شفرة الوجع ج1 حكايات شروق خالد

رائحة حرق الجلد ملأت المطبخ قبل ما أحس بالألم الفعلي. «كريم» كان مثبت إيدي بعنف فوق عين البوتاجاز المولعة بهدوء مرعب، باصص في وشي كأن شريحة اللحم اللي استوت زيادة عن اللزوم تبرر التعذيب ده. بصق في وشي بزمجرة: “يمكن الوجع يعلمك الأدب والطاعة اللي عجزت أعلمهالك بالاحترام”.

اترميت على بلاط المطبخ في ثانية أول ما سابني، انكمشت على نفسي وأنا قفشة في إيدي اللي بدأت تفقاقع والدموع مغمية عيني من كتر العذاب. العشا اللي باظ اترمى واتبهدل على الأرض، بس محدش في البيت ده كان فارق معاه الوجع اللي أنا فيه.

«إلهام» حماتي خطت فوق جسمي ببرود وهي رايحة تعيد ملء كاسها، من غير ما تبصلي حتى بقلة أصل. سخرت وهي بتقول: “دايماً بتموت في الدراما وبتعمل من الحبة قبة”، في نفس اللحظة اللي «شاكر» حماي مسك ريموت التلفزيون وعلا الصوت على الآخر عشان يغلوش على صرخاتي المكتومة تحت صوت نشرة الأخبار.

#حكايات_شروق_خالد

بقالي سنتين كاملين، وكريم مخلي حياتي عبارة عن رحلة مرار بين الخوف، والكدمات، والسكوت المفروض عليا. كان متحكم في كل جنيه يدخل البيت، وفي كل قرار، وقافل في وشي كل طريق للهروب، وكان فاكر إنه بكده محى الست اللي كنت عليها زمان قبل ما أتجوزه.

بس اللي نسيه وفات عليه، إني أنا المهندسة اللي بنيت نظام المحاسبة والسيستم اللي شركته كلها في التجمع الخامس قايمة عليه وتعتمد عليه في ملايينها. بعد آخر مرة حبسني فيها جوه مخزن المطبخ ومنع عني الأكل، دخلت على السيستم وبهدوء أضفت حماية برمجية مخفية هو وعمره ما يلاحظوها.

بينما كريم كان فاكرني بنهار وبحاول أتسحب على الأرض عشان أوصل لأي حاجة تهدي نار الحرق اللي في إيدي، انزلقت إيدي التانية السليمة تحت رخامة المطبخ بحركة حافظاها صم.

#حكايات_شروق_خالد

زرار واحد مخفي متثبت تحت الرخامة شغل الكاميرات المخفية اللي في زوايا السقف. ضغطة تانية رفعت كل اللقطات فوراً لملف تخزين سحابي محمي. ضغطة ثالثة نقلت البث الحي، وموقع الشقة بالظبط، وشهور كاملة من الأدلة والتقارير الطبية المسجلة مباشرة لتليفون المقدم «أحمد رأفت» في قسم الشرطة.

المؤشر الأزرق الصغير في الكاميرا بربش مرة واحدة.

في اللحظة دي، كريم شدني من شعري بقسوة وجبر وشي يترفع لفوق وهو بيجعّر فيا: “قولي أنا آسفة وحرمت! وبعدين غوري نظفي القرف ده واطبخيلي غيره من أول وجديد”.

لمحت ساعة الحيطة بلحظة خاطفة.

المقدم أحمد كان واعدني إنهم هيرصوا تحت العمارة في خلال خمس دقائق بالظبط من أول ما الإشارة توصله. كريم ابتسم بثقة وفرحة وهو فاكر إنه كسر عيني وروحي وأخيراً ركعني، مكنش يعرف ولا حاسس إن كل ثانية من جبروته وقسوته بتتسجل لايف وبتتحول لدليل جنائي هيدمره.

وفجأة، صوت السارينة زلزل الشارع، وباب الشقة الخارجي مخدش ثواني وكان بيتكسر تحت ضربات رجالة المباحث اللي دخلوا المطبخ وسلاحهم في إيديهم. كريم اتجمد وإيده لسه في شعري، وشاكر وإلهام كاساتهم وقعت من إيديهم وصوت التلفزيون اشتغل في الفراغ. عرف كريم في ثانية واحدة وهو بيتشد ويتكلبش برعب، إنه مكنش بيعتدي على زوجة عاجزة وملهاش أهل، ده كان بيسلم نفسه ورقبته لحبل المشنقة وهو مش داري.

 

#حكايات_شروق_خالد

 

المقدم أحمد رأفت دخل المطبخ بخطوات سريعة وعينه بتطق شرار، زق كريم بعنف لورا وهو بيؤمر رجالته: “كتفوه وهاتوه ورايا!” كريم وشه بقا أصفر زي الليمونة، وبدأ يتلعثم ويهرتل بكلام مش مفهوم: “يا فندم في إيه؟ دي مراتي وبأدبها! أنتوا دخلتوا هنا إزاي؟”

المقدم أحمد مبصش في وشه أصلاً، وطى عليا بكل احترم ومد إيده وسندني وقومني من على البلاط الساقع، وبص لإيدي اللي كانت محروقة والفقاقيع بدأت تملى الجلد، وشاور لعسكري معاه وقال له: “اطلب الإسعاف فوراً، وجهزوا تقرير طبي عاجل بالحالة من مستشفى التجمع.”

في اللحظة دي، شاكر وإلهام جريوا على الصالة وهم بيصرخوا: “أنتوا بتعملوا إيه في بيت مستشار؟ إزاي تتهجموا علينا بالشكل ده؟ احنا هنوديكم في داهية!”

المقدم أحمد لف ليهم وبص لهم بنظرة باردة تخوف، وطلع تليفونه وورالهم شاشة البث الحي اللي كانت شغالة لايف، وقال بصوت زلزل الحيطان: “المستشار اللي بيستر على ابنه وهو بيحرق إيد مراته، والهانم اللي قاعدة تشرب وتتفرج بدم بارد، مكانهم الطبيعي الحبس بتهمة التستر والمشاركة في جناية تعذيب وشروع في قتل. خدوهم هما كمان على البوكس!”

كريم كان بيتشد من عساكر المباحث وهو بيصرخ ويبصلي بغل ورعب: “أنتِ عملتي فينا إيه يا فاجرة؟! السيستم.. الشركات.. أنتِ خربتي بيتنا!”

بصيت له من وسط دموعي ووجعي، ورفعت إيدي السليمة وقولت له بصوت قوي عمري ما نطقته قدامه قبل كده: “السيستم اللي أنت بتاكل منه عيش وبتتكبر بيه عليا، اتقفل خلاص يا كريم.. بضغطة زرار واحدة منك في المطبخ، حسابات شركتك كلها اتجمدت، وبلاغ النصب والتهرب الضريبي اللي كنت منزلاه على السيرفر ومستني إشارة، اتسلم للنيابة العامة مع ملف التعذيب.”

أمه بدأت تلطم على وشها وهي بتتشد من أمناء الشرطة، والكلابشات الحديد قفلت على إيد كريم وإيد أبوه وأمه، وخرجوا بيهم في وسط الشارع والفضائح، والجيران كلهم واقفين بيتفرجوا عليهم وهم بينزلوا في بوكس الشرطة بقمة ذلهم.

المسعفين وصلوا وأخدوني في عربية الإسعاف، وطول الطريق وأنا حاطة المحلول والثلج على إيدي، كنت حاسة بنار الحرق بتطفي.. مش بس نار الجلد، لأ ونار قلبي اللي انقهر سنتين كاملين.

بعد شهرين في المحاكم..

كنت واقفة في قاعة الجنايات، لافة شاش أبيض شيك على إيدي المحروقة، ولابسة بدلة رسمية تليق بيا كمهندسة ورئيسة مجلس إدارة شركتي الجديدة. كريم كان واقف ورا القفص، دقنه طولت ووشه اسود، وصدر ضده حكم بالسجن المشدد 7 سنين بتهمة التعذيب العمد والشروع في القتل، وأبوه وأمه خدوا سنتين بتهمة التستر والمشاركة في الجريمة.

القاضي نطق بالحكم، والمطرقة خبطت على التربيزة.. وفي اللحظة دي، لفيت ضهري وخرجت من القاعة وأنا ببتسم بكل ثقة. بصيت لإيدي المحروقة اللي سابت علامة مش هتروح، بس العلامة دي بقيت بشوفها كأنه وسام شرف.. وسام بيقولي إن الست اللي كريم افتكر إنه كسرها، هي نفسها الست اللي دمرت مملكته وحطت رقبته تحت حبل العدالة.

 

​شفرة الوجع

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *