*فاتورة الغرور وثمن الاختيار** ج2 حكايات شروق خالد
مرت شهور، وجاء الشتاء الحقيقي ببرده القارس على بيوت مصر.
لكن في شقتنا الصغيرة، كان الدفء مختلفاً هذا العام. لأول مرة منذ سنوات، لم يضطر محمود للنزول في وردية الفجر الإضافية في عز المطر والبرد، بل كان يجلس بجانبي على الأريكة، وبيديه كوبان من السحلب الساخن، بينما ليلى تجري في الصالة بكوتشي جديد يضيء مع كل خطوة تخطوها، وجاكيت ثقيل يحمي جسدها الصغير.
قاطعت هذا الدفء رنة هاتف محمود.
نظر للشاشة، ثم نظر إليّ بحيرة وقال: “ده تامر أخوكي”.
أشرت له بأن يفتح الخط على مكبر الصوت. جاءنا صوت تامر، لكنه لم يكن صوته الجهوري المتغطرس الذي كان يكتب به على جروب العيلة، بل كان صوتاً مكسوراً، فيه نبرة غريبة من التوسل:
— “أيوة يا محمود.. معلش بكلمك في وقت متأخر.. بس كنت عايزك تكلم سارة”.
أخذت الهاتف من محمود وقلت ببرود: “سارة معاك يا تامر.. خير؟”
ساد صمت طويل على الخط قبل أن ينطق:
— “سارة.. أبوكي تعب فجأة ونقلناه المستشفى.. محتاج عملية قسطرة ودعامتين في القلب فوراً.. والمستشفى الاستثماري طالبين مبلغ كبير كاش تحت الحساب عشان يدخل العمليات”.
لم يهتز فيّ عرق، ولم تتسارع دقات قلبي كما كان يحدث في الماضي. سألته بنفس النبرة الباردة:
— “وأنت فين يا تامر؟ مش أنت صاحب البيت العمران والوضع المستقر والمرتب؟ فين فلوسك؟”
تنهد تامر بقلة حيلة وقال:
— “أنا لسه شاري عربية جديدة بالقسط، والمدام بتجدد عفش البيت.. والسيولة اللي معايا متكفيش ربع المبلغ.. وأمي قاعدة على الأرض في المستشفى بتعيط وتقول ماليش غير سارة.. سارة هي اللي كانت بتشيلنا دايماً وتنقذنا في الأزمات”.
ابتسمت ابتسامة مريرة تمنيت لو يراها عبر الهاتف، وقلت له كلماتي الأخيرة:
— “قول لأمي إن سارة ماتت من يوم عيد ميلاد بنتها.. الفلوس اللي كانت بتنقذكم دي كانت بتقتطع من لحم بنتي وجوزي.. ومن النهارده، فلوس سارة مخصصة لعيلتها وبس.. روح بيع عربيتك الجديدة أو عفش بيتك المستقر وأنقذ أبوك.. زي ما محمود كان هيموت من البرد عشان يسدد عجز بيتنا وأنتم بتتفسحوا بفلوسنا”.
قبل أن ينطق بكلمة، أغلقت الخط، ودخلت على قائمة الحظر، وحظرته هو وأمي وأبويا وكل من كان في ذلك الجروب اللعين.
التفتُّ لمحمود، وجدته ينظر إليّ بنظرة فخر لم أرها في عينيه من قبل. أخذ الهاتف من يدي، ورماه جانباً، ثم جذبني إليه هو وليلى التي ارتمت في حضننا وهي تضحك ببراءة.
لقد حاولوا لسنوات إفهامي أن البر بالوالدين يعني سحق نفسي وعيلتي ليعيشوا هم في رغد، لكنني فهمت أخيراً أن من لا يرى ابنتي وعيلتي جزءاً أصيلاً ومحترماً من حياته، لا يستحق حتى أن يرى وجهي.
انتهت تلك الأغنية القديمة الحزينة، وبدأت في بيتي أغنية جديدة، نكتب حروفها أنا ومحمود وليلى.. وبس.
حكايات شروق خالد
مرت سنتان كاملتان على تلك الليلة. سنتان لم أسمع فيهما صوت أحد منهم، ولم تصلني سوى أصداء بعيدة من قريباتي اللاتي لم أحظرهن بعد.
علمت أن تامر اضطر بالفعل لبيع سيارته الجديدة ليسدد تكاليف عملية أبي، وأن حياتهم “المستقرة المرتبة” اهتزت بشدة عندما غاب الدعم الأسبوعي الذي كان يتدفق في صمت. لم يشعر أحد منهم بالذنب تجاهي، بل صنفوني في مجالسهم كـ “البنت العاقة التي باعت أهلها من أجل زوجها”. لكن تلك الكلمات لم تعد تلامسني، فقد كانت تقع خارج أسوار عالمي الجديد.
في ظهيرة يوم جمعة مشمس، كنت أقف في مطبخ شقتنا الجديدة الأوسع، أعد طعام الغداء. كان محمود يراجع مع ليلى دروسها في الصالة، وصوت ضحكاتهما يملأ المكان.
فجأة، رن جرس الباب.
ذهبت لأفتح، وظننت أنه عامل الدليفري أو أحد الجيران. لكن عندما فتحت الباب، تيبست في مكاني.
كانت أمي واقفة أمام عتبة الباب.
لم تكن تلك المرأة القوية المتسلطة التي عرفتها طوال حياتي. كانت تبدو أكبر بعشر سنوات، ترتدي عباءة سوداء بسيطة، وتتحامل على عصا خشبية، وعيناها مليئتان بانكسار لم أره فيهما قط.
نظرت إليّ لثوانٍ، تحركت شفتيها لكن الصوت لم يخرج، ثم نزلت دمعة حارة على خدها المجعد وقالت بصوت مرتعش:
— “سارة.. يا بنتي”.
في الماضي، كان هذا المنظر كفيلاً بأن يرميني تحت قدميها باكية، طالبة الرضا والصفح، ومستعدة لبيع كل ما أملك لأراها مبتسمة. لكنني اليوم وقفت مكاني، جسدي لم يتحرك، وقلبي كان ينبض بانتظام شديد، كأنني أنظر إلى غريبة تطلب حسنة.
خرج محمود على صوت الباب، وعندما رأى أمي، تراجع خطوة إلى الخلف مفسحاً لي القرار بالكامل، دون أن ينطق بكلمة تضايقها أو تضغط عليّ.
قالت أمي وهي تنظر إلى الأرض بخزي:
— “أبوكي تعيشي أنتِ يا سارة.. مات من أسبوعين”.
شعرت بوخزة خفيفة في صدري، وخزة احترمت فيها الموت وجلاله، لكنها لم تكن حرقة الفقد. سألتها بهدوء:
— “البقاء لله يا أمي.. ربنا يرحمه. وتامر فين؟”
انفجرت أمي في البكاء، وقالت بنبرة مليئة بالقهر:
— “تامر طردني يا بنتي.. بعد ما أبوكي مات، المدام بتاعته قالت ماليش قعاد معاهم في الشقة، وتامر قفل في وشي الباب وقال لي روحي للي كانت بتدفعلك وتتمنظر بفلوسها عليكِ.. أنا ماليش حد يا سارة، والزمن دار عليا وكسرني، وملقتش باب أخبط عليه غير بابك.. سامحيني يا بنتي، أنا عارفة إننا ظلمناكي وظلمنا بنتك”.
نظرت إليها طويلًا، ورأيت في عينيها حقيقة الدنيا؛ كيف أن الغدر لا يأتي إلا من الذين فضلوهم علينا، وكيف أن العدل الإلهي لا يخطئ طريقه أبداً.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وفتحت الباب على مصراعيه وقلت لها:
— “ادخلي يا أمي.. البيت بيتك”.
أنا لم أسامحها على كسرة قلب ابنتي في عيد ميلادها، ولم أنسَ الأيام التي جاع فيها بيتي ليعيشوا هم في رغد. لكنني أدخلتها لأنني “سارة”، البنت التي تربت على الأصول، ولأن ابنتي ليلى يجب أن تتربى في بيت يعرف معنى الرحمة، حتى مع من لا يستحقها.
دخلت أمي، وجلست في زاوية الصالة وهي تبكي بحرارة وتمسك يد ليلى وتقبلها وتطلب منها السماح، بينما كانت ليلى تنظر إليها ببراءة وعطف.
التفتُّ لمحمود في المطبخ، فابتسم لي وهز رأسه بالموافقة، واحتضن كتفي وقال: “أنتِ بـ مية راجل يا سارة”.
أمي ستعيش معنا، سنطعمها ونرعاها في كبرها، لكنها لن تملك يوماً مفتاح قلبي مجدداً، ولن تكون لها سلطة على حياتي. الفارق بين الماضي والحاضر، أنني في الماضي كنت أدفع مالي ودمي لأشتري حبهم ورضاهم المزيف، أما اليوم، فأنا أمنحها مكاناً للعيش من باب الصدقة والرحمة والواجب الإنساني فقط.
انتهت الحكاية، وربحت عيلتي الصغيرة.. وتلك هي النتيجة الوحيدة التي تهم.
**فاتورة الغرور وثمن الاختيار**
ج2
حكايات شروق خالد