“شخبطة على منديل ورق ج2 حكايات شروق خالد
من بكرة الصبح، اللعبة اتقلبت تماماً.
ندى رجعت القاهرة، بس المرة دي من غير أي انكسار. استقرت في جناح ملكي في واحد من أكبر فنادق العاصمة على النيل، وبدأت شيرين، السكرتيرة التنفيذية، تنفذ الأوامر بالحرف. خلال 48 ساعة بس، ندى كانت قاعدة في مكتبها الجديد في برج السيوفي في التجمع الخامس، مكتب يطل على القاهرة كلها، وجمعت فريق من أقوى المحامين والمستشارين الماليين في مصر.
أول ملف اتفتح على مكتبها كان ملف “شركة الشافعي للمقاولات” اللي بيملكها مروان.
المستشار المالي بصلها وقال: “يا فندم، مروان الشافعي داخل بكل سيولته ورأس ماله في مناقصة مصيرية تبع الدولة لتطوير منطقة استثمارية في العاصمة الإدارية. لو خسر المناقصة دي، أسهمه هتقع والشيكات اللي عليه للموردين هتوديه في داهية.”
ندى ابتسمت ببرود وقالت: “إحنا مش بس هندخل المناقصة دي.. إحنا هناخدها منه، وبسعر يخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه ينافس مجموعة السيوفي.. اجهزوا.”
في نفس الأسبوع، مروان كان قاعد في مكتبه في الزمالك، بيشرب سيجار ومنتشي بانتصاره ومبسوط بنجاح خطته إنه خلص من ندى بأقل الخسائر ومن غير ما يديلها حقها. فجأة، الباب اتفتح والمحامي بتاعه دخل وشه أصفر وزي الليمونة ومخطوف.
مروان بنرفزة: “في إيه يا متر؟ دخلتك مش عجباني!”
المحامي بصوت بيترعش: “مروان بيه.. المناقصة الكبيرة بتاعة العاصمة الإدارية.. خسرت!”
مروان وقف من صدمته والسيجار وقع من إيده: “أنت بتقول إيه؟! خسرت إزاي؟ أنا حاطط أقل سعر وأعلى مواصفات، ومظبط كل حاجة!”
المحامي: “فيه شركة جديدة نزلت بكل ثقلها، شركة اسمها ‘جراند للاستثمار’ تابعة لمجموعة عاصم السيوفي.. قدمت عرض مالي وفني يدرس، وكسروا سعرنا لدرجة تخلينا برة اللعبة تماماً.. ومش بس كده يا فندم.”
مروان بعصبية وصوت عالي: “مش بس كده إيه؟ انطق!”
المحامي بلع ريقه: “رئيسة مجلس إدارة شركة ‘جراند’ اللي كسبت المناقصة.. تبقى المدام.. قصدي طليقتك، ندى هانم عبد الرحمن!”
مروان حس إن السقف بيلف بيه، والدم هرب من وشه: “ندى؟! ندى مين؟ أنت اتجننت؟ ندى اللي طردتها من هنا بشنطة هدومها؟ دي متعرفش تعمل جمعية مع جيرانها، هتمسك شركة تابعة لعاصم السيوفي وتكسبني؟!”
مروان مكدبش خبر، أخد مفاتيح عربيته وطار على مقر مجموعة السيوفي في التجمع وهو مش شايف قدامه من الغل والذهول. دخل المبنى زي المجنون، وحاول أمن البرج يمنعه، بس هو زعق وقال: “أنا عايز أقابل رئيسة شركة جراند.. قسماً بالله ما هتحرك من هنا!”
بعد دقايق من الشد والجذب، الأمن جاله أمر: “سيبوه يطلع.”
مروان طلع الدور الأخير، الباب الزجاجي الكبير اتفتح، ولقى مكتب فخم جداً. كانت ندى قاعدة ورا مكتبها، لابسة بدلة رسمية سوداء شيك جداً، وفي إيدها قلم حبر غالي، ومستندة بظهرها على الكرسي بكل ثقة، وجنبها واقفة شيرين وحواليها المستشارين.
مروان دخل وهو بيلهث، وبصلها بذهول وقال: “هو إيه اللعب ده يا ندى؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ ومنين أصلاً عاصم السيوفي يشغلك عنده؟ أنتي جاية تلوّي دراعي بالشركة دي؟”
ندى بصتله بنظرة كلها استحقار وبرود، ومسكت ورق المناقصة وقالت بصوت هادي وراسي: “الزم حدودك وأنت بتتكلم معايا يا مروان الشافعي.. الكلمة دي أنت قولتهالي من كام يوم وأنا في مكتب المحامي، وأنا النهاردة بردّهالك في مكتبي.. أنتم واقف في شركة ‘جراند’ اللي بتملك 30% من أسهمها باسمي.. وأنا مش جاية ألوّي دراعك، أنا جاية أكسرها.”
مروان ضحك ضحكة هيرستيرية مخنوقة بالخوف: “تكسري مين؟ المناقصة دي مش هتهدني، أنا لسه واقف على رجلي!”
ندى سحبت ملف تاني من على المكتب، ورمته قدامه: “طب بص على الملف ده كده.. ده ملف الشيكات والمطالبات المالية اللي على شركتك للموردين والبنك الأهلي.. شركة ‘جراند’ اشترت كل الديون دي من السوق الصبح.. يعني من اللحظة دي، أنت مديون ليا أنا شخصياً بـ 150 مليون جنيه.. قدامك 48 ساعة تسدد، يا إما هحجز على شركتك.. وعلى شقة الزمالك اللي غيرت كوالينها.”
مروان رجع خطوة لورا، وبص لـ ندى كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته.. الست المطيعة الهادية اللي عاشت معاه 10 سنين اختفت، وقصاده دلوقتي غول هيبلع كل اللي بناه. وعِرف في اللحظة دي، إن المنديل الورق اللي استهزأ بذكاء مراته بسببه زمان.. بقى الكفن اللي هيدفن بيه شغله كله.
حكايات شروق خالد
مروان حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، العرق غرق وشه، وبدأ يتنفس بصعوبة وهو بيبص للملف اللي فيه ديونه. حاول يداري رعبُه وبلع ريقه وصاح بصوت مخنوق: “إنتي بتنتقمي مني يا ندى؟ بتهدي بيتي وشغلي عشان حتة ورقة طلاق؟ أنا جوزك عشر سنين!”
ندى قامت من ورا مكتبها بكل ثبات، مشيت خطوات واثقة ولفت لحد ما وقفت قصاده مباشرة، حطت إيدها في جيب الجاكيت وبصت في عينه بقسوة مكنش يتخيلها: “كنت جوزي.. وعشر سنين رميتهم أنت في دفتر طلاق وقلم حبر برخص التراب، فاكر؟ أنت اللي بدأت الحرب دي يا مروان، ويوم ما غيرت كوالين الشقة ولغيت الفيزا بتاعتي ورميتلي قرشين وقولتلي مش جاحد، كنت فاكرني هقع وأموت من الجوع.. بس أنا وقفت على رجلي، وأقوى منك.”
شيرين دخلت المكتب وقطعت الكلام وهي ماسكة تليفونها: “يا فندم، البنك المركزي لسه مطلع إخطار بحظر مؤقت على حسابات شركة الشافعي للمقاولات بناءً على طلب الحجز اللي قدمناه الصبح.”
مروان تلفونه رن في جيبه في نفس اللحظة.. كانت السكرتيرة بتاعته بتصرخ وبتقوله إن البنك رفض يصرف شيكات الموردين وإن الدائنين واقفين في صالة الشركة تحت بيطالبوا بفلوسهم. مروان قفل السكة وإيده بتبترعش، وبص لـ ندى بكسرة وقال: “عايزة إيه يا ندى؟ عايزة فلوسك؟ هديكي ديونك بس سيبلي الشركة واقفة على رجليها.. بلاش تخربي بيتي.”
ندى رجعت قعدت على كرسيها وحطت رجل على رجل وقالت بابتسامة نصر: “أنا مابخربش بيوت، أنا بسترد كرامتي اللي داست عليها.. قدامك حل من اثنين ومفيش تالت؛ يا إما بكرا الصبح تعلن إفلاسك وتدخل السجن بسبب الشيكات اللي من غير رصيد والديون اللي اشتريتها.. يا إما تمضي حالا على عقد بيع كامل لأسهم شركتك وشقة الزمالك لشركة ‘جراند للاستثمار’.. مقابل إني هسقط الديون دي عنك وهسيبلك شياكة تطلع بيها من السوق، زي ما كنت عايز تقفل الصفحة بشياكة.”
مروان لقى نفسه في خانة اليك، كل الأبواب اتقفلت في وشه، ومفيش أي مخرج. المحامي بتاعه همس في ودنه: “امضي يا مروان بيه.. كدة كدة الشركة ضاعت، لو مضيت هتطلع برة السجن، لو مأمضيتش هتتحبس بكرا الصبح.”
بإيد مرعوبة وعين مليانة دموع وندم، مسك مروان القلم اللي ندى رمتّهوله على المكتب.. نفس القلم الحبر الغالي اللي كان بيذلها بيه من كام يوم. وقع على ورق تنازل وبيع كل أملاكه وشغله وعمره للست اللي كان فاكر إنه كسرها.
أول ما مضى، ندى سحبت الورق منه وبصت للمحامين والمستشارين وقالت: “العقود تتراجع وتتوثق في الشهر العقاري حالا.” وبعدين بصت لمروان وقالتله ببرود: “برة يا مروان.. مكتبي مابيدخلوش ناس مفلسة.”
مروان خرج من البرج وهو مش شايف قدامه، حرفياً ضاع في ثواني، وقف في الشارع يبص لعربيته اللي مابقتش ملكه، وعِرف إن الدنيا لفت بيه أسرع مما يتخيل.
في نفس اللحظة، باب مكتب ندى اتفتح ودخل عاصم السيوفي وهو بيسقف وبيدق على الأرض بعصايته الشيك وابتسامة فخر على وشه: “الله عليكي يا ندى هانم.. درس قاسي في إدارة الأعمال وفي الأصول.. مروان الشافعي انتهى خلاص من السوق المصري.”
ندى اتنفست لـ أول مرة براحة من شهر، وبصت لعاصم بيه وقالت بامتنان: “الحمد لله يا فندم.. الفضل يرجع لحضرتك وللمنديل الورق اللي جمعنا.”
عاصم ضحك وقال: “المنديل ده كان مجرد فكرة.. بس عقلك هو اللي حرك الملايين. دلوقتي بقى.. اقفلي الصفحة دي تماماً، عشان من بكرة عندنا شغل بمليار جنيه في العاصمة الإدارية، ومصر كلها مستنية تشوف ‘ندى عبد الرحمن’ هتعمل إيه في سوق الاستثمار.”