“حين طردوا والديّ من بيتهما… انكشف السر الذي أخفته العائلة لعقود” ج3 حكايات شروق خالد
الكلمة دي نزلت على كريمة كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليها.
قالت وهي بتبص للصورة:
— “ابنه؟! يعني جدي كان عنده ابن غير بابا؟”
عم جلال قرب من الصورة، وإيده بترتعش.
بصلها دقيقة كاملة.
وبعدين همس:
— “أنا… أنا عمري ما شفت الصورة دي.”
الضابط فتح الصندوق الخشبي بحرص.
كان جواه رسايل متربطة بشريط أزرق قديم.
أول جواب كان مؤرخ من سنة 1988.
صفاء بدأت تقرأ بصوت مسموع:
“يا سليم… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أصلح اللي عملته. ظلمتك يوم صدقت كلام الناس، وسيبتك تمشي من البيت وأنت عندك سبعتاشر سنة. لكن مهما حصل… هتفضل ابني.”
ساد الصمت.
كريمة بصت لأبوها.
— “إنت كنت تعرف إن ليك أخ؟”
عم جلال هز راسه بالنفي، ودموعه نزلت.
— “أبوك… يعني جدي… عمره ما قال كلمة.”
صفاء فتحت جواب تاني.
“نقلت الأرض باسم أخوك جلال مؤقتًا، مش عشان أحبه أكتر… لكن عشان كنت خايف عليك. الناس اللي بتجري ورا الأرض دي هتق*تلك لو عرفت إنها من حقك.”
الضابط رفع عينه بسرعة.
— “يبقى الأرض أصلًا كانت تخص سليم؟”
صفاء هزت رأسها.
— “وده يفسر ليه حد بيدور عليها من كل السنين دي.”
في اللحظة دي، رن تليفون الضابط.
رد بسرعة.
وفجأة وقف مستقيم.
— “إيه؟! إمتى؟”
قفل المكالمة، وبص للجميع.
قال:
— “فيه حد سلّم نفسه من نص ساعة.”
كريمة سألت بلهفة:
— “مين؟”
رد:
— “مدحت.”
استغربوا.
الضابط كمل:
— “قال إنه عايز يدلي باعتراف كامل، وإنه يعرف مكان سليم.”
انتقلوا فورًا للقسم.
مدحت كان قاعد في غرفة التحقيق، ووشه كله آثار ضرب.
أول ما شاف كريمة، قال:
— “أنا خلاص تعبت.”
القاضي المكلّف بالتحقيق سأله:
— “قول اللي عندك.”
مدحت أخد نفس طويل.
وقال:
— “سليم هو اللي كلّف عادل يراقب بيت عم جلال من سنة كاملة.”
كريمة شهقت.
مدحت كمل:
— “ولما عرفوا إن المفتاح لسه مع عم جلال، بدأوا يضغطوا عليا. كانوا عارفين إني مديون، وهددوني يق*تلوا كريمة لو ما نفذتش أوامرهم.”
سكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل التحقيق:
— “لكن… سليم ماكانش بيدور على الأرض.”
الضابط سأله:
— “أمال كان بيدور على إيه؟”
مدحت بص لكريمة.
وقال بصوت واطي:
— “كان بيدور على بنت.”
كريمة عقدت حواجبها.
— “بنت مين؟”
رد مدحت:
— “بنت أخوه جلال… اللي جدها كتب في آخر جواب إنها الوريثة الحقيقية لكل حاجة.”
الغرفة كلها سكتت.
ومدحت أكمل وهو بيبص في الأرض:
— “يعني… هو بيدور عليكي إنتِ يا كريمة.”
حكايات شروق خالد
كريمة حست إن قلبها وقف.
بصت لمدحت، وقالت بصوت خارج بالعافية:
— “بيدور عليا أنا؟ ليه؟”
مدحت مسح الدم اللي على شفته وقال:
— “لأنك آخر شخص يقدر يثبت الحقيقة.”
الضابط قرب منه.
— “اتكلم بوضوح.”
مدحت هز رأسه وقال:
— “من أسبوعين، عادل خدني لمزرعة قديمة برة القاهرة. هناك شفت سليم لأول مرة.”
“كان راجل في أواخر الستينات، لكن حضوره يخوف. أول ما دخلت، رمى قدامي صورة كريمة وهي داخلة المستشفى، وصورة تانية لعم جلال وهو راجع من الجامع.”
كريمة شهقت:
— “كانوا بيراقبونا؟”
— “من شهور… يمكن من سنين.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
— “سليم قال لعادل بالحرف: (البنت دي لازم تيجي بإرادتها. لو ماتت، كل اللي تعبت عشانه هيروح.)”
الضابط عقد حاجبيه.
— “يعني هو مش عايز يق*تلها.”
مدحت قال:
— “لا… كان عايزها توقع على ورق.”
صفاء، اللي كانت ساكتة طول الوقت، رفعت رأسها فجأة.
— “ورق إيه؟”
مدحت رد:
— “ماعرفش… لكنه قال إن توقيعها هي الوحيد اللي هيخلي كل حاجة ترجع له.”
عم جلال ضرب بإيده على الترابيزة.
— “أنا مش فاهم حاجة!”
صفاء فتحت آخر جواب من الصندوق الخشبي.
كان مختلف عن الباقي.
الورقة كانت أقدم، والحبر باهت.
بدأت تقرأ:
“إذا وصل الخطاب ده لحفيدتي كريمة، فاعرفي إن الحقيقة اتأخرت سنين. سليم ابني، لكنه تنازل بإيده عن نصيبه في الميراث سنة 1989، مقابل مبلغ من المال، والعقد محفوظ عند الأستاذ مراد الشاذلي. ولو رجع يومًا يطالب بالأرض، يبقى عارف إنه بيطالب بحاجة باعها بإرادته.”
كل الموجودين اتجمدوا.
صفاء أعادت قراءة السطر الأخير.
ثم قالت:
— “يبقى سليم عارف إنه ماعندوش حق.”
الضابط قال:
— “أمال ليه بيعمل كل ده؟”
صفاء ردت وهي بتقلب الورقة.
— “استنوا…”
كان فيه سطر صغير مكتوب أسفل الصفحة.
“إلا إذا اختفى العقد.”
ساد صمت ثقيل.
كريمة همست:
— “يعني… العقد مش موجود؟”
صفاء رفعت عينيها.
وقالت:
— “لو العقد الأصلي اختفى… هيبقى فيه نزاع كبير، وساعتها ممكن يحاول يثبت حقه بأي وسيلة.”
في اللحظة دي، دخل أحد أفراد الشرطة مسرعًا.
قال:
— “يا فندم… الأستاذ مراد الشاذلي اتعرض لمحاولة اعتداء النهارده.”
الضابط وقف بسرعة.
— “هو عايش؟”
— “أيوه… لكنه قبل ما يدخل العمليات قال جملة واحدة.”
كريمة قربت منه.
— “قال إيه؟”
رد العسكري:
— “قال… العقد لسه موجود… لكنه مش في المكتب.”
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا كان مع الأستاذ مراد.
على الظرف كان مكتوب بخط واضح:
“لا يُفتح إلا بواسطة كريمة جلال.”
حكايات شروق خالد