البند رقم 9″ #حكايات_شروق_خالد

عشر سنين.
عشر سنين وأنا بصحى قبله ببلد، بظبّط جدول مواعيده، بجهز أكله، وبحجز سفرياته. عشر سنين وأنا حاطة أحلامي وطموحاتي على الرف “عشان هو يكبر ويثبت نفسه”.
وفي الليلة دي، وأنا بحط العشاء على السفرة، قالها بكل برود وكأنه بيطلب مني أمرر له الملاحة:
“بداية من الشهر الجاي، هنقسم كل حاجة بالنص.. خمسين خمسين. أنا مش مستعد أصرف على حد قاعد مبيعملش حاجة.”
إيدي اتجمدت في مكانها، ومعلقة الغرف فضلت متعلقة في الهواء. استنيته يبتسم أو يقول إنها نكتة سخيفة.. مابتسمش.
“أفندم؟” سألته وأنا بحاول أحافظ على هدوء وشي.
حط تليفونه على التربيزة بالراحة، وكأنه مرتب للمشهد ده ومذاكره كويس: “مفيش.. من الشهر الجاي أي مصاريف في البيت ده هتتقسم بالنص. طالما عايشة هنا يبقى تشيلي معايا.”
عيني لفت في الصالة.. البيت اللي أنا منقياه حتة حتة، الستائر اللي وقفت أفصلها بنفسي، سفرة الأكل اللي اشتريناها بالقسط زمان لما مكناش حيلتنا حاجة.
قلتله بصوت واطي: “بس أنا بشيل.. وبساهم.”
ضحك ضحكة قوية وفيها استهزاء: “بتساهمي بإيه؟ أنتِ مابتشتغليش!”
الكلمة دي ذبحتني.. “مابتشتغليش!”
وكأن تربية عيالنا ملهاش قيمة، وكأن دفع الفواتير ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في البيت ملوش لازمة، وكأن تمريضي لأمه الله يرحمها في تعبها مكنش مساهمة، وكأن وقوفي في ضهره في كل حفلة وشغل ومناسبة تخص شركته ملوش تمن.

#حكايات_شروق_خالد
فكرته بصوت مخنوق: “أنا سبت شغلي بطلب منك أنت.. عشان البيت.”
رد عليا ببرود أشد: “قلتلك ده الأفضل للعيلة.. بلاش دراما بقى.”
بلاش دراما!
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا مكسورتش.. دي اتحولت تماماً.
لأن الغشاوة اللي كانت على عيني لسنوات انزاحت وفهمت كل حاجة. الموضوع مكنش مفاجئ، ده كان متخطط له بالورقة والقلم.
الأسبوع ده بالذات كان غريب؛ كان بيرجع متأخر، بيبتسم للتليفون، وبقى يهتم بمظهره ولبسه زيادة عن اللزوم. أنا مقلتش حاجة.. كنت براقب بس.
وفي ليلة، ساب لابتوبه مفتوح في المكتب. مكنتش بالتجسس، بس الشاشة كانت منورة ولفتت انتباهي. فتحت الشاشة ولقيت شيت إكسيل (جدول بيانات) مكتوب فيه اسمي في أول عمود: “المصاريف اللي (ندى) هتتحملها”.
إيجار البيت، الفواتير، مصاريف الأكل، التأمين الصحي.. المجموع كان رقم فلكي ومستحيل بالنسبة لواحدة بقالها عشر سنين برة سوق العمل. وتحت الجدول ملحوظة مكتوبة بخط صغير: “لو مقدرتش تدفع.. يبقى تطلع برة.”
برة؟
فضلت باصة للكلمة وأنا مش مصدقة. وفجأة لمحت علامة تبويب تانية في نفس الملف مكتوب عليها: “الميزانية الجديدة”.
فتحتها.. ولقيت اسم ست ثانية خالص فوق.. مش اسمي.
نفس الشقة، نفس تفاصيل الحياة، بس مع حد تاني!
نفسي اتكتم.. الموضوع مكنش عدل ولا تقسيم مصاريف، دي كانت “استراتيجية خروج” متقفلها صح.. عشان يخلص مني.
بعدها بكام ساعة، كنا قاعدين في الأوضة، وبص لي بنظرة باردة وقال: “أنا محتاج شريكة تشيل معايا، مش عبء عليا.”
بصيت في عينيه مباشرة: “وأنا من إمتى بقيت عبء؟”
مردش عليا رد واضح، قال بس: “أنا عايز حد من مستوايا.”
من مستوايا!
سكت تماماً وافتكرت من عشر سنين لما كنت بكسب أكتر منه ومكنش ساعتها فيه مشكلة في “المستويات”. م جادلتش، وهزيت راسي بس وقلتله: “تمام.. موافقة.”
برق عينيه باستغراب: “موافقة؟”
“آه طبعاً.. خلينا نقسم كل حاجة بالنص.”
لأول مرة ليلتها أشوفه بيتردد: “أنتِ بتتكلمي جد؟”
ابتسمت بثقة: “جداً.. بس طالما هنقسم كل حاجة بالنص، يبقى كل حاجة فعلاً. البيت، الاستثمارات، الحسابات اللي في البنك، والشركة اللي أنت عملتها.. واللي أنا مضيت لك فيها ضامن في البنك من غير ما أطلب منك ولا سهم.”
ملامحه اتغيرت في ثانية.. وظهرت في عينيه لمعة خوف.
لأنه في زحمة تخطيطه نسى تفصيلة مهمة جداً.. نسى إن على مدار عشر سنين، أنا اللي كنت بدير كل ورق البيت ده، وعارفة مكان كل عقد، وكل تحويل، وكل إمضاء.
وكان فيه ورق مهم جداً مضى عليه زمان، لما كان لسه بيقولي “أنتِ أفضل قرار أخدته في حياتي”.. بند قانوني كتبناه سوا في بداية مشروع الشركة كنوع من الأمان لينا.
البند ده بيقول إن لو الأصول اتقسمت بالنص في أي وقت.. الشركة كلها هتحول لمسار تاني خالص مش هيعجبه أبداً.
هو نام الليلة دي مرتاح وفاكر إنه كسب الجولة.
أنا منمتش.. قمت بالراحة فتحت خزنة المكتب وسحبت المجلد الأزرق اللي ملمستوش من سنين. فتحت الأوراق، وقريت البند ده تاني.. ولأول مرة من عشر سنين.. ابتسمت من قلبي.
لأنه لو عايز يقسم كل حاجة بالنص فعلاً.. فهو على وشك إنه يخسر كل حاجة تملكها إيديه.

#حكايات_شروق_خالد

## الجزء الثاني والأخير
فتحت المجلد الأزرق، الحبر الأسود للبند المنسي كان بيلمع تحت إضاءة أباجورة المكتب الخافتة. البند “رقم 9” في عقد شراكة التأسيس الأولى، العقد اللي اتعمل قبل ما يدخل مستثمرين تانين ويغيروا شكل الشركة. البند ده كان بينص صراحة: **”في حال طلب أحد الطرفين تصفية الحصص أو تقسيم الأصول العينية والنقدية مناصفة، يحق للطرف الثاني (ندى) تفعيل خيار شراء حصة الطرف الأول بالقيمة الاسمية الأولى، أو نقل ملكية الأصول العقارية للشركة باسمها كتعويض عن فترة الضمان البنكي.”**
هو نسى.. نسى تماماً إن “البرستيج” والمستوى اللي هو فيه دلوقتي مبني على إمضائي وضمانتي الشخصية بملكي القديم (ورث أبويا) اللي حطيته رهن للبنك عشان ياخد أول قرض يكبر بيه شركته.
سحبت المجلد، وصورت كل ورقة فيه بالموبايل، وبعت النسخ للمحامي بتاعي.. المحامي القديم اللي هو فاكر إننا اقطعنا علاقتنا بيه. كتبتله رسالة واحدة: **”جاهزين نفعّل البند 9.. القض00ية هتبدأ الصبح.”**
### الصدمة الأولى
تاني يوم الصبح، صحيت قبل الميعاد. مجهزتش فطار، محطيتش اللبس اللي هيحضر بيه اجتماع مجلس الإدارة على السرير زي كل يوم. قعدت على السفرة وحطيت رجلي على رجل وبشرب قهوتي بكل هدوء.
نزل من الأوضة، باصص في ساعته وبيتأفف:
* “فين الفطار واللبس يا ندى؟ أنا متأخر وعندي اجتماع مهم جداً مع الشركاء الجداد.”
بصيت له وابتسمت نفس الابتسامة بتاعت بالليل:
* “الفطار؟ النص بالنص يا حبيبي.. كل واحد يعمل فطاره بنفسه. واللبس في الدولاب، تقدر تطلعه. مش أنا مبعملش حاجة وقاعدة عبء عليك؟”
ملامحه اتغيرت، وبان عليه الضيق:
* “إحنا هنبدأ شغل عيال؟ أنا بتكلم عن المصاريف!”
* “وأنا بتكلم عن الخدمات.. مفيش حاجة ببلاش بعد النهاردة. عموماً، متتأخرش على اجتماعك، عشان المحامي بتاعي زمانه ميعاده مع المحامي بتاعك دلوقتي في الشركة.”
برق عينيه، والشنطة كادت تقع من إيده:
* “محامي؟ محامي إيه؟ أنتِ اتجننتي؟”
* “أبدًا.. مش أنت عايز تقسم كل حاجة بالنص؟ أنا وفرت عليك المجهود، وبعتله ورق “الشركة” وطلب رسمي بفض الشراكة وتقسيم الأصول بناءً على بند الأمان القديم. وبما إن أصول الشركة مدمجة مع القرض اللي أنا ضامناه بملكي.. فالموضوع مش هيبقى مجرد جدول إكسيل زي اللي أنت عامله.”
### انهيار الخطة
تليفونه رن في نفس اللحظة.. كان المستشار القانوني لشركته. رد وهو إيده بترتعش:
* “أيوة يا متر.. في إيه؟”
المستشار على الناحية التانية كان صوته عالي ومذعور، لدرجة إني سمعت الكلمات: “يا فندم، مدام ندى قدمت طلب حجز تحفظي على حسابات الشركة بناءً على عقد الضمان القديم وبند التقسيم! الشركاء الجداد لو عرفوا بالنزاع القضائي ده، هيسحبوا تمويلهم فوراً والشركة هتنهار!”
قفل السكة، وبصلي ونظرة البرود والثقة اللي كانت في عينيه بالليل اتحولت لرعب حقيقي:
* “أنتِ عايزة تخربي بيتنا؟ عايزة تضيعي شقا سنيني؟”
وقفت بكل ثبات، قربت منه وقالتله بصوت قاسي ومسموع:
* “شقا سنينك أنت؟ ولا شقا عمري أنا اللي ضاع في خدمتك وخدمة أهلك وبيتك؟ أنت اللي بدأت.. أنت اللي حطيت اسمي في جدول وكتبت تحته ‘تطلع برة’. الست اللي أنت مرتب حياتك الجديدة معاها على الميزانية الجديدة، خلّيها تنفعك وتدفع معاك النص، بس من النهاردة.. الشقة دي بتاعتي، والشركة نصها ليا قانوناً، والنص التاني محجوز عليه للبنك.”
### نهاية اللعبة
مفيش دراما.. مفيش عياط وصريخ. الموضوع خلص بالورقة والقلم، زي ما هو كان مخطط بالظبط، بس السيناريو اتكتب بإيدي أنا.
اضطر يمضي على تنازل عن الشقة بالكامل، مع تسوية مالية ضخمة تضمنلي وتضمن لولادي حياة كريمة، في مقابل إني أتنازل عن القض00ية ومرفعش الحجز عن الشركة عشان “بريستيجو” ومستواه قدام الشركاء الجداد وميتبهدلش في السوق.
وهو خارج من باب الشقة بشنطة هدومه، بصل الخاتم اللي في إيده وبصلي وقال بنبرة مكسورة:
* “مكنتش أعرف إنك قاسية كده يا ندى.”
ضحكت من قلبي وقلتله:
* “أنا مش قاسية.. أنا بس اتعلمت منك إزاي أكون ‘شريكة من مستواك’.. وبما إننا قسمنا كل حاجة بالنص، فأنت أخدت ‘غرورك’.. وأنا أخدت ‘حياتي’.”
قَفلت الباب وراه، وبصيت للصالة الواسعة.. البيت رجع هادي، والستائر اللي فصلتها بإيدي كانت بتتحرك مع الهوا، بس المرة دي، النفس اللي دخل صدري كان طعمه حرية.

البند رقم 9″
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *