“طوق نجاة من صوف”ج2 حكايات شروق خالد

قعد عاصم على الكنبة، ورفع الغطا الصوف وبص له بنظرة غريبة مفيهاش البرود بتاع كل يوم. فضل دقايق كاملة بيحاول يستوعب اللي حصل، قبل ما يقوم، يعدل بدلتة، ويخرج وراها.
لما نزل الدور الأرضي، لقاها واقفة مع مدام جيهان المشرفة، اللي كانت بتدّيها لستة الشغل القاسية بتاعت كل يوم. عاصم نزل على السلم بكل هيبته، مدام جيهان أول ما شافته ارتبكت وقالت: “صباح الخير يا عاصم بيه.. أنا كنت بوجّه هدى لتعليمات الفيلا.”
عاصم مبصش لمدام جيهان أصلاً، عينيه كانت مركزة على هدى، وبصوت رخيم وهادي قال: “مدام جيهان.. هدى من هنا ورايح مش هتعمل أي حاجة من لستة الشغل دي.”
البنتين بصوا له بذهول. هدى قلبتها اتخطفت، واشتبهت إنها تكون عملت حاجة غلط أو إنه عرف إنها عرفت بالسر بتاع الأوضة المقفولة.
عاصم كمل كلامه وهو بيقرب من هدى: “أنتِ خريجة تمريض ولغات.. صح؟”
هدى بلعت ريقها وقالت بصوت مرعوش: “أيوة يا فندم.. بس قعدت في سنة تالتة عشان ظروف جدتي.”
عاصم هز رأسه وقال: “تمام.. شغلك من النهارده هيبقى إشراف طبي كامل عليا وعلى الأكل والنظام الخاص بيا، وهتكوني السكرتيرة الشخصية هنا في البيت.. والمرتب هيبقى تلات أضعاف الرقم اللي اتفقتي عليه مع المكتب.”
مدام جيهان بوقها اتفتح من الصدمة، وهدى مكنتش مصدقة ودنها. المرتب ده مش بس هيعالج جدتها، ده هيخليهم يعيشوا مرتاحين جداً.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد أسبوعين..
في ليلة من الليالي، عاصم رجع البيت متأخر جداً، وكان باين عليه التعب والهم.. مش هم الشغل، هم الذكريات. هدى كانت لسه صاحية بتجهز له كتاب المواعيد بتاع بكرة، لقته ماشي في الطرقة بتاعة الدور التاني، ورايح ناحية.. الأوضة المقفولة.
الأوضة اللي بقالها تلات سنين محدش عتبها.
عاصم وقف قدام الباب، وطلع المفتاح من جيبه، وإيده كانت بتموت من الرعشة. هدى كانت واقفة من بعيد، بتراقب في صمت. وفجأة، عاصم التفت ورا وبص لها.. عينيه كانت مليانة دموع لأول مرة.
مد إيده بالمفتاح ناحيتها، وقال بصوت مكسور يقطع القلب: “هدى.. أنا مش قادر أدخل لوحدي.. تعالي معايا.”

حكايات شروق خالد

هدى اتسمّرت مكانها لثواني، ضربات قلبها بقت سريعة لدرجة إنها حاسة بصدى صوتها في الطرقة الفاضية. بصت للمفتاح اللي في إيد عاصم، وبصت لعينيه اللي مليانة انكسار ورجاء.. الراجل القوي الصلب، واقف قدامها زي الطفل الخايف.
قربت منه بخطوات هادية، ومجرد ما وقفت جنبه، عاصم اتنفس براحة كأنه لقى السند اللي كان بيدور عليه. مدّت إيدها بالراحة وأخدت منه المفتاح، وحطته في الكالون. المفتاح لف بصوت تكة تقيلة، كأنها بتفتح باب للزمن مش مجرد باب أوضة.
فتحت الباب بالراحة، والريحة أول ما طلعت كانت ريحة تراب مخلوطة بريحة بودرة أطفال قديمة.. ريحة مكان الزمن وقف فيه من تلات سنين.
هدى مدت إيدها وولعت النور.. الأوضة كانت عبارة عن جناحين مفتوحين على بعض؛ ناحية فيها سرير كبير مفرش بستان أبيض عليه فستان فرح محطوط بعناية، والناحية التانية كانت أوضة أطفال كاملة.. سرير صغير على شكل عربية، لِعب متبورة في كل حتة، وهدوم بنوتة صغيرة منشرة على كنبة صغيرة كأن صاحبته كانت لسه هنا من دقايق.
عاصم أول ما شاف الأوضة، ركبه سابت.. ساند ضهره على الحيطة ونزل بالتدريج لحد ما قعد على الأرض، وحط راسه بين إيديه وبدأ يتنفس بصعوبة رهيبة، كأنه بيختنق.
هدى بحكم دراستها للتمريض، عرفت فوراً إنها “نوبة هلع”. نزلت على ركبها قدامه، وشالت إيديه من على وشه بالراحة، وبصت في عينيه وبصوت حنين وواثق قالت له: “عاصم بيه.. بص في عيني.. اتنفس معايا.. شهيق.. زفير.. بالراحة.. أنت في أمان.”
فضلت مثبتة نظرتها في عينيه لحد ما بدأ يهدأ ويلقط نفسه. وبدون أي مقدمات، انهار عاصم في العياط.. عياط مكتوم بقاله تلات سنين، دموع راجل كان شايل جبل على كتافه وبيمثل القوة قدام الدنيا كلها.
قال بصوت مخنوق: “أنا السبب يا هدى.. أنا اللي استعجلتهم في اليوم ده عشان نلحق الطيارة.. لو مكنتش ضغطت عليها مكنش السواق جرى كده ومكنتش الحادثة حصلت.. أنا اللي قتلت مراتي وبنتي!”
هدى سمعته ومقاطعتوش، سابته يطلع كل الوجع والذنب اللي بياكلوا في قلبه. ولما هدي شوية، بصت حواليها في الأوضة وقالت له بنبرة دافية: “المكان هنا ملوش ذنب يا عاصم بيه.. واليوم ده كان قدر ربنا.. الست اللي حبتك والبنت اللي طلعت الدنيا لقتك أبوها، أكيد مش هيبقوا مبسوطين وأنت بتعاقب نفسك وبتموت بالبطيء كده.. الأوضة دي لازم تنضف، ولازم الشمس تدخلها تاني.. عشان روحهم ترتاح، وعشان أنت كمان ترتاح.”
عاصم رفع راسه وبص لها.. النظرة اللي في عينيه المرة دي مكنتش نظرة ملياردير لشغالة، ولا حتى رئيس لسكرتيرته.. كانت نظرة غريق لقى طوق النجاة. مسح دموعه وقام وقف، وبص للأوضة تاني، وبعدين بص لهدى وقال بكلمة واحدة خرجت من وسط حطام قلبه: “ساعديني..”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *