرة، كان واقف “عم توفيق”، سواق إياد الخاص. الراجل ده شغال مع عيلة الألفي بقاله 14 سنة.. هادي، مخلص، من نوعية الناس اللي عمرك ما تشوفهم مهزوزين.
بس الصبح ده، توفيق مكنش طبيعي.
كان عمال يهرش في ودنه، ويبص يمين وشمال في الشارع بترقب مريب. طلع من جيبه تليفون قديم وصغير—مش تليفونه المعروف—كتب عليه بسرعة ورجعه في جيبه كأنه بيعمل جري..مة.
عبير حطت الفازة من إيدها ببطء، وعينيها منزلتش من عليه. وفجأة، شافت اللي خلا الدم يهرب من عروقها.. توفيق رفع الجاكيت بتاعه سِنة، عشان يظبط طبنجة متدارية في ضهره من تحت. الحركة مكنتش حركة حارس بيأمن خط السير، الحركة كانت حركة واحد بيستعد يطير رقبة إياد من مسافة صفر أول ما يحط رجله في العربية.
ريق عبير نشف، والماضي الأسود رجع يطاردها في ثانية.. الس..لاح، الفلوس، والموت اللي مستني على الباب.
صوت شريف كامل طلع من تحت وهو بيزعق: “عشر دقايق والباشا ينزل.. مفيش تأخير!”
عبير مسكت الورد جامد لدرجة إن الساق اتقطعت في إيدها. لو إياد الألفي مات هنا، محدش هيحقق.. أول ناس هتتفرم وتختفي هما الشغالين، بتوع المطبخ، الجناينية، والشغالات. وهي بالذات، ببطاقتها المزورة واسمها المستعار، هتبقى أسهل واحدة تترمي عليها التهمة أو تتصفى وتتدفن في الصحراء ومحدش يدور عليها.
بعد كام دقيقة، عبير دخلت أوضة النوم الرئيسية وهي شايلة قميص مكوي ومتحضر. إياد كان واقف قدام المراية الكبيرة، لابس البدلة، وبيتخانق مع كرافتة كحلي مش عارف يظبطها.. كان عنده جرح قديم وعملية في معصم إيده اليمين مخلية حركته تقيلة شوية.
من غير ما يلتفت لها، قال بصوت رخيم ويخوف: “انتي.. تعالي اظبطي البتاعة دي.”
عبير قربت، إيديها كانت بترتعش.. رعشة خفيفة محدش يلاحظها، بس إياد لمحها في المراية.
بص لعينها وقال: “أنا بخوفك؟”
ردت وهي بتبلع ريقها: “أنت بتخوف حتى وأنت بتقول صباح الخير يا إياد بيه.”
ضحك ضحكة مكتومة وجافة: “شاطرة.. وعشان كده خليكي في حالك، السكوت هنا ليه سنان بتعض.”
عبير قربت أكتر، رفعت ياقة القميص، وبدأت تظبط عقدة الكرافتة.. ولما بقا وشها قبال وشه بالظبط، همست بصوت واطي جداً ونبرة مرعوبة بس ثابتة:
“متركبش العربية دي يا بيه.. عم توفيق معاه طبنجة مطلعهاش من مخزن الس..لاح، وعمال يبعت رسايل من تليفون تاني مستخبي.. ده هيصفيك أول ما تفتح باب العربية.”
إياد مبربش حتى.. عينيه فضلت حادة وزي الصقر، ومثبتة على عينها في المراية.
وقال بنبرة هادية تخوف أكتر من الزعيق: “توفيق شغال مع أبويا الله يرحمه بقاله 14 سنة.”
ردت عليه وهي بتشد الكرافتة بالراحة: “وعشان كده بالذات هما اشتروه.. عشان مفيش شك هيروح ناحيته.”
الجو في الأوضة بقى خناق، الأكسجين قل. إياد سحب شنطة مستنداته وبص لها بصه أخيرة ورايحة وجاية: “لو طلعتي بتتبلي عليه يا عبير.. جثتك مش هتلاقي اللي يلمها.”
قالت بصدق طالع من قلب الرعب: “مش بتبلى.. حياتي وحياتك واقفين على النزلة دي.”
سابها وخرج من الأوضة من غير ولا كلمة زيادة.
عبير جريت على الشباك اللي بيطل على المدخل، قلبها كان بيدق زي طبول الحرب. شافت إياد وهو نازل على السلم الخارجي، ووراه شريف دراعه اليمين واتنين حراس عمالقة.
توفيق لمحه، جري بسرعة وفتح الباب الوراني للعربية المصفحة بابتسامة صفرا مرسومة على وشه.
إياد قرب.. وقف خطوة واحدة قبل باب العربية. وتوفيق عينه زاغت للطبنجة اللي في ضهره.
فجأة، إياد حط إيده في جيبه، وقال بمنتهى البرود: “توفيق.. وريني إيدك الاتنين كدة واطلع برة دايرة الباب.”
وش توفيق قلب ألوان، والدم هرب من وشه، وبدأ يتلعثم: “في إيه يا إياد بيه؟ أنا…”
وقبل ما يمد إيده ورا ضهره، شريف كامل لمح الحركة، وبسرعة فهد، هجم عليه، لبطه في العربية، وكتفه.. وخلال ثواني كانت الطبنجة المتدارية في إيد شريف.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الس..لاح..
شريف سحب التليفون الصغير اللي كان في جيب توفيق بالعافية، وشاشة التليفون كانت لسه منورة على أخر رسالة مبعوتة للجهة المجهولة: “الباشا نازل يركب حالا”.. والرد اللي جاله وصعق الكل كان:
“لو الخطة باظت.. صفي البنت الشغالة كمان عشان هي اللي كشفتنا.”

حكايات شروق خالد

شريف لما قرا الرسالة، وشه اتخطف وبص لإياد بذهول: “إياد بيه.. هما عارفين إن في حد جوه البيت كشفهم! الرسالة لسه واصلة حالا!”
إياد ملامحه اتقلبت لكتلة من الثلج، عينيه اسودت وهو بيبص لتوفيق اللي كان مرمي على الأرض وكل جسمه بيرتعش. إياد قرب منه وبطراف جزمتة رفع راس توفيق لفوق وقال بنبرة تطلع الروح: “مين اللي مشغلك يا توفيق؟ ومين البنت اللي بيتكلموا عليها؟”
توفيق وهو بينهج ودموعه نازلة من الرعب: “والله ما أعرف يا باشا! هما كلموني وقالوا لي لو الخطة اتكشفت يبقى البنت الجديدة هي اللي لقطتك.. قالوا لي إنها مش شغالة، دي من طرف ناس قدام عايزين يصفوا حساباتهم معاك!”
في اللحظة دي، إياد مأستناش.. لف وشه وبص لفوق، لشبابيك الدور الثاني.
فوق عند الشباك، عبير كانت واقفة، رجليها مش شايلاها. لما شافت شريف بيمسك التليفون وبيبصوا لفوق، عرفت إن اللعبة اتكشفت.. بس المرادي، رقبتها هي اللي مطلوبة. الماضي اللي هربت منه في طنطا جه لحد عندها في التجمع، والظاهر إن شبكة المقاولات الفاسدة وصلت لإياد الألفي.. أو إياد هو راس الأفعى الكبيرة وهي دخلت جحرها برجليها!
“شريف!” صوت إياد هز الجنينة: “هات توفيق وادخلوه المخزن تحت.. ومحدش يعرف باللي حصل بره البيت ده. والكلب (رأفت المغربي) افتكر إني صيد سهل.. الميعاد بتاع العاصمة الإدارية قايم، بس إحنا اللي هنغير قواعد اللعبة.”
التفت لإثنين من الحراس: “اطلعوا هاتوا البنت اللي اسمها عبير.. من غير شوشرة.”
عبير مأستنتش الحراس يطلعوا.. جرت على المطبخ، قلعت الطرحة ورمت المريلة، وسحبت شنطتها الصغيرة اللي مخبياها ورا الثلاجة.. الشنطة اللي فيها بطاقتها الحقيقية، والملفات اللي نسختها على فلاشة قبل ما تهرب من طنطا. كانت عايزة تهرب من باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة الخلفية، بس أول ما فتحت الباب.. لقت حارس واقف بالطول والعرض.
“على فين يا شاطرة؟ الباشا عايزك.”
بعد خمس دقايق.. عبير كانت واقفة في صالون القصر الكبير. المكان كان واسع ومرعب، وإياد الألفي كان قاعد على الكرسي الجلد، شريف واقف جنبه، والطبنجة والتليفون الصغير محطوطين على الترابيزة الإزاز اللي بينهم.
إياد كان بيمرر صوابعه على الجرح اللي في معصمه، وعينيه مثبتة على عبير زي الصقر اللي بيحدد فريسته.
“عبير.. أو أقول يا دكتورة؟” إياد قالها بصوت هادي يقطع النفس. “توفيق بيقول إن الناس اللي مشغلينه حذروه منك.. وقالوا إنك مش مجرد شغالة. قوليلي بقى.. أنتي تبع رأفت المغربي؟ هو اللي زقك عليا عشان تكشفي رجلي وتصفيني؟”
عبير أخدت نفس طويل، الرعب جواها وصل لأخره، والكمين بقا حواليها من كل حتة. بس في اللحظة دي، ذكائها كمراجعة حسابات هو اللي حركها. لو خافت.. هتموت.
قربت خطوة، وبمنتهى الثبات بصت في عينيه: “لو أنا تبع رأفت المغربي يا إياد بيه، كنت سبتكتركب العربية وتطير في الجو.. كنت كسبت من موتك ملايين. أنا لو عايزة أصفيك، مكنتش أنقذت حياتك من دقيقتين!”
شريف اتدخل بعصبية: “أمال مين اللي باعت الرسالة دي يا بت؟ ومين اللي يعرف إنك كشفتي توفيق؟”
عبير بصت لشريف، وبعدين بصت للتليفون اللي على الترابيزة، وفجأة لقطت حاجة خلت عينيها تتوسع.. السيريال نمبر بتاع التليفون، والبرنامج المشفر اللي مبعوت منه الرسالة.. هي شافت النظام ده قبل كده.. في حسابات الشركات الوهمية في طنطا!
“الرسالة دي متبعتتش من بره البيت يا إياد بيه،” عبير قالتها والكل مذهول. “البرنامج ده نظام تشفير داخلي.. الشبكة دي مربوطة بأجهزة جوه الكومباوند ده.. اللي بعت الرسالة لتوفيق شافني وأنا ببص عليه من الشباك، وعرف إني هطلع أقولك!”
إياد وقف فجأة، طوله وهيبته ملوا المكان: “قصدك إيه؟”
عبير شاورت بصابعها بثقة: “قصدي إن الخاين مش السواق بس.. الخاين وايرلس، وقاعد معاك في نفس الأوضة.. الخاين هو اللي عين توفيق، وهو اللي كان مستعجل ينزلك للعربية!”
عينيها جت في عين شريف كامل.. دراع إياد اليمين.. اللي وشه في ثانية اتقلب وبقت ملامحه ملامح قاتل.
شريف مأداش حد فرصة يفكر، سحب الطبنجة اللي على الترابيزة بسرعة رهيبة ووجهها لراس عبير: “ودين محمد لأقتلك يا بنت الـ…”
ولكن قبل ما صابعه يلمس الزناد.. طلقة مكتومة دوت في الصالون!
شريف صرخ صرخة مكتومة، والطبنجة وقعت من إيده وهو بيمسك كتفه اللي نزف دم بغزارة.. إياد الألفي كان سحب سلا..حه الخاص من تحت جاكيت بدلتة في جزء من الثانية، وضربه بمحرك سريع ومتقن رغم إصابة معصمه القديمة.
إياد ببرود قاتل، وجه مسد..سه لراس شريف اللي وقع على ركبه: “كنت شاكك فيك من زمان يا شريف.. بس البنت دي وفرت عليا وقت كتير.”
التفت لعبير، ونظرة الإعجاب والدهشة في عينيه كانت واضحة لأول مرة: “أنتي مش مجرد شغالة لمحت حاجة بالصدفة.. أنتي مين بالظبط؟”
عبير حطت الفلاشة اللي كانت في جيبها على الترابيزة جمب الدم اللي نازل من شريف: “أنا عبير السنتريسي.. مراجعة الحسابات اللي رأفت المغربي وشريكه شريف كامل حرقوا بيتها وخطفوا أخوها عشان كشفت غسيل الأموال بتاعهم. والظاهر يا إياد بيه.. إننا إحنا الاثنين في نفس المركب.. والناس دي عايزه تخلص مننا إحنا الاثنين الليلة دي.”
إياد بص للفلاشة، وبص لعبير، وابتسامة غامضة ومرعبة اترسمت على وشه: “تمام يا عبير.. الليلة دي كان المفروض أروح العاصمة الإدارية أمضي تنازل عن نص أملاكي.. بس بما إن شريف ورأفت لعبوها كدة.. فالليلة دي القاهرة كلها مش هتحكي غير عن اللي هنعمله في رأفت المغربي.. جهزي نفسك، شغلانتك الجديدة هتبدأ حالا.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *