**قانون الحوت: نهاية إمبراطورية الكرتون* ج1* حكايات شروق خالد

كنت قاعدة مش قادرة أتحرك على ترابيزة السفرة الـ زان الشيك، وإيدي اليمين متثبتة في حمالة طبية.

تحت الشاش الأبيض، صوابعي كانت لسه ورمة ومزّرقة جداً.

أقل حركة كانت بتسمع بوجع يقطع الضهر من أول معصم إيدي لحد كتفي.

العشا في طبقي ملمستوش، في حين إن شريف—جوزي اللي عمل فيا العاهة دي من تلات أيام—كان قاعد جنبي ببرود بيقطع حتة اللحمة بتاعته ولا هامه.

أوضع حاجة في لمتهم بتاعة يوم الجمعة دي مكنتش الوجع اللي بينقح عليا.

#حكايات_شروق_خالد

الأوسخ كانت الطريقة الباردة والمشمتة اللي عيلته بتتكلم بيها عليا، كأنهم بيتكلموا على حتة كرسة مكسورة في البيت اتأدبت خلاص واتحطت في مكانها.

أمه، حماتي شاهندا، رفعت كاس العصير بكل تكنوز وفخر ورسمت على وشها ابتسامة شماتة.

وقالت باعتزاز: “ابني أخيراً عرفها مقامها وعرفها هي ملك مين.”

أخت شريف، نيرمين، ضحكت بمسخرة وقالت: “دي كانت مفكرة نفسها هي اللي ممشية البيت وبتحكم فيه.”

شريف محاولش حتى يسكتهم أو يكسفهم.

سند ضهره لورا على الكرسي الجلد الفخم اللي مدفوع من فلوسي أنا، وقاعد تحت النجفة الكريستال اللي أنا منقياها على الفرازة، وبصلي بثقة وبرود بتاعة راجل مقتنع إن الخوف والضرب كسروا عيني ومناخيري للأبد.

وقال بتريقة: “يمكن بعد كده تفكري مليون مرة قبل ما تقفي في طريق مصلحة عيلتي المادية.”

“المصلحة المادية” دي كانت خطته المتكلية عشان يسحب تمانين ألف جنيه من حسابنا المشترك في البنك من ورايا، عشان يلحق محل لبس أخته نيرمين اللي أعلن إفلاسه.

ولما قفشت اللعبة دي وجمدت الفلوس، مد إيده عليا واستخدم عافيته عشان يجبرني أوافق.

#حكايات_شروق_خالد

في الطوارئ بتاعة المستشفى، ألفت قصة إني اتكعبلت ووقعت عشان أحمي شكلنا قدام الناس.

بس أنا مكنتش دافنة الحقيقة في كل حتة.

مستخبية تحت طرف الترابيزة، إيدي الشمال السليمة كانت لمسة الموبايل.

الشاشة كانت ضلمة وكأن الموبايل مقفول، بس برنامج تسجيل الصوت كان شغال في الخباثة من أول ما شاهندا رفعت كاسها وبدأت تبخ سمها.

كانوا قاعدين يخططوا إزاي هياخدوا مكتبة الشغل الشخصية بتاعتي، وبيعافروا إزاي يغيروا عقود ملكية البيت.

غلطوا غلطة عمرهم لما افتكروا إن سكوتي ده معناه إني اتهزمت واستسلمت.

رسمت ابتسامة خفيفة ومرعبة على شفايفي.

شاهندا برقت ب شك وقالت: “وإيه بقا اللي بيضحك سيادتك إن شاء الله؟”

رديت عليها بصوت واطي وموزون بكل برود: “مفيش خالص، كملوا خططكم، مش حابة أقطع كلامكم.”

الابتسامة الواثقة اللي على وش شريف اتهزت وظهر مكانها قلق خفيف.

#حكايات_شروق_خالد

قبل ما أتنازل عن حريتي وأتجوز الأشكال دي، أنا قضيت اتناشر سنة كاملين من عمري محامية شركات حوت، كنت بفرم وبدمر أكبر شبكات النصب والفساد في السوق.

أنا حافظة ومجربة شكل المفترسين المغرورين دول بالظبط، بيبقوا عاملين إزاي قبل ما الإمبراطورية الكرتون بتاعتهم تتهد فوق دماغهم وتبقى تراب.

بعد نص ساعة، صوت جرس الباب رن رنة ورا رنة بقوة، وقطع جو الفشخرة والكدب اللي كان مالص الأوضة.

شريف برطم وقال بقرف: “مين الرزل اللي جاي في وقت زي ده بالليل؟”

رفعت راسي بالراحة، وعيني جت في عينيه علطول.

ولأول مرة من ليلة الثلاثاء اللي فاتت، الرعب والخوف مكنش خنقني ولا مكتفني.

وقلت له: “أنا اللي عزمتهم.”

الجرس رن تاني.

وقفت وراقبته بكل برود وهو ماشي ناحية الباب، وهو مش دريان إن كل خطوة بيمشيها بتقربه من المصيبة السودة اللي مستنياه ورا الباب…

 

#حكايات_شروق_خالد

 

فتح شريف الباب بعصبية وهو بيبرطم، وشبّه على الوشوش اللي واقفة بره. الابتسامة الباردة اللي كانت على وشه من دقيقتين اختفت تماماً واتبدلت بملامح ذهول ورعب أول ما شاف اتنين عساكر وضابط بزي رسمي، ووراهم اتنين رجالة ببدل كاملة… زمايلي القدام من مكتب المحاماة.

الضابط دخل بخطوات ثابتة هزت هدوء الصالة الفخمة، وبص لشريف وبصوت جهوري قال:

— “أستاذ شريف عبد الحميد؟ معاك أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة، ومذكرة تفتيش للمكان.”

شاهندا قامت من على السفرة كأنها اتكهربت، وكاس العصير اتدلق على المفرش الأبيض وبدأ يفرش زي الدم. صرخت بصوت مسرسع:

— “أنتوا مين؟ وإزاي تدخلوا بيتنا كده؟ ابني عمل إيه؟ أنتوا مش عارفين إحنا مين ولا إيه؟”

نيرمين استخبت ورا أمها وهي بتبصلي برعب، بعد ما لمحت الابتسامة اللي وسعت على وشي.

شريف حاول يجمع شتات نفسه، وقال بنبرة متهزجة وهو بيحاول يبان قوي:

— “يا فندم أكيد في سوء تفاهم، أنا راجل أعمال محترم، ومستحيل أكون عملت حاجة غلط.”

في اللحظة دي، تحاملت على نفسي ووقفت. الوجع في كتفي ومعصمي كان بينقح، بس الأدرينالين والانتقام كانوا أقوى من أي مسكن. مشيت بخطوات بطيئة وموزونة لحد ما بقيت في وسط الصالة، ورفعت إيدي الشمال السليمة بالموبايل، ودوست “إيقاف التسجيل”.

بصيت للضابط وقلت له بنبرة واضحة:

— “يا فندم، المتهم شريف عبد الحميد مش بس اعتدى عليا بالضرب وأحدث بيا عاهة مستديمة—والتقرير الطبي المستخرج من مستشفى الطوارئ الحكومي ليلة الثلاثاء متقيد باسم تالت ومرفق بالبلاغ الإلكتروني اللي قدمته من ساعتين—ده كمان مسجل صوت وصورة، هو وعيلته، وهم بيخططوا لتزوير عقود ملكية البيت ده، وسرقة حسابات بنكية، والاستيلاء على مكتبتي القانونية.”

شريف وشه جاب ألوان، وبصلي بغل وهو بيقول:

— “أنتي مجنونة؟ أنتي اللي قلتي في المستشفى إنك وقعتي! أنتي بتتبلي عليا في بيتي؟”

واحد من المحامين زمايلي، “أستاذ حازم”، خطى خطوة لقدام وطلع ملف محكم، وقال ببرود قاتل:

— “يا شريف بيه، شروق مش مجرد زوجة تضربها وتكسرها وتفتكر إنها هتسكت عشان ‘شكلكم قدام الناس’. شروق شريكة في أكبر مكتب محاماة شركات في البلد. البلاغ اللي اتقدم مش بس جنحة ضرب.. دي جناية شروع في قت/ل، وتزوير، وشبكة نصب مكتملة الأركان بناءً على التسجيل الحي اللي لسه واصل للنيابة حالا وفيه اعترافات مامتك وأختك.”

شاهندا رجليها مأشلتش، وقعدت على الكرسي وهي بتولول:

— “تزوير إيه ونصيب إيه! دي حرباية.. أنا كنت حاسة إنها بتدبر لنا مصيبة!”

نيرمين بدأت تعيط بهستيريا:

— “يا شريف اتصرف! المحل بتاعي هيضيع وأنا مش حمل سجن!”

الضابط شاور للعساكر، وفي ثواني كانت الكلبشات الحديد بتلمع تحت النجفة الكريستال اللي أنا منقياها على الفرازة، واتقيدت في إيد شريف.

شريف وهو بيتسحب ومكسور العين، بصلي بنظرة رجاء مخلوعة من كل كبرياء، وقال بصوت واطي:

— “شروق.. أرجوكي.. إحنا عشرة.. بلاش تخربي بيتنا.”

قربت منه لحد ما بقيت في وشّه بالظبط، وبصيت في عينيه اللي كانا مليانين رعب، وقلت له بمنتهى الهدوء:

— “البيت ده بيتي أنا، بفلوسي أنا. وأنت وعيلتك كنتوا مجرد حشرات افتكرت إنها ممكن تعيش في قصر الحوت. التناشر سنة اللي قضيتهم بفرم فيهم النصابين، نسيت أطبقهم في بيتي.. بس اديك فكرتني.”

التفت للضابط وقلت له: “شكراً يا فندم، نتقابل في النيابة الصبح.”

خرجوا بيه وهو بيتلفت وراه زي الفراخ المبلولة، ووراهم شاهندا ونيرمين بيجروا وهم بيصرخوا ويصوتوا في السلم.

قفلت الباب وراهم بالراحة. الشقة رجعت هادية.. هادية جداً ونضيفة من قرفهم.

بصيت لإيدي الورمة والمزّرقة، الوجع كان لسه موجود، بس المرة دي كان وجع التعافي، مش وجع الكسرة.

مشيت لحد السفرة، قعدت على كرسيّ، ورفعت الشوكة بإيدي الشمال.. وبدأت آكل عشيا بكل برود ونفس مفتوحة.

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *