قبل الفجر… أختي سابت عيالها قدام باب بيتي بورقة هزت حياتنا ج1 حكايات شروق خالد
قبل الفجر، لقيت سهر بنت أختي اللي عندها أربع سنين، وياسين أخوها الصغير اللي عنده سنتين، واقفين جنب دواسة الباب بتاعي. أختي ليلى كانت سايبة ورقة بتقول فيها إنها هتيجي تاخدهم لما يتموا 18 سنة. كلمت الشرطة فوراً، وبعدها كلمت الراجل اللي كان شايل الرسايل اللي تثبت إن الموضوع ده مكانش ظرف طارئ أبداً، دي كانت خطة.
كنت واقفة بجزمتي بتاعة الشغل والمفاتيح لسه في إيدي، بحاول أفهم ليه سهر كانت متلفعة في بطانية بنك خفيفة، وليه ياسين كان ماسك ديناصور بلاستيك كأنه الحبل الوحيد اللي باقيله في الدنيا. شنط الهدوم بتاعتهم كانت مصفوفة جنب الحيطة بنظام غريب، كأنها شنط مسافرين في محطة أتوبيس. سهر بصتلي وهمست: “خالتو، ماما قالت لنا إن دي هتبقى بياتة طويلة أوي.”
الورقة كانت متطبقة نصين ومحشورة تحت يد شنطة ياسين. مكانش فيها كلمة “آسفة”، ومكانش فيها رقم دكتور، ولا عنوان أوتيل، ولا حتى وعد إنها هتكلمهم. كل اللي مكتوب إنها هتاخدهم لما يتموا 18 سنة. شفايف ياسين كانت مشققة، وبامبرزه كان ناشف بزيادة كأن محدش غيره من ساعات، ولما كم قميصه اترفع، لمحت علامة زرقا خفيفة قرب دراعه.
قعدت أتصل بأختي ليلى كذا مرة ورا بعض لحد ما الموبايل سخن في إيدي، وكل مكالمة كانت بتروح للبريد الصوتي علطول. آخر مرة شفتها فيها، كانت قاعدة معايا في المطبخ وقالت لي: “أنا مشهورة إني ليلى، مش مخلوقة عشان أدوب وأختفي في دور الأمومة.” وقتها افتكرتها تعبانة، أو بتهول، أو يمكن قاسية شوية، لكن الكلام ده دلوقتي بقيت شيفاه كأنه باب كانت بتفتحه بالراحة من شهور ومحدش واخد باله.
دخلت الولاد جوة، شربتهم مية، وحطيت الورقة في كيس بلاستيك شفاف لأن في حاجة جوايا قالت لي إن الحب لوحده مش كفاية في الموقف ده. سهر كسرت بسكوتة نصين وادت الحتة الكبيرة لأخوها ياسين؛ طفلة عندها أربع سنين وبتعرف إزاي تأكل الصغير قبل ما تأكل نفسها. في اللحظة دي، الصدمة اللي كنت فيها اتقلبت لبرود أقوى من الغضب.
#حكايات_شروق_خالد
كلمت نجدة الطفل، وبعدها البوليس، وبعدين اتصلت بـ حازم. حازم ده كان مرتبط بليلى بقاله سنتين، وكان حذرني قبل كده إن الوضع في شقتها أسوأ بكتير من اللي بتبينه، وأنا وقتها كبرت دماغي ومحبتش أكون الأخت الكبيرة الرخمة اللي بتتداخل في اللي ملهاش فيه. لما رد عليا وقلت له على اللي لقيته قدام بابي، مظهرش عليه أي مفاجأة، وسألني سؤال واحد بس: “سهر معاها الشنطة الموف؟”
دورت عليها ولقيتها مستخبية تحت البطانية. كان جواها غيارين، ودوا سخونية للأطفال، وصور من شهادات ميلادهم، وظرف فيه فلوس. حازم سكت خالص، وبعدين قالي متجيبش سيرة لليلى إنك كلمتيني. قالي إنها بقالها فترة بتجهز عشان تسيب القاهرة وتروح تدرس مزيكا في معهد خاص في الجونة، وكانت بتقول للناس هناك إنها سينجل، وحرة، وملهاش أي ارتباطات عشان تعرف تسافر براحتها.
وبعدها بعتلي أول سكرين شوت. ليلى كانت بتسأله فيها: “هو الواحد ممكن يسيب عياله عند قرايبه قد إيه من غير ما الموضوع يقلب بقضية أو يسقط حق الحضانة؟” وفي رسالة تانية كانت كاتبة: “مها هتاخدهم وتستحملهم، هي دايماً بتحب تعيش دور الأخت المسؤولة الكبيرة.” قريت الجملة دي مرتين وأنا باصة لسهر وهي قاعدة على السجادة بتعلم ياسين إزاي يرص المكعبات فوق بعض من غير ما يعملوا صوت.
البوليس جه وصوروا باب الشقة والمكان برة. كاميرا العمارة جابت ليلى وهي بتحط العيال قدام الباب قبل الفجر، ورنت الجرس رنة واحدة، ومشت علطول قبل ما حد يفتح، ومن غير ما تبص وراها حتى. الأخصائية الاجتماعية قالت لي إن الولاد ممكن يفضلوا معايا كاستضافة مؤقته لقرايب الدرجة الأولى، بس حذرتني: “إياكي تواجهي أختك، ومتمضيش على أي ورقة تبعتهالك.”
التحذير ده كان في محله، لأن حازم قالي إن السكرين شوتس دي مكانتش أوحش حاجة عنده. ده كان شايل فويس نوت خلت جسمي يقشعر. قبل ما يشغله، طلب مني أقعد في حتة بعيد عن الولاد وميسمعوش حاجة. وشغله… سمعت صوت أختي وهي بتضحك في التسجيل، والجملة اللي قالتها بعد كده، حولت موضوع إنها سابت عيالها من مجرد هروب لحاجة تانية أضلم بكتير.
#حكايات_شروق_خالد
حازم حط الموبايل على وضع السماعة، وصوت ليلى خرج واضح، وهي بتضحك الضحكة اللي كنت عارفاها من وإحنا صغيرين… بس أول مرة أحس إنها تخوف.
قالت: “بص يا حازم… أنا حسبتها. لو سبتهم عند مها، هي عمرها ما هترميهم. هتعيط شوية، وتشتكي شوية، وفي الآخر هتربيهم. وهي كده كده مرتبها كويس. وأنا أبقى حرة.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت بنفس البرود:
“ولما أكبر وأكون استقريت، لو حبيت أشوفهم، أرجع أقول كنت بمر بأزمة نفسية، وكل الناس هتصدقني.”
فضلت باصة في الأرض، وإيديا بترتعش.
مش عشان ليلى سابت عيالها…
لكن عشان كل كلمة قالتها كانت طالعة بهدوء، كأنها بتتكلم عن شنط هدوم مش عن طفلين.
الأخصائية الاجتماعية طلبت من حازم يبعت التسجيل للنيابة فورًا، وقالت إن التسجيل ده بيثبت إن اللي حصل ماكانش تصرف لحظي ولا انهيار عصبي… ده كان ترتيب مسبق.
بعد ساعتين، الشرطة قدرت تحدد مكان عربية أوبر وصلت ليلى لمحطة أتوبيسات.
لكنها ما كانتش هناك.
كانت اشترت التذكرة باسم غير اسمها، وسابت الموبايل القديم كله في صندوق أمانات بالمحطة.
كأنها كانت بتحاول تمحي أي أثر.
في نفس الليلة، وأنا بحاول أنيم سهر، سألتني بصوت واطي:
“خالتو… أنا عملت حاجة زعلت ماما؟”
حسيت إن قلبي اتكسر.
حضنتها وقلت:
“لأ يا حبيبتي… إنتِ وياسين أحسن طفلين في الدنيا.”
قالت وهي بتفرك عينها:
“طب ليه مشت؟”
ماعرفتش أرد.
فضلت أربت على شعرها لحد ما نامت، بينما دموعي كانت بتنزل في صمت.
تاني يوم الصبح، النيابة استدعتني.
سلمتهم الورقة، وصور الكاميرات، والرسائل، والفويس نوت.
وأثناء التحقيق، الموظفة اللي كانت بتراجع حسابات ليلى البنكية طلبت الإذن تعرض كشف التحويلات.
بعد دقائق، رفعت رأسها وقالت:
“الغريب إن قبل ما تسيب الأطفال بثلاثة أيام… باعت كل عفش الشقة تقريبًا.”
كل حاجة.
السرير.
التليفزيون.
الأجهزة.
حتى سرير ياسين الصغير.
وسحبت كل الفلوس من حسابها.
يعني القرار كان متاخد من فترة.
وأثناء مراجعة البريد الإلكتروني، ظهر عقد إلكتروني باسمها.
قبول نهائي في معهد موسيقي خاص.
وميعاد بدء الدراسة بعد أربعة أيام فقط.
لكن اللي شد انتباه المحقق أكتر…
إن خانة الحالة الاجتماعية كانت مكتوب فيها:
“غير متزوجة.”
وخانة الأطفال…
“لا يوجد.”
المحقق بص لي وقال بهدوء:
“واضح إنها ما كانتش بتهرب من مسؤولية يوم ولا أسبوع… كانت بتحاول تبدأ حياة جديدة، كأن الطفلين دول عمرهم ما اتولدوا.”
خرجت من النيابة وأنا حاسة إن كل خطوة تقيلة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني قدام البيت.
لقيت عربية فاخرة واقفة.
ونزل منها راجل كبير في السن، لابس بدلة شيك.
أول ما شاف سهر، دموعه نزلت.
وسألني:
“هما بخير؟”
بصيتله باستغراب.
قلت:
“حضرتك مين؟”
طلع بطاقة شخصية، وقال بصوت مكسور:
“أنا والد ياسين… وليلى عمرها ما قالتلي إنها كانت حامل أصلاً.”
في اللحظة دي، حسيت إن القصة اللي كنت فاكرة إني عرفت كل تفاصيلها… لسه كانت مخبية أسرار أخطر بكتير.
حكايات شروق خالد