سيده حديديه الجزء الثاني والاخير حكايات شروق خالد

انتقل المشهد إلى قصر “عثمان الشناوي” في قلب القاهرة؛ صرحٌ يمتد على مساحات شاسعة يعكس نفوذ العائلة وقوتها. في الجناح الرئيسي المحاط بأعلى درجات الرعاية الطبية، كانت “علا” تجلس على فراشها، تضم صغيرتها “فريدة” إلى صدرها، بينما يطوف حولها كبار الأطباء والممرضات الذين استدعاهم والدها خصيصاً للاعتناء بها وبالمولودة.
دخل “عثمان الشناوي” الجناح، وخطواته الثقيلة تحمل هيبة السنين. جلس بجانب ابنته، ومسح على رأسها بحنان غامر:
“ارتاحي يا قلب أبوكي.. كل اللي فات كابوس وانتهى. من النهاردة مفيش مخلوق يقدر يمس طرف جلبابك.”
**علا** (وعيناها تشعان ببرود غريب وقوة ولدت من رحم الوجع):
“أنا مش هرتاح يا أبويا قبل ما أشوفهم بيتحرقوا بنار عمايلهم.. حازم وأمه وعشيقته افتكروا إني صيد سهل.. أنا عايزة حقي وحق بنتي اللي اتخطفت من حضني وهي لسه منزلتش دم النفاس.”
**عثمان** (يبتسم ابتسامة غامضة وواثقة):
“حقك بيجهز على نار هادية يا بنتي.. أنا مبيشغلنيش أضرب ضربة عشوائية، أنا بهد السقف كله فوق دماغ اللي يعاديني. اسمعي اللي حصل في الكواليس.”
### خلف الكواليس (تساقط أحجار الدومينو)
بينما كانت “علا” تستعيد عافيتها، كانت إمبراطورية الشناوي تدك حصون “حازم” وحلفائه دون هوادة:
1. **في شركة المقاولات (مكان عمل حازم):**
لم يأتِ الظهر حتى صدر قرار مفاجئ من مجلس الإدارة بفصل “حازم” طرداً تعسفياً مع حرمانه من كافة مستحقاته، بل وتم فتح ملفات العهدة الخاصة به ليتضح وجود عجز مالي وتلاعب جرى تضخيمه عمداً من قِبل محاسبي الشناوي، لتتحول القض//ية إلى “اختلاس وأمانة”.
2. **شقة الزوجية وعقد الإيجار:**
صاحب العقار الذي كان يقطنه حازم وعلا—والذي اتضح أنه يدين بالولاء لعائلة الشناوي—قام بطرد أمتعة الحاجة “صفية” إلى الشارع، وأغلق الشقة بالشمع الأحمر بناءً على دعوى قضائية عاجلة بـ “إساءة استخدام العين المؤجرة”.
3. **في النيابة العامة (ليلة سوداء):**
جلس “حازم” و”ميرفت” والحاجة “صفية” في غرف التحقيق، والكلابشات الحديدية تقيد أيديهم. انهار التزوير تماماً بعد أن اعترف الموظف المرتشي في محكمة أسوان تحت الضغط، وأقر بأن حازم هو من دفع له الرشوة لتزوير توقيع “علا”.
### المواجهة في زنزانة الحجز
رفضت “علا” أن تظل متفرجة. بعد مرور أسبوعين، واستعادتها لكامل صحتها، ارتدت طقماً أسود فاخراً ينم عن ثراء فاحش، ونظارات شمسية أدارت الرؤوس في ممر النيابة. طلبت مواجهة “حازم” وجهاً لوجه في مكتب وكيل النيابة وبحضور والدها ومحاميها.
دَخل “حازم”.. كان شاحباً، ذقنه نابتة، وملابسه الشيك تملأها الأوساخ، وعيناه مكسورتان تماماً. عندما رأى “علا” تقف بكامل كبريائها وجمالها وثقتها، سقط على ركبتيه يبكي بهستيرية.
**حازم** (يزحف نحوها والدموع تملأ وجهه):
“علا.. أرجوكي سامحيني! أنا اتميت.. ميرفت سابتني واعترفت عليا وقالت إنه تخطيطي أنا وأمي عشان نخلص منك وناخد البنت.. أمي بتموت جوة من الرطوبة والذل! أرجوكي يا علا أنا جوزك وحبيبك!”
**علا** (تتنحى جانباً بوجع ممزوج بالقرف، وتنظر إليه من الأعلى):
“جوزي؟ حبيبك؟ أنت كنت فاكرني مقطوعة من شجرة يا حازم. كنت بتعايرني بفقري اللي أنا اخترته برغبتي عشان أبعد عن نفوذ أبويا وأعيش حياة طبيعية.. تلات سنين بستحمل إهانات أمك وقسوتك، وفي الآخر تبيعني لعشيقتك وتمضيني على ورق أم بديلة؟”
رفعت “علا” يدها وأشارت للمحامي، الذي قدم لوكيل النيابة حافظة مستندات جديدة.
**المحامي**:
“بناءً على طلب موكلتي، بنقدم قض//ية خلع عاجلة، مع طلب إسقاط الولاية التعليمية والصحية للطفلة ‘فريدة حازم’ ونقلها بالكامل للأم، بالإضافة إلى دعوى تعويض بمبلغ 50 مليون جنيه عن الأضرار النفسية والجسدية.”
**حازم** (يصرخ بجنون):
“50 مليون؟ أنا معيش ملين! أنا بقيت في الشارع!”
**علا** (تخلع نظارتها الشمسية، وتنظر في عينيه بثبات مرعب):
“عارفة إنك معيش.. وعشان كده التعويض ده هيتحول لمدد سجن إضافية فوق قض//ية التزوير والخطف.. يعني يا حازم، أنت وأمك مش هتشوفوا الشمس لحد ما بنتي ‘فريدة الشناوي’ تفرش فستان فرحها بيدها.”
### اللعبة لم تنتهِ (ظهور العدو الخفي)
بينما كان حازم يُساق مجدداً إلى الحجز وهو يصرخ، التفت “عثمان الشناوي” لابنته وهمس في أذنها بجدية:
“برافو يا بنتي.. أخدتي حقك من الكلب ده وأهله.. بس فيه سر تاني لازم تعرفيه.. حازم أجبن من إنه يعمل التزوير ده في محاكم أسوان لوحده.. فيه حوت كبير في السوق هو اللي كان بيمول حازم ويسهّل له الورق ده عشان يكسر عيني بيكي ويهد مبيعات الحديد بتاعتي.”
اتسعت عينا “علا” بصدمة:
“مين يا أبويا؟”
**عثمان الشناوي** (بملامح حادة):
“السيوفي.. ‘شاكر السيوفي’.. هو اللي حرك حازم من البداية عشان يستغل نقطة ضعفي وهي أنتِ!”
لمعت عينا “علا” بشرار الانتقام، وأدركت أن معركتها مع حازم كانت مجرد تسخين، وأن الحرب الحقيقية لحماية عائلتها وثروة ابنتها بدأت الآن ضد حيتان السوق!
#حكايات_شروق_خالد

وقعت الكلمة على مسامع “علا” كالصفعة، لكنها لم تهتز. “شاكر السيوفي”.. الاسم الذي يرتعد له سوق الحديد والمقاولات في مصر، الحوت الذي طالما حاول كسر كبرياء “عثمان الشناوي” في المناقصات الكبرى، كان هو المحرك الخفي وراء عذابها وراء كل ليلة بكت فيها من قسوة حازم.
**علا** (تضم قبضتها بقوة وعيناها تلمعان بذكاء حاد):
“يعني حازم مكانش مجرد زوج خاين وجشع.. ده كان جاسوس مزروع في حياتي بأمر من السيوفي عشان يكسر ضهرك يا أبويا؟”
**عثمان الشناوي** (يهز رأسه بأسى وغضب):
“بالظبط يا بنتي.. السيوفي عرف بطريقتها الخاصة إنك بنتي اللي متخانقة معايا وعايشة بعيد، فخلى حازم يتقرب منك ويتجوزك، وكانوا بيخططوا ياخدوا البنت ويذلونا بيها ويجبروني أمضي على التنازل عن مناقصة الميناء الجديد.. بس هما مقروش حساب إنك هترفعي سماعة التليفون وتنهي الخلاف اللي بيني وبينك في ثانية واحدة.”
### في قصر السيوفي (طبخة الانتقام)
في الجانب الآخر من العاصمة، وتحديداً في مكتب “شاكر السيوفي” الفاخر، كان الوضع يغلي. كان “شاكر” يذرع المكتب جيئة وذهاباً وعلامات الغضب والتوتر تكسو وجهه، بينما يقف أمامه سكرتيره الخاص يرتجف.
**شاكر** (يصرخ ويفجر غضبه في المكتب):
“يعني إيه حازم وأمه اتمسكوا؟ الحمار بوظ الخطة كلها في ليلة واحدة! أنا قولتله يخلص من البنت (علا) براحة ويهدد الشناوي بالطفلة، مش يروح يعمل لي ليلة في المستشفى ويخلي عثمان يوصل لبنته!”
**السكرتير** (بصوت مرتعش):
“يا فندم، الوضع أسوأ من كده.. عثمان الشناوي قفل محكمة أسوان باللي فيها، وجاب قرار حجز على كل الشركات الواجهة اللي كنا بنحرك منها حازم.. والنيابة دلوقتي بتدور ورا الخيط اللي وصل لحازم، ولو انهار، هيجيب اسمنا!”
**شاكر** (بملامح قاسية كالحجر):
“حازم لازم يخرس تماماً جوة السجن.. تواصل مع رجالتنا هناك، مش عايز اسمع صوته تاني. أما عثمان الشناوي وبنته.. فاللعب معاهم دلوقتي هيبقى على المكشوف في السوق.. هحرق ليهم مخازن الحديد كلها!”
### سيدة الحديد الجديدة
مرت ثلاثة أشهر..
استعادت فيها “علا” كامل لياقتها وصحتها، وكبرت الصغيرة “فريدة” في عز جدها الشناوي. لكن “علا” لم تعد تلك الفتاة التي تكتفي بالجلوس في الجناح الملكي؛ بل فاجأت والدها في صباح أحد الأيام وهي ترتدي بدلة عمل رسمية شديدة الأناقة، وتضع شارة مجلس إدارة “مجموعة الشناوي للحديد والصلب”.
**علا** (تدخل مكتب والدها وتضع ملفاً ضخماً أمامه):
“أبويا.. أنا مش هقعد أربي فريدة وبس. أنا درست إدارة أعمال في الجامعة قبل ما أتجوز حازم، والنهاردة أنا نازلة السوق معاك. السيوفي افتكرني نقطة ضعفك.. وأنا هثبت له إني القنبلة اللي هتفجر إمبراطوريته.”
**عثمان** (ينظر إليها بفخر ودموع تلمع في عينيه):
“بنت الشناوي بجد! قوليلي.. ناوية على إيه يا سيادة المستشارة؟”
**علا** (بابتسامة ثقة مرعبة):
“السيوفي داخل بكامل سيولته في مناقصة ‘مترو الأنفاق الجديد’، ومقترض من بنوك مصرية بضمان ممتلكاته عشان يغطي التكلفة ويفوز بالمشروع. أنا سحبت كشف حسابات شركاته السرية من خلال علاقاتنا.. وإحنا هندخل المناقصة دي بسعر حرق، وهنخليه يخسرها.. لما يخسر المشروع، البنوك هتحجز على كل ممتلكاته في ليلة واحدة!”
### كسر الكبرياء (المواجهة في قاعة المؤتمرات)
في يوم إعلان نتيجة المناقصة الكبرى بوزارة النقل، كان “شاكر السيوفي” يجلس في الصفوف الأولى بكامل ثقته، حريصاً على إظهار هيبته أمام رجال الأعمال والصحافة.
وفجأة، دوت القاعة بهمسات صاخبة عندما انفتحت الأبواب ودخل “عثمان الشناوي” وبجانبه ابتنته “علا” التي كانت تخطف الأنظار بقوتها وكبريائها.
مرت “علا” من جانب “شاكر السيوفي”، وتوقفت لثانية واحدة، نظرت إليه من خلف نظارتها الشمسية، وقالت بنبرة هادئة ومسموعة:
“صباح الخير يا شاكر بيه.. جاهز لخسارة كل حاجة؟”
**شاكر** (بيبتسم بسخرية وضيق):
“أهلاً بالسنيورة.. اطلعي منها أنتِ يا شاطرة، السوق ده للرجالة والحيتان، مش للبنات اللي لسه قايمين من ليلة ولادة.”
لم ترد “علا”.. بل اكتفت بابتسامة غامضة وجلست في مقعدها.
وبعد دقائق، صعد رئيس اللجنة إلى المنصة، وتحدث في الميكروفون:
“بناءً على مراجعة العروض المالية والفنية، نعلن فوز ‘مجموعة الشناوي للحديد والمقاولات’ بمشروع خط المترو الجديد، بعد تقديمها لعرض مالي فريد ودراسة جدوى لا يمكن منافستها!”
انفجرت القاعة بالتصفيق، بينما سقط وجه “شاكر السيوفي” أرضاً، وتحول بياض عينيه إلى حمرة الدم. التفتت إليه “علا”، ورفعت سماعة هاتفها وأرسلت له رسالة نصية قصيرة وهو ينظر إليها بذهول.
فتح “شاكر” الرسالة ليجد مكتوباً فيها:
> “دي أول ضربة من الأم البديلة يا سيوفي.. والضربة الجاية هكون أنا اللي بشتري قصرك ومكاتبك من مزاد البنك المركزي علناً قدام مصر كلها. حازم كان البداية.. وأنت النهاية.”
>
وقف “شاكر” وهو يشعر بأزمة قلبية تداهمه، بينما وقفت “علا” تتلقى تهاني الوزراء ورجال الأعمال، معلنةً ولادة “سيدة الحديد الأولى” التي دمرت من أرادوا كسرها في أسوأ لحظات ضعفها.

​سيدة الحديد
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *