فاتوره الدم الجزء الثاني حكايات شروق خالد
مر شهران على وجودي في دهب. استأجرت بيتاً صغيراً يطل على الممشى السياحي مباشرة، جدرانه بيضاء بنوافذ زرقاء تفتح على زرقة البحر التي لا تنتهي. كنت أحتاج هذا المدى ليتسع مع ضيق صدري، ولتشفى جروح جسدي ببطء تحت أشعة الشمس الدافئة.
في دهب، لم أكن “ميرال صاحبة الملايين”، كنت مجرد فتاة هادئة تجلس بالساعات على الشاطئ تقرأ، أو تكتفي بمراقبة حركة الموج. غيرت رقم هاتفي، ولم أترك رقمي الجديد إلا مع الأستاذ عادل الشافعي لحالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالشغل.
وفي صباح أحد الأيام، وأنا أرتشف قهوتي على الشرفة، رن الهاتف. كان الأستاذ عادل.
* “صباح الخير يا ميرال.. أتمنى تكوني بقيتي أحسن.”
* “الحمد لله يا متر، دهب ردت فيا الروح. خير، في جديد؟”
تنهد عادل تنهيدة ثقيلة عبر الخط، وقال بنبرة جادة:
* “الحقيقة في جديد، ولازم تفتحي إيميلك دلوقتي. بعتلك تقرير مفصل. أهلك مش ناويين يسكتوا يا ميرال.”
شعرت بوخزة مألوفة في معدتي، وفتحت المحمول بسرعة لأجد المستندات المرفقة. لورا وزوجها، وبمباركة من أمي وأبويا، رفعوا دعوى قضائية ضدي. لكن الصدمة لم تكن في الدعوى نفسها، بل في مادتها؛ لقد رفعوا قض//ية “حجر” وطالبوا بفرض الحراسة على كافة أملاكي وحساباتي البنكية، مستندين إلى تقرير طبي مزور يدعي أن الحادث الأخير على الدائري تسبب لي في “ارتجاج حاد ونزيف في المخ أثّر على قواي العقلية وإدراكي”، وأن القرارات التي اتخذتها في المستشفى كانت تحت تأثير الصدمة وغياب الوعي!
ضحكت.. ضحكت بصوت عالٍ والدموع تفر من عيني. لم يكن وجعاً هذه المرة، بل كان ذهولاً من مدى الخسة التي يمكن أن يصل إليها بشر تشاركهم نفس الدم.
* “ميرال، أنتي معايا؟” سأل عادل بقلق.
* “معاك يا متر.. والتقرير المزور ده طالع منين؟”
* “من مستشفى خاص صغير في الجيزة، صاحبه يقرب لجوز لورا. هما فاكرين إنك مستخبية وضعيفة، وفاكرين إن عدم ردك الفترة اللي فاتت خوف.”
وقفت على قدمي، ونظرت إلى البحر الذي بدا هادئاً كأنما يحثني على الثبات، وقلت بنبرة حاسمة كحد السيف:
* “يبقوا لسه ميعرفوش ميرال الشافعي لما بتقلب وشها التجاري. الأستاذ عادل.. جهزلي تذكرة طيران للقاهرة بكرة الصبح. القض//ية دي مش بس هنكسبها، الق//ضية دي هتبقى القشة اللي تقطم ضهرهم قانونياً.”
في اليوم التالي، كنت أهبط في مطار القاهرة. لم أعد تلك الفتاة المكسورة التي خرجت من المستشفى بكرسي متحرك، بل كنت أرتدي بدلة رسمية سوداء ونظارة داكنة، والندبة الصغيرة القريبة من جبهتي جراء الحادث بدت لي الآن كأوسمة حرب وليست كعلامات تشويه.
توجهنا أنا والأستاذ عادل مباشرة إلى مكتب النائب العام ببلدنا، ومعنا ملف كامل أعددناه بدقة:
أولاً، تقرير طبي رسمي ومعتمد من المستشفى الكبيرة بالمهندسين التي استقبلتني يوم الحادث، وموقع من لجنة ثلاثية من كبار استشاريي المخ والأعصاب يؤكد سلامة قواي العقلية بنسبة 100% وقت توقيع الأوراق وبعدها.
ثانياً، كشف حسابات بنكية مفصل يثبت بالتواريخ أن أهلي كانوا يعيشون بالكامل على نفقتي، بما يتنافى مع ادعائهم بأنهم يطالبون بالحجر “لحمايتي”.
وثالثاً، والأهم، تسجيل كاميرات المستشفى يوم الحادث الذي يظهرهم وهم يدخلون غرفتي ببرود، وصوت أمي وهي توبخني لأنني “أفسدت يوم فرش فيلا لورا”.
لم ننتظر حتى تعقد جلسة القض//ية الخاصة بهم. قمنا برفع دعوى مضادة بتهمة “التزوير في أوراق رسمية، والابتزاز، والبلاغ الكاذب”، وأرفقنا التقرير المزور وصاحب المستشفى الذي أصدره كمتهم أول معهم.
بعد أسبوعين فقط، جاءت لحظة المواجهة في ساحة المحكمة.
كنت أجلس في المقعد الأمامي بجانب عادل، حين دخلت أمي وأبويا ولورا وجوزها. ملامحهم كانت تشي بالانتصار والغرور، ظناً منهم أن غيابي الطويل كان دليلاً على انكساري. لورا نظرت إليّ بطرف عينها وهي تعدل حقيبتها، بينما جوزها يبتسم بثقة للمحامي الخاص بهم.
بدأت الجلسة، وتقدم محاميهم ليتحدث بنبرة درامية عن “الابنة المريضة التي ضاعت ثروتها بسبب طيشها وحالتها النفسية والعقلية بعد الحادث”.
وعندما جاء دور الأستاذ عادل، لم يتكلم كثيراً. تقدم بخطوات واثقة، ووضع الحرز الذي يحتوي على التقارير الرسمية وفلاشة تسجيلات كاميرات المستشفى، بالإضافة إلى شهادة الممرضة “ميرفت” التي طلبت بنفسها الحضور لتشهد على وعيي الكامل وعلى جحودهم في تلك الليلة.
رئيس المحكمة تفحص الأوراق، وعيناه تتسعان مع كل ورقة يقرأها. نظر إلى عائلتي بنظرة امتعاض شديدة، ثم وجه حديثه إليّ:
* “الآنسة ميرال.. هل عندك أقوال تحبي تضفيها؟”
وقفت بكل ثبات، نظرت إلى أمي التي تهربت عيناها مني، وإلى لورا التي بدأ وجهها يشحب، وقلت بصوت مسموع ملأ القاعة:
* “سيادة القاضي.. أنا معنديش كلام أقوله غير إن الحادثة اللي حصلتلي على الدائري خلتني أشوف الدنيا بوضوح. والناس اللي واقفين قدامك دول، مش جايين يحموني.. دول جايين يكملوا عليّ اللي المقطورة معرفتش تعمله فيا. أنا بطالب بالقانون، وبحقي في حماية نفسي وثروتي من اللي خانوا دمي.”
طُرقت المطرقة، وصدر القرار على الفور بـ: “رفض دعوى الحجر لعدم التأسيس القانوني، وإحالة التقرير الطبي المزور والمدعين إلى النيابة العامة للتحقيق في جناية التزوير والبلاغ الكاذب”.
في تلك اللحظة، سقطت حقيبة لورا من يدها، وجوزها تراجع للخلف ووجهه خالٍ من أي تعبير سوى الرعب، بينما أمي بدأت تبكي وتصرخ من جديد مستعطفة: “ميرال.. أنا أمك! هتحبسي أختك وجوزها؟ هضيعي مستقبلوهم؟”
نظرت إليها للمرة الأخيرة، نظرة خالية من الغل، وخالية من الحب أيضاً.. كانت نظرة فراغ تام. التفتُّ بظهري ومشيت في ممر المحكمة، وصوت كعبي العالي يصنع إيقاعاً منتظماً لخطواتي نحو الخارج.
عند باب المحكمة، استنشقت هواء القاهرة المزدحم، وأخرجت هاتفي وكتبت رسالة للأستاذ عادل: “صفي كل أعمالي في القاهرة يا متر، أنا راجعة دهب.. المرة دي علشان أعيش بجد.”
حكايات شروق خالد
ركبت الطائرة العائدة إلى “شرم الشيخ” ومنها بسيارة أجرة مباشرة إلى “دهب”. طوال الطريق، كنت أنظر إلى يدي المقبوضة، وأشعر بنبضات قلبي الهادئة بشكل غريب. لم يكن هناك انتصار في حبس أو ملاحقة من كان ينبغي أن يكونوا سندي، بل كان هناك شعور جارف بالحرية؛ كأنني طائر كسر قفصه الذهبي الذي صنعوه من جشعهِم.
مرت ستة أشهر كاملة. استقرت حياتي في دهب تماماً، وبدأت مشروعاً صغيراً جديداً: مركزاً لتطوير البرمجيات الطبية عن بعد، يشغل شباباً خريجين من أبناء سيناء ومختلف محافظات مصر، بعيداً عن صخب الشركات الكبرى وضغوطها. أصبحت “ميرال” اسماً مألوفاً في الممشى السياحي كفتاة هادئة تبتسم للجميع، ولا أحد يعرف كم كلفها هذا الهدوء من دم وعصاب.
وفي ليلة شتوية دافئة من ليالي دهب، بينما كنت أجلس في كافيه يطل على البحر مباشرة، ورياح “البلونج” الخفيفة تحرك شعري، رأيت شخصاً يقترب من طاولتي بتردد.
نظرت إليه.. كان “مصطفى”، ابن خال لورا وجوزها، والشخص الوحيد في العائلة الذي لم تلوثه حسابات المكسب والخسارة. كان طالباً في هندسة البرمجيات، وكنت قد ساعدته سابقاً في مصاريف دراسته.
* “مساء الخير يا ميرال.. بقالي يومين بدور عليكي هنا.” قالها وصوته يرتجف من الحرج.
* “مصطفى؟” وقفت بذهول، ثم أشرت له بالجلوس. “إيه اللي جابك دهب؟ وأهلي عرفوا مكاني؟”
* “محدش يعرف مكاني، ومحدش عرف يوصل لعنوانك غيري لأني قدرت أتتبع إيميل الشغل بتاعك.. ميرال، أنا مش جاي عشان أضايقك، أنا جاي أقولك إن كل حاجة انتهت.”
تنحنح مصطفى ونظر إلى الأرض بأسى قبل أن يتابع:
* “المحكمة أصدرت حكمها الأسبوع اللي فات. جوز لورا وصاحب المستشفى أخدوا سنتين سجن مع الشغل والنفاذ بتهمة التزوير واستخراج تقارير كاذبة. لورا أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ باعتبارها شريكة، والفيلا بتاعة الشيخ زايد اتسحبت منها لأنها مكنتش دافعة قسط واحد، وصاحبها رفع قضايا طرد وشيكات بدون رصيد.. هما دلوقتي قاعدين في شقة إيجار قانون جديد ضيقة في أطراف الجيزة، وأمي وأبوكي حالتهم النفسية والصحية تدهورت تماماً، ومبقاش على لسانهم غير اسمك.. بس مش طمع، المرة دي ندم وخوف من اللي جرالهم.”
كنت أستمع إليه والبحر خلفه يضرب الصخور بإيقاع منتظم. توقعت أن أشعر بالشماتة، أو بالتشفي، لكنني لم أشعر بشيء.. فراغ كامل، كأنني أستمع إلى قصة تخص أناساً غرباء تماماً في بلد آخر.
* “أنتي مش هترجعي يا ميرال؟” سأل مصطفى بنبرة رجاء. “مش عشانهم.. عشان نفسك؟”
نظرت إلى أضواء دهب المتلألئة على سطح الماء، وإلى جبال السعودية التي تظهر في الأفق البعيد تحت ضوء القمر، وابتسمت ابتسامة حقيقية صافية لأول مرة منذ الحادثة.
* “أنا رجعت لنفسي فعلاً يا مصطفى.. رجعت هنا. القاهرة كانت المكان اللي كنت بموت فيه كل يوم وأنا فاكرة إني عايشة وسط عيلة. هنا، أنا عايشة بجد، ومعنديش نية أرجع لورا خطوة واحدة.”
أخرجت من حقيبتي مظروفاً صغيراً ووضعته أمامه على الطاولة.
* “ده شيك بمصاريف سنتك الدراسية الأخيرة في الهندسة، وده آخر خيط بيربطني بأي حد من ريحة العيلة دي. كمل دراستك وانجح يا مصطفى، وافتكر دايماً إن القرش اللي متجيبوش بعرقك وعقلك.. بياكلك وبياكل صاحبه.”
وقفت، وعدلت شالي الصوفي، وتركت مصطفى ينظر إلى الشيك بدموع حائرة. مشيت على الممشى السياحي، وكل خطوة تخطوها قدمي كانت تبعدني أكثر عن ماضيّ، وتقربني من ميرال الجديدة.. الفتاة التي ولدت من جديد على طريق الدائري، وعمدها بحر دهب بالحرية.
**فاتورة الدم**
حكايات شروق خالد