**عزف الأوتار الميتة**ج3 حكايات شروق خالد

فريدة فتحت الخط وإيديها بترتعش زي الورقة، وجسمها كله تلمس، وصوت ممرضة المستشفى جاء من الناحية التانية مستعجل ومرعوب: “دكتورة فريدة؟ الحقينا! فيه مجموعة رجالة غريبة معاهم سلاح دخلوا المستشفى حالا، وخدوا سليم من أوضته وركبوة عربية جيب سودة وطلعوا بيه على طريق السخنة.. إحنا كلمنا الشرطة بس..”
الموبايل وقع من إيد فريدة واتدشد على الأرض، وصرخة واحدة شقت سكون الأوضة: “سلييييييم! ابني ضاع يا يوسف.. ابني ضاع!”
وقعت على ركبها في الأرض وهي بتبكي بهستيريا وتلطم على وشها. يوسف اللي كان لسه واقف على رجليه بثبات بيبص لها، ملامحه اتقبضت وعينيه اسودت بالغل. الغضب جرى في عروقه زي النار. سليم يكن عرف، وقرر يلعب اللعبة القذرة بتاعته ويلوي دراع يوسف السيوفي بأغلى حاجة تملكها الدكتورة اللي بتعالجه.
يوسف بص لإبراهيم وزعق بصوت زلزل القصر: “إبراهيم! تليفون سليم يكن حالا!”
إبراهيم طلع التليفون وطلبه وهو بيرتعش، وفتح الاسبيكر. جاء صوت سليم يكن، بارد وضاحك وفيه نبرة شماتة تخوف: “أهلاً يا يوسف يا حبيبي.. مبروك الخطوة الأولى، سمعت إنك وقفت على رجليك؟ يا خسارة.. كنت فاكرك أذكى من كده وهتداري الخبر. عمومًا، ابن الدكتورة معايا، حتة عيل صغنون كنز ومصفي، لو عايزة يرجع يشم الهوا تاني.. الدكتورة دي تدوس على العصب اللي رجعك، وترجعك للكرسي المصفح بتاعك تاني بإيدها.. وتيجي تسلم نفسك في مخازن السخنة الليلة.. وإلا، العيل هيروح لأبوه الله يرحمه.”
الخط قطع.
فريدة زحفت على الأرض لحد رجل يوسف، مسكت في بنطلونه وهي بتبكي بحرقة وتترجاه: “عشان خاطر ربنا يا يوسف.. رجعني ابني، أنا هعملك اللي هو عايزه، هكسر رجلك تاني، هقطع العصب بإيدي بس سليم يعيش! أبوس رجلك يا يوسف!”
يوسف السيوفي وطى ببطء، مسك فريدة من كتافها وقومها وقّفها قدامه، وعينيه كان فيها نظرة قوة تظلم بلد بحالها. قال لها بصوت هادي يقطع النفس من حلاوته وقسوته: “يوسف السيوفي مبيتلاواش ذراعه يا فريدة.. ومحدش بياخد حاجة تخصني ويشم النفس بعدها. ابنك هيرجع، وسليم يكن الليلة هيدفع تمن العشرين سنة وتمن دمعتك دي.. بالدم.”
بص لإبراهيم وقال بلهجة عسكرية حاسمة: “الرجالة كلها تطلع على طريق السخنة، أسلحة ثقيلة، مفيش تفاهم.. واليوم ده مش هيطلع عليه نهار غير والقاهرة كلها عارفة إن اللي بيلمس حِمى السيوفي بيموت قبل ما ينطق بالشهادة.”
يوسف شد مسدس أبوه الـ “جلوك” الأسود من حزام إبراهيم، وعمره ما بان بكامل هيبته وطوله زي اللحظة دي. مشي خطوات ثابتة وقوية نحو الباب، وفريدة وراه بتبكي وبتدعي، والبلد كلها كانت على كف عفريت.. أسطورة المعادي رايحة تجيب حقها بالنار!

حكايات شروق خالد

العربيات الجيب السودا كانت طائرة على طريق السخنة وسط الضلمة، والمطر كان نازل زي السيول بيخبط في القزاز. يوسف السيوفي كان قاعد في العربية الأولى، مش على الكرسي المتحرك المرة دي، كان قاعد على الكرسي الأمامي وساند رجله اللي رجعت لها الروح على أرضية العربية، وإيده ضاغطة على سلاح أبوه ببرود يشل حركة أي حد يبص له.
فريدة كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، دموعها مش راضية تقف، وجسمها كله بيرتعش وهي بتبص في الساعة. طريق السخنة مقطوع والضلمة فيه كاحلة، وكل تفكيرها كان في ابنها سليم اللي زمان بخاخة الصدر بتاعته خلصت ومش قادر يتنفس وسط الرعب ده.
إبراهيم كان بيسوق وعينه على الطريق، وفجأة قال بصوت واطي: “يوسف باشا… وصلنا للمخزن القديم. رجالة سليم يكن مأمنين المكان كله، وفيه قناصة فوق السطوح.”
يوسف ملواش بوز، وبص لإبراهيم بنظرة مرعبة وقال له بكلمة واحدة: “ادخل بالـ “جراند” واكسر البوابة.”
في ثواني، العربية الجيب الضخمة المصفحة هجمت بأقصى سرعتها وكسرت البوابة الحديدية بتاعة المخزن بصوت انفجار هز المكان. رجالة سليم يكن بدأوا يضربوا نار بغزارة، وصوت الرصاص كان بيرن في المكان زي الرعد.
رجالة يوسف السيوفي نزلوا من كل ناحية، وبدأت معركة طحن حقيقية بالأسلحة الثقيلة. يوسف فتح باب العربية، ولأول مرة من عشرين سنة، نزلت رجله على الأرض وسط ضرب النار، ووقف بكامل طوله وهيبته وهو ماسك سلاحه. مشي بخطوات ثابتة وقوية وسط الرصاص، وكأنه ملك الموت اللي جاي ياخد الأرواح، والرجالة من الصدمة لما شافوه واقف على رجليه بقوا يجروا ويستسلموا.
فريدة نزلت تجري وراه وهي بتصرخ: “سليم! ابني فين يا سليم؟! ”
دخلوا جوة المبنى الرئيسي للمخزن، وكان سليم يكن قاعد على كرسي خشب، وحاطط الطبنجة في راس الواد الصغير سليم اللي كان وشه أزرق وبيتخنق من قلة الأكسجين.
سليم يكن وشة اتقلب لونه أصفر وبدأ يرتعش لما شاف يوسف واقف على رجليه وبيمشي بثبات، وقال بصوت مهزوز: “إنت… إنت وقفت إزاي؟ مش ممكن! الدكاترة قالوا مش هتمشي تاني أبدًا!”
يوسف قرب منه وعينيه مفيهاش أي رحمة، وقال بنبرة فحيح تطلع الروح: “الدكاترة بتوعك يا سليم… لكن ربنا أراد إني أقف الليلة دي عشان أدفنك بإيديا دي.”
سليم يكن ضغط بالسلاح على راس الواد وزعق بهستيريا: “هق*تله! والله هق*تله لو قربت خطوة واحدة!”
في الأجزاء من الثانية دي، فريدة لمحّت بخاخة سليم مرمية على التربيزة القريبة منها. وبدون تفكير، يوسف السيوفي رفع سلاحه وبسرعة وبدقة رهيبة ضرب طلقة واحدة طيرت صوابع إيد سليم يكن اللي ماسكة المسدس.
سليم يكن صرخ صرخة هزت المكان ووقع في الأرض وهو بينزف. فريدة جرت زي المجنونة، خدت ابنها في حضنها وطلعت البخاخة وبدأت تديله منها وهي بتبكي وتضمّه لقلبها: “سليم… إنت كويس يا حبيبي؟ سليم رد عليا!” الواد بدأ يتنفس ببطء ورجعت الروح لوشه.
يوسف قرب من سليم يكن اللي كان بيزحف على الأرض وهو بيموت من الرعب، وداس برجله اليمين بكل قوته على صدره، وقال له بصوت جهوري: “العشرين سنة اللي عشتهم عاجز بسببك… هتدفع تمنهم حالا.”
سليم يكن بكى وبدأ يتوسل: “سامحني يا يوسف… هيديك كل شركاتي… كل فلوسي… بس سيبني أعيش!”
يوسف وطي عليه وقال له ببرود قاتل: “فلوسك وشركاتك كده كده بقت بتاعتي… بس روحك ملك للي خلقها.”
صوت طلقة أخيرة رن في المخزن المهجور، وانتهت أسطورة سليم يكن للأبد.
يوسف لف ضهره وتمشى بهدوء ناحية فريدة وابنها، وبص للطفل الصغير اللي كان بيبص له بخوف وانبساط في نفس الوقت. يوسف مد إيده، ومسح دموع فريدة وقال لها بنبرة فيها هيبة واحترام لأول مرة: “ابنك في أمان يا دكتورة… ويوسف السيوفي مبيوجعوش دراعه تاني خلاص.”
النهار بدأ يشقشق على طريق السخنة، وعربيات يوسف السيوفي راجعة القاهرة، والبلد كلها صحيت على خبر واحد هز العروش؛ يوسف السيوفي رجع يقف على رجليه، والعالم السفلي كله بقى تحت طوع كلمة واحدة منه.

حكايات شروق خالد

العربيات كانت راجعة على كورنيش المعادي والنهار بيطلع، القاهرة كلها بدأت تصحى على همس وخوف ملوش أول من آخر. في كل مكتب من مكاتب الحيتان الكبار، وفي كل قعدة لرجال الأعمال اللي كانوا فاكرين إن يوسف السيوفي مجرد شبح محبوس في قصر، التليفونات مكنتش بتبطل رن. الخبر انتشر زي النار في الهشيم: “سليم يكن انتهى… والسيوفي واقف على رجليه!”
جوه الجناح الرئيسي في مستشفى المهندسين، سليم الصغير كان نايم في السرير، والمساليل في إيده، بس وشه كان راجع له الدم ونفسه هادي ومنتظم. فريدة كانت قاعدة جنبه، ساندة راسها على طرف السرير، عينيها مقفولة من كتر التعب والضغط العصبي اللي عاشته في الكام ساعة اللي فاتوا، بس قلبها لأول مرة من سنين كان مطمن.
الباب انفتح بهدوء شديد، ودخل إبراهيم وهو لابس بدلة جديدة، ونبرة صوته كانت متغيرة تمامًا، مفيهاش الخوف القديم، بس فيها احترام وتقدير ملوش حدود. وقف جنب فريدة وقال بصوت واطي: “دكتورة فريدة… الباشا مستنيكي بره.”
فريدة قامت، عدلت لبسها، وبصت على ابنها بصه أخيرة قبل ما تخرج ورا إبراهيم.
في نهاية الممر الخاص بالجناح، عند الشباك الكبير اللي بيبص على شوارع الشروق، كان واقف يوسف السيوفي. مكنش لابس اللبس الكاجوال بتاع القصر؛ كان لابس بدلة سودا كاملة، مفصلة عليه بالملي، ملامحه كانت حادة وصارمة زي العادة، بس وقفته بطوله وعرضه كانت بتدي إيحاء إن الراجل ده يقدر يهد جبال.
فريدة قربت منه ووقفت على بعد خطوتين، وبصت لرجله اللي واقفة بثبات على الأرض وقالت بصوت هادي: “الحمد لله على سلامة ابنك… وعلى سلامتك يا يوسف باشا.”
يوسف ملفش وشه ليها، فضل باصص للشوارع بره وقال بنبرة رخيمة فيها هدوء مرعب: “أنا عمري ما شكرت حد يا فريدة… وعمري ما اعترفت إن فيه حد له فضل عليا. بس إنتي غيرتي الخريطة كلها. إنتي مش بس رجعتيلي حركتي، إنتي رجعتيلي النفوذ اللي كان ناقصه الهيبة.”
حط إيده في جيب بنطلونه وطلع مفتاح فضة صغير وشيك جداً، ولف وبص في عينيها مباشرة: “المفتاح ده بتاع فيلا في التجمع الخامس، متسجلة باسمك وباسم سليم. والعربية اللي واقفه تحت المستشفى بتاعتك. وابنك، طول ما أنا عايش على وش الأرض، مش هيحتاج لدوا ولا لمستشفى غير وهي تجيله لحد عنده. إنتي مبقتيش مجرد دكتورة بتعالجني… إنتي بقيتي خط أحمر في البلد دي، واللي يلمسك كأنه لمس يوسف السيوفي شخصياً.”
فريدة بصت للمفتاح، ودموعها لمعت في عينيها، بس المرة دي دموع راحة مش خوف: “أنا كنت عايزة ابن يعيش وبس يا باشا… مش عايزة قصور ولا نفوذ.”
يوسف ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها هيبة المنتصر، وقرب منها خطوة وقال: “اللي بيشتغل مع السيوفي بياخد مكانه يليق بيه وبمكانه السيوفي. تقدري تقعدي مع ابنك هنا لحد ما يخف، وبعدين تتنقلي لبيتك الجديد. بس افتكري… الجلسات بتاعتنا لسه مخلصتش، أنا عايز رجلي دي ترجع تسبق الريح.”
لف يوسف ضهره ومشي في الممر بخطوات قوية وثابتة، صوت جزمتة على الأرض كان بيرن في ودن كل اللي في المستشفى كأنه إعلان لعهد جديد. فريدة خدت نفس طويل، وبصت للمفتاح اللي في إيدها، وعرفت إن حياتها القديمة في حواري السيدة زينب انتهت للأبد، وإنها من اللحظة دي بقت شريكة في أسطورة جديدة بتبتدي في المحروسة.

**عزف الأوتار الميتة**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *