حكايات مني السيد ج 2

الجزء الثالث
الاسم اللي كان مطبوع في خانة السحب… كان اسم “عادل الهواري”.
عادل الهواري! المنافس الأول لشركتي في السوق، والراجل اللي خسر قدامي الصفقة الأخيرة اللي كنت تحتفل بيها إمبارح بالليل!
إيديا كانت بتترعش وأنا ماسك الورقة. مدير البنك مد إيده وخد مني الكوباية عشان كانت هتقع من إيدي، وسأل بقلق:
— أحمد بيه… أنت كويس؟ الاسم ده يخصك؟
— الاسم ده… يخص أكبر عدو ليا في الشغل يا فندم.
الأستاذ مدحت قرب من المطبوعات، لبس نظارته وبص بتركيز، وبعدين بص لي بصة مليانة صدمة وذهول:
— عادل الهواري؟! إيه اللي جاب عادل الهواري لحسابك يا أحمد؟! الراجل ده مابيبعش ويشتري غير في الممنوع والمستورد المضروب، أنت فاهم ده معناه إيه؟
معناه إن الموضوع مش مجرد سرقة فلوس ولا غيره نسوان في البيت… الموضوع كان تلبيس ق\ضية رشوة وغسيل أموال وتجارة غير مشروعة لشركتي، ولشخصي أنا بالذات!
سألت مدير البنك بصوت مبحوح بس متماسك بالعافية:
— المبلغ ده اتسحب منه كام بالظبط يا فندم؟ ومين اللي ماضي على استلام الكاش؟
مدير البنك قلب في الصفحات بسرعة:
— المبلغ الإجمالي اللي اتأثر في الحساب ٤٥٠ ألف جنيه. اتسحب منه إمبارح الصبح ٢٠٠ ألف جنيه كاش بموجب التوكيل الرسمي اللي مدفوع باسم كريم محمود… والراجل اللي سحب هو كريم بنفسه، بس الشيك المصدق اللي اتصرف كان بإذن تحويل باسم عادل الهواري!
يعني كريم أخويا… شقيقي اللي من دمي… واخد توكيل مزور باسمي، فاتح بيه حساب، مستلم رشوة أو فلوس مشبوهة من عادل الهواري، وساحب منها ٢٠٠ ألف كاش في جيبه! وأنا هنا زي الأبلة، بشتغل ١٦ ساعة في اليوم عشان أكبّر اسم العيلة وأصرف عليهم وعلى رفاهيتهم!
خرجت من البنك وأنا حاسس إن الهوا مش داخل صدري. الأستاذ مدحت مسكني من دراعي قبل ما أركب العربية:
— أحمد… اهدى وركز. أنت دلوقتي محطوط بين فكي كمين. لو عادل الهواري بيلعب اللعبة دي، فهو أكيد مأمن نفسه وأكيد عامل حسابه يبلغ عنك في أي لحظة بتهمة كسب غير مشروع أو غسيل أموال، والأوراق كلها بصمتك وتوقيعك!
— التوكيل ده مزور يا أستاذ مدحت! أنا ما وقّعتش على حاجة!
— التزوير بياخد وقت في الطب الشرعي عشان يثبت يا أحمد! وفي الوقت ده أنت ممكن تكون محبوس احتياطي وسمعتك وشركتك يتدمروا! لازم نعرف التوكيل ده اتعمل إزاي والأهم من ده… نعرف أمك وكريم وصلوا للدرجة دي إزاي وليه!
ركبت العربية مع الأستاذ مدحت وطلعنا فوراً على مصلحة الشهر العقاري اللي صدر منه التوكيل.
طول الطريق، تلفوني مابطلش رن. الشاشة كانت بتنور باسم “أمي”.
مرة… اتنين… تلاتة. ما رديتش.
وبعدها رن تلفون الأستاذ مدحت. بص لي، وبعدين فتح السبيكر.
صوت أمي طلع من التلفون، بس المرة دي مكنش الصوت الغاضب المفتري بتاع إمبارح… كان صوت تمثيل، صوت واحدة بتبكي ومتأثرة:
— أيوة يا أستاذ مدحت… الحقني يا إبني! أحمد ابني اتجنن، خد مراتي ومشي في نص الليل بعد ما رمى الأكل على الأرض وبهدل البيت، ومابيردش على تلفوني من الصبح! أنت شفته؟ هو معاك؟
الأستاذ مدحت بص لي وهو بيهز رأسه بأسف، وقال بنبرة هادية ومحترفة:
— أيوة يا حاجّة سعاد… أحمد جالي المكتب الصبح وكان متضايق شوية من اللي حصل، وأنا بحاول أهديه.
— يهديه إيه بس يا أستاذ مدحت! دي البت مريم هي اللي شحنته ضدنا! دي عليت صوتها عليا وإحنا بنأدبها، وتقوم تعمل فينا كده؟ قوله يرجع البيت فوراً، أخوه كريم زعلان ومصطدم من طريقته!
— خير يا حاجّة… أحمد شوية ويهدى ويسلم عليكِ. أنا معاها دلوقتي بنخلص شوية أوراق شغل.
قفلت الخط، وأنا صوابعي كانت هتقطع جلد دركسيون العربية.
“بنأدبها”!
بيأدبوا واحدة شريفة، صابرة على قرفهم وعقدهم النفسية، وساكتة عشان خاطر جوزها!
وصلنا الشهر العقاري. وبفضل معارف الأستاذ مدحت ونفوذه، قدرنا ندخل لمكتب الموظف المسؤول عن الأرشيف ونطلع ملف التوكيل المزور.
الموظف جاب الملف وحطه قدامنا. الأستاذ مدحت مسك الورق، وركز في التاريخ والتوثيق.
— بص يا أحمد… التوكيل اتعمل يوم ١٢ مايو اللي فات. التوقيع فعلاً تقليد متقن جداً لتوقيعك… بس البصمة هي السر.
بصيت على المربع الصغير اللي فيه البصمة بالحيبر الأزرق:
— البصمة دي إيه؟ دي بصمتي؟
الأستاذ مدحت طلع عدسة مكبرة من جيبه وقعد يدقق في خطوط البصمة:
— البصمة دي مش بصمة صباعك الأصلي يا أحمد… دي بصمة معمول لها “فورمة” سيليكون! أو… إن حد بصم بإيدك وأنت مش في وعيك!
في اللحظة دي، طرقعت في دماغي ذكرى من تلات شهور فاتوا!
يوم ١٢ مايو… ده كان اليوم اللي جالي فيه مغص شديد جداً بعد ما شربت عصير قصب في البيت الكبير! يومها داليا مراته لكريم هي اللي عملت لي العصير وادتهولي، وبعدها بساعة حسيت بدوخة وغشاوة على عيني ونمت نوم عميق زي القتيل لمدة ١٢ ساعة متواصلة!
افتكرت لما صحيت ولقيت صباعي الكبير فيه أثر حبر أزرق خفيف جداً، ولما سألت داليا وقتا، قالت لي: “أصل القلم الجاف فرقع في إيدي وأنا بكتب التموين وأنا بسند عليك حبرت إيدك بالغلط”!
كنت غبي! كنت مغفل وساذج وبيضحك عليا في بيتي ومن ناسي!
سقاني مخدر… وبصموني وأنا نايم فاقد الوعي عشان يعملوا التوكيل الرسمي ده!
وقفت في نص مكتب الشهر العقاري وجسمي كله بيقشعر من حجم القذارة. الأستاذ مدحت مسك كتفي بقوة:
— أنت افتكرت حاجة؟
— مخدر يا أستاذ مدحت… سدوهولي في العصير وبصموني وأنا نايم زي الج\ثة!
— ولاد الإيه!… ده تخطيط عصابة مش مجرد مشاكل عيلة! كده الرؤية وضحت تماماً. كريم وداليا، وأكيد أمك بعلمهم أو بتوجيه منهم، كانوا شغالين لحساب عادل الهواري من فترة!
— بس ليه؟ ليه أمي تعمل فيا كده؟! أنا مقصر معاها في إيه؟!
— الفلوس يا أحمد… الطمع بيعمي النفوس. كريم طول عمره حاسس إنه في ظلك، وإنك أنت الناجح وهو العاطل اللي ماحيليتوش حاجة، وأمك كانت دايمًا بتفضلك عليه في السر وتديله هو العاطفة في العلن. عادل الهواري لعب على نقطة الضعف دي… واستغل غل كريم وطمع أمك عشان يدمرك من جوه بيتك!
خرجنا من الشهر العقاري، والساعة كانت بقت واحدة الضهر.
قلت للأستاذ مدحت:
— أنازم أرجع لمريم الأول… أطمن عليها وأشوف هي عاملة إيه، وبعدين هبدأ التحرك.
— هتعمل إيه يا أحمد؟ هتبلغ؟
— البلاغ دلوقتي هيخليهم يهربوا أو يخفوا الأدلة. أنا لازم أخليهم يقعوا في اللسانهم، ولازم أطلع مريم من اللعبة دي خالص عشان هي الضحية الوحيدة هنا.
رجعت الشقة. فتحت الباب بالراحة، لقيت مريم قاعدة على الكنبة في الصالة، ماسكة كوباية شاي دافي وإيديها لسه بتترعش. أول ما شافتني، قامت وقفت وجت عليا بسرعة:
— أحمد! أنت كنت فين؟ أنا صحيت ولقيتك مش موجود واتخضيت عليك أوي!
مسكت إيديها وبستهم الاتنين:
— أنا هنا يا حبيبتي… ماتخافيش. أنتِ عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة بأي ألم؟
— الحمد لله… أفضل شوية. بس أنا قلقانة عليك… وشك أصفر ومامتش من إمبارح. أحمد… أنت ناوي تعمل إيه؟
قعدتها جنب على الكنبة، وبصيت في عينيها بالراحة وقلت لها:
— مريم… أنا عرفت كل حاجة. عرفت موضوع التوكيل والمخدر والفلوس وعادل الهواري.
مريم فتحت عينها بصدمة، ودموعها نزلوا تاني:
— أنت عرفت عن عادل الهواري؟!
مسكت كتفها بتركيز:
— أنتِ كنتِ تعرفي الاسم ده يا مريم؟!
— أنا… أنا مكنتش أعر الإسم بالظبط يا أحمد… بس من شهرين، شفت كريم بيتكلم في الجنينة بالليل مع راجل غريب، وكان بياخد منه شنطة سودا ثقيلة. ولما داليا شافتن واقفة بباوع من شباك المطبخ، جت وضربتني بالقلم وقالت لي “لو نطقتي بكلمة لأحمد، هنقوله إنك بتخونيه وهنجيب ناس يشهدوا عليكِ”!
دماغي كانت هتنفجر. يهددوها بالشرف عشان تسكت!
حضنت مريم بقوة، وخليت راسها على صدري:
— حقك عليا يا مريم… حقك عليا يا أنضف وأشرف ست في الدنيا. والله العظيم لأجيب لك حقك حبة حبة، ولأخليهم يركعوا تحت رجليكي عشان يطلبوا السماح.
سيبت مريم ترتاح بعد ما أكلتها واديتها علاجها، وأمنت الشقة كويس وقبل ما أخرج، اتصلت بحارس العمارة وصيته ما يدخلش أي حد نهائياً.
نزلت وقعدت في العربية. طلعت التليفون، وفتحت الخط القديم اللي مربوط بحسابات البيت.
أول ما فتحت الخط، جاتلي أكتر من عشرين رسالة مكالمات مفقودة، ورسالة من كريم بتقول: “رد يا أحمد، أمك تعبانة ومحتاجة تروح المستشفى بسبب اللي عملته إمبارح!”.
ابتسمت بسخرية. لعبة المرض والضغط العاطفي… الحيلة القديمة!
رنيت على كريم. رد من أول جرس، وصوته كان مليان توتر وتمثيل:
— أيوة يا أحمد! أنت فين يا أخي؟ أنت سايب البيت وولع فيه ورامي أمك تعبانة في السرير ومابتسألش؟!
صوتي خرج هادي جداً، بارد زي التلج:
— أمي تعبانة؟ سلامتها. خليها ترتاح يا كريم… عشان المسرحية اللي جاية هتحتاج منها صحة كبيرة.
كريم سكت لحظة، ونبرة صوته اتغيرت للقلق:
— مسرحية إيه؟ أنت بتتكلم كده ليه؟ أنت فين ومراتك فين؟
— أنا في السكة للبيت الكبير… نازل لكم دلوقتي. جهز نفسك يا كريم… وجهز داليا… وأمي تكون قاعدة على السفرة.
— جاي تعمل إيه؟
— جاي أوزع التركة… وجاي أسلمك نصيبك من حساب بنك (…) اللي اتفتح بصفقة عادل الهواري!
سمعت صوت نفس كريم وهو بيتقطع على الناحية التانية من التليفون. الشخورة واللخبطة في كلامه كانت واضحة جداً:
— أنت… أنت بتقول إيه يا أحمد؟ حساب إيه وعادل مين؟! أنت اتجننت؟!
— لما أصل هتعرف مين اللي اتجنن ومين اللي هيتدفن في طين الرز اللي اترس على مراتي إمبارح. نص ساعة وأكون عندكم.
قفلت السكة في وشه من غير ما أدي له فرصة يرد.
اتصلت بالأستاذ مدحت:
— أستاذ مدحت… أنت جهزت القوة والأوراق؟
— كل حاجة جاهزة يا أحمد. المحضر محرر بتزوير التوكيل، والشرطة المنتدبة من الأموال العامة مستنية إشارتنا، وفريق التحريات متواجد تحت البيت الكبير من ساعة. بس أنت متأكد إنك عايز تواجهم الأول بنفسك؟
— لازم أصورهم وواجههم يا أستاذ مدحت… لازم أخليهم يقروا بعظمة لسانهم على كل حاجة، عشان القضايا تكتمل وأكسر عينهم للأبد.
شغلت عربيتي وانطلقت على البيت الكبير.
الساعة كانت تقريباً تلاتة العصر. المطر بتاع إمبارح كان جف، بس الطين في الجنينة الخلفية لسه موجود… نفس الطين اللي مريم كانت قاعدة فيه بتلم الرز.
وقفت العربية قدام الباب الرئيسي. نزلت وأنا حاسس إن كل خطوة بخطوها هي خطوة انتقام لكل لحظة ألم عاشتها مراتي، ولكل لحظة استغفال عشتها أنا.
فتحت الباب ودخلت.
البيت كان ساكت بشكل يخوف.
أمي كانت قاعدة في الصالة، وشها باهت، وكريم واقف جنبها ماسك تلفونه وبيفرك في إيديه بتوتر، وداليا مراته واقفه ورا الستارة بتتفرج.
أول ما دخلت، أمي قامت وقفت وبصت لي بخوف:
— أحمد… إيه الكلام اللي قلته لكريم في التليفون ده يا ابني؟ أنت جالك جنون ولا إيه؟
مشيت بخطوات بطيئة للصالون، قعدت على الكرسي الرئيسي، حطيت رجل على رجل، وبصيت لكريم وقلت له:
— وريني الشنطة السودا يا كريم.
كريم اتخض ورجع خطوة لورا وشه اصفر زي الورقة:
— شنطة إيه؟! أنا مش فاهم حاجة!
أمي صرخت:
— في إيه يا أحمد؟! أنت جاي تحقق معانا في بيت أبوك؟!
بصيت لأمي وقلت بصوت واطي ومخيف:
— بيت أبويا؟ ههههه… بيت أبويا ده اتقلب وكر عصابة من يوم ما سقيتوني المخدر وبصمتوني وأنا فاقد الوعي عشان تعملوا التوكيل المزور!
أمي حطت إيدها على بقها واتصدمت، وداليا خرجت من ورا الستارة وهي بتشهق!
كريم حاول يداري توتره وصرخ بعصبية:
— أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟! مخدر إيه وتوكيل إيه؟! أنت بتبلى علينا عشان خاطر مراتي العقيمة اللي طردناها إمبارح؟!
قمت وقفت دفعة واحدة، وقربت من كريم لحد ما بقى وشي في وشها. طلعت التليفون من جيبي، وفتحت التسجيل الصوتي اللي سجله الأستاذ مدحت مع مدير البنك، وشغلت الصوت في الصالة.
صوت مدير البنك رن في البيت كله:
“المبلغ الإجمالي ٤٥٠ ألف جنيه… اتسحب منه ٢٠٠ ألف كاش بموجب التوكيل المزور اللي باسم كريم محمود… والشركة الموردة للفلوس هي شركة عادل الهواري…”
الصوت كان زي القنبلة اللي اتقطعت في نص الصالة.
أمي أغمى عليها وطاحت على الكنبة، وداليا بدأت تعيط وتصرخ، أما كريم… فرجليه ما شالتهوش ووقع على ركبه قدامي في الأرض، نفس القعدة اللي كانت قاعداها مراتي إمبارح في الطين!
بصيت لكريم وهو واقع تحت رجلي وقلت له:
— ها يا كريم؟ مش كانت مريم هي اللي بتلم الرز من الطين إمبارح؟ دلوقتي جه دورك أنت وأمك… عشان تلموا القرف اللي عملتوه من تحت رجلي!
كريم مسك في بنطلوني وهو بيعيط وبيقاطع نفسه:
— سامحني يا أحمد!… والله عادل الهواري هو اللي غراني! قال لي هيعمل لي شركة باسمي ويديني ملايين لو قدرت أخد بصمتك وأفتح الحساب ده عشان يمرر منه الفلوس! والله أمي مكنتش تعرف التاصيل، هي بس كانت عايزاك تطلق مريم وتتجوز واحدة تانية تخلف لك!
بصيت له بقرف، وزقيت إيده برجلي:
— أمي مكنتش تعرف التفاصيل؟… أمي كانت بتاكل الجمبري والفراخ والرز مريم بتلمه من الطين بره! أمك هي اللي سقتني العصير المخدر بإيدها يا كريم!
في اللحظة دي، الباب الخارجي للفيلا اتفتح بقوة… ودخل الأستاذ مدحت ومعه ضابط شرطة واثنين من رجال الأموال العامة!
الضابط بص للمشهد، وبعدين بص لي وقال:
— أحمد بيه… الأوراق المرفقة في البلاغ كافية جداً.
الضابط قرب من كريم وكلبش إيده، وداليا بدأت تصرخ وتستغيث. أمي فتحت عينها وكانت بتبص لي بنظرات رجاء وتوسل، بس قلبي كان بقى حجر.
كريم وهو بيتسحب للخارج، صرخ بصوت عالي:
— أحمد! الحقني يا أحمد! عادل الهواري مش هيسيبك! عادل الهواري زارع ناس تانية في شركتك يا أحمد!!
وقفت مكاني والكلمة أخير ضربتني زي الصاعقة…
زرع ناس تانية في شركتي؟!
يتبع…
الجزء الأخير
كلمة كريم “ناس تانية في شركتك” كانت زي الرصاصة اللي استقرت في قلبي. وقفت مكاني مش قادر أتحرك، والبيت اللي كان دايماً رمز للنجاح والأمان، بقى دلوقتي بيحسسني بالاختناق. كريم أخدوه، وأمي قعدت على الكنبة بتندب حظها، وداليا بتلم هدومها وهي بتولول، وأنا كنت غرقان في أفكاري اللي مش عارف أجمعها.
بصيت للأستاذ مدحت اللي كان لسه واقف، سألته وصوتي مخنوق:
— إنت سمعت هو قال إيه؟
— سمعت يا أحمد. والموضوع طلع أكبر بكتير مما كنا متخيلين. عادل الهواري مكنش بس بيستهدف فلوسك… ده كان بيستهدف الكيان نفسه.
خرجت من الفيلا وكأنني خارج من جنازة، مش من بيتي. ركبت العربية وطلعت على الشركة بأقصى سرعة. طول الطريق، كنت براجع في دماغي كل وشوش الموظفين اللي معايا. مين فيهم ممكن يكون خاين؟ مين ممكن يكون عينه على الكرسي اللي أنا قاعد عليه؟ سكرتيرتي؟ محاسب الشركة؟ ولا مدير المخازن اللي بقاله معايا سنين؟
وصلت الشركة، وكانت الدنيا هناك مش طبيعية. أول ما دخلت، لقيت المحاسب واقف مع اتنين من الموظفين بيبصوا لي بنظرات غريبة. دخلت مكتبي، وقعدت على المكتب، وفتحت جهاز الكمبيوتر. بدأت أراجع أرقام الصفقات الأخيرة، ومراجعة حسابات “عادل الهواري”.
فجأة، لقيت رسالة على الإيميل بتاعي. مبعتة من حساب مجهول. فتحتها، لقيت فيها صور وفيديوهات لعمليات استيراد غير قانونية باسم شركتي، وفيها توقيعي… توقيعي اللي اتزور في التوكيل!
كان مكتوب في الرسالة: “دي البداية يا أحمد. لو فكرت تفتح بؤك أو تبلغ عن أي حاجة تانية، الملف ده هيروح للنيابة والضرائب فوراً. إنت غرقان لحد رقبتك، والشركة دي هتكون ثمن خيانتك.”
رميت الماوس بغضب، وصرخت بكل قوتي في المكتب. الخيالة مش بس في البيت… الخيالة وصلت لقلب شغلي!
قعدت أفكر… لازم أتصرف. رنيت على الأستاذ مدحت تاني:
— أستاذ مدحت، بعتولي رسالة تهديد على الإيميل. عادل الهواري مهددني بملفات مضروبة، وموجودة باسمي.
— احمد، اسمعني كويس. إحنا لازم نلعب اللعبة بنفس قواعدهم. لو هما زرعوا خاين في شركتك، إحنا لازم نكشفه. أنت تقدر توصل لـ “لوج” الدخول على سيرفر الشركة؟
— أيوة، طبعاً.
— طيب، راقب الدخول في الساعات المتأخرة، وشوف مين اللي بيفتح ملفات الحسابات اللي تخص صفقات عادل الهواري.
قضيت الليل كله في الشركة. كنت قاعد في الضلمة، عيني على شاشة الكمبيوتر. الساعة 3 الفجر، لقيت “يوزر” دخل على الملفات… كان يوزر “مدير الحسابات”!
قمت زي البرق، وطلعت على الدور اللي فيه مكتب المحاسبات. لقيت نور المكتب قيد، والباب موارب. قربت بالراحة… وسمعت صوت بيكلم حد في التليفون:
— أيوه يا عادل بيه… كله تمام. أحمد ما يعرفش حاجة، ومفكر إن الموضوع كله عند أهله. الملفات اللي طلبتها جهزتها، وهتترفع على السيرفر بتاعك الصبح.
قلبي كان بيدق زي الطبول. دفعت الباب بقوة ودخلت. الراجل اتخض، ووقع التليفون من إيده. بص لي بذهول:
— أ… أحمد بيه؟ إيه اللي جابك في الوقت ده؟
— اللي جابني هو اللي هيوديك في داهية يا محترم! اتصل بـ “عادل بيه” تاني، وقوله إن أحمد محمود عرف اللعبة، وإن البوليس قدام باب مكتبك دلوقتي!
الراجل حاول يهرب، بس مسكته من رقبته، وطرحته في الأرض. كنت هموت وأضربه، بس افتكرت مريم… افتكرت إن حياتي الجديدة لازم تكون أنضف من كده.
قيدت حركته، ورنيت على الأستاذ مدحت. في أقل من ساعة، كانت المباحث موجودة، والراجل ده اعترف بكل حاجة، وطلع هو اللي كان بيسرب المعلومات، وهو اللي كان بيزود ملفات التزوير عشان يدينني.
بعد أيام من التحقيقات والضغوط، تم القبض على عادل الهواري بتهمة الرشوة وتزوير الأوراق الرسمية وغسيل الأموال.
رجعت البيت… البيت اللي كان كبير وموحش. دخلت لقيت مريم قاعدة مستنياني. أول ما شافتني، جريت عليا وحضنتني.
— أحمد… إنت كويس؟
— الحمد لله يا مريم. كل حاجة انتهت.
قعدنا سوا، وحكيت لها كل اللي حصل. مريم مسكت إيدي وقالت:
— أحمد، إحنا محتاجين نبدأ من جديد. بعيد عن كل الناس دي. بعيد عن البيت ده، وعن كل الذكريات اللي توجع.
— عندك حق يا مريم. أنا بعت الشركة، وبعت البيت الكبير. هنسافر، هنبدأ حياة جديدة في مكان ماحدش يعرفنا فيه، ونبني عيلة تانية، عيلة قايمة على الحب والاحترام، مش على الطمع والغل.
بعد شهر… كنت واقف في المطار مع مريم. بصيت للبيت الكبير اللي كنت فاكر إني حققت فيه الحلم، لقيت الحلم كان كابوس، والنجاح كان وهم.
مسكت إيد مريم، ركبنا الطيارة، ومسحت كل الأرقام القديمة.
في اللحظة دي، كنت حاسس إن أخيراً، لأول مرة في حياتي… بقيت حر.
مريم بصت لي وابتسمت ابتسامة هادية:
— مستعد للبداية الجديدة؟
بصيت لها وابتسمت، وقلت لها:
— طول ما إنتِ جنبي، أنا مستعد لأي حاجة.
الطيارة طلعت في السما، وسبت ورايا كل الوجع، كل الخيانة، وكل الطين اللي اتمرمت فيه حياتي… وبدأت حياة تانية، حياة أنا اللي كاتب فصولها، وبطلها الحقيقي مش الفلوس ولا البيت الكبير، بطلها هي… مريم، الست اللي علمتني إن الحب مش بس كلمة، ده تضحية وصبر ووقوف في وش العالم عشان خاطر اللي بتحبه.
سافرت أنا ومريم، واستقرينا في بلد تانية. الشغل كان صعب في البداية، بس بدأت من الصفر، بمجهودي وبأمانتي. مريم، اللي كانت دايماً سند ليا، وقفت معايا، وبدأنا مشروع صغير، ومع الوقت، كبر المشروع وبقى شركة محترمة، مش زي اللي كانت في مصر، بس كفاية إنها جاية من شقانا وتعبنا الحلال.
ساعات كنت بفتكر أمي… بفتكر حالها في السجن، بتفتكر أيامها في البيت الكبير، وبتفتكر الندم اللي كان في عينيها آخر مرة شفتها. كنت بتمنا لها الهداية، بس قلبي كان خلاص، مابقاش فيه مكان غير لمريم ولحياتنا الجديدة.
أما كريم… فمصيره كان السجن، بس ده كان الدرس اللي كان لازم يتعلمه. الخيانة ما بتنفعش صاحبها، والفلوس اللي بتيجي بطرق غير مشروعة، بتروح وبتاخد معاها اللي جمعها.
مريم أخيراً حبلت، وجابت لي أحلى طفل في الدنيا. سميناه “محمود” على اسم أبويا، عشان يفضل دايماً فكرني بأصلي، وبإن النجاح مش في الفلوس، النجاح في إنك تمشي في طريقك وأنت واثق إنك ما دُستش على حد، وما خنتش حد.
مرت السنين، ومريم بقت شريكة حياتي بكل معنى الكلمة. علمنا ابننا الصدق، وعلمناه إن العيلة هي السند اللي بنلجأ له وقت الضيق، مش اللي بيخون ويغدر.
في كل ليلة، وأنا قاعد مع مريم وابني في بيتنا الصغير الدافي، بفتكر ليلة الرز والطين، وبحس بوجع في قلبي، بس الوجع ده هو اللي بيخليني أقدر النعمة اللي أنا فيها.
الحياة مش دايماً بتمشي زي ما إحنا عايزين، بس إحنا اللي بنحدد شكل نهايتنا. إحنا اللي بنختار… نفضل غرقانين في الطين، ولا نقوم ونغسل وشنا ونبدأ من جديد.
أنا اخترت أبدأ من جديد. اخترت أسامح (عشان أعرف أعيش)، بس ما نسيتش الدرس. اخترت مريم… اخترت الحب… اخترت الحلال.
والحكاية دي مش بس حكاية خيانة… دي حكاية راجل اكتشف إن أغلى ما عنده مش شركته ولا فلوسه، أغلى ما عنده كان الست اللي كانت صابرة معاه في عز ما كان هو أعمى عن الحقيقة.
النهاية مش دايماً بتكون سعيدة للكل، بس اللي بيختار يكمل بإنسانيته، هو اللي بيكسب في الآخر.
وأنا… كسبت كتير. كسبت مريم، كسبت ابني، وكسبت نفسي اللي ضاعت مني سنين طويلة في دوامة الشغل والبيت والعيلة اللي باعتني بأرخص ثمن.
دلوقتي، وأنا بكتب الفصل الأخير من حكايتي، بحس براحة بال، بحس إن كل اللي حصل كان لازم يحصل عشان أوصل للي أنا فيه.
يمكن الدنيا خدت مني كتير، بس رجعت لي اللي يستاهل… رجعت لي راجل جديد، أب جديد، وزوج بيعرف يقدر قيمة النعمة.
وعمر الرز ما هيترمي في الطين تاني… وعمر الخيانة ما هتلقى مكان في قلبي… ولا في بيتي.
الحياة لسه قدامنا، والبدايات الجديدة هي أحلى حاجة ممكن تحصل للإنسان.
وكل ما أبص لمريم وهي بتضحك مع ابننا، بفتكر الجملة اللي قلتها لها في المطار:
— “طول ما إنتِ جنبي، أنا مستعد لأي حاجة.”
وهي لسه جنبي… وهتفضل جنبي.
وده كل اللي يهمني.