كسر الاقنعه حكايات شروق خالد

كان بقالي سنة عايشة في جحيم من يوم ما طليقي، شريف، دمر عيلتي كلها. شريف راجل غني ومغرور جداً، وصاحب شركة استثمارات كبيرة. لما قفشته بيخوني وسيبته، قرر ينتقم مني بأوسخ طريقة؛ استغل فلوسه ونفوذه ودمر مصنع أبويا الصغير، وحسرة بابا جابتله جلطة ومات فيها.
بقينا مديونين لركبنا، وأمي نايمة في المستشفى بين الحين والآخر ومحتاجة 5 مليون جنيه فوراً لعملية قلب مفتوح وتغيير صمام عشان تعيش.
من كتر اليأس، رحت لشريف وركعت قدامه وأنا بذل نفسي وبترجاه يساعدني. بس بدل ما يحس بيا، بصلي بابتسامة خبيثة وهو بيشرب قهوته وقاللي بسخرية: “أنا هديكي الـ 5 مليون عشان أمك يا فريدة.. بس بشرط
#حكايات_شروق_خالد
واحد. بكرة هتتجوزي راجل أنا اللي هختاره بنفسي، شحات هجيبهولك من الشارع. والجواز ده هيكون في قاعة أفراح فخمة، ومعازيمنا كلهم من رجال الأعمال وأصحاب الملايين، والكل هيصور. عايز العالم كله يشوف فريدة رسلان وهي بتقع وبتتلوى من الذل!”. وعشان أنقذ أمي، غمضت عيني ووافقت.. بعت كرامتي وروحى لشيطان.
وجه يوم الفرح. القاعة كانت مليانة على آخرها من رجال المجتمع والصحفيين والمصورين اللي شريف دافعلهم عشان يغطوا “فرح الشحات والأميرة”. شريف كان قاعد في أول صف، وعينيه بتلمع بانتصار وهو شايف تحفته الفنية بتتحقق.
لما باب القاعة اتفتح، دخلت وأنا لابسة فستان أبيض بسيط جداً، والدموع مغرقة وشي. كنت سامعة همز ولمز الناس وتريقتهم عليا في كل خطوة بخطيها.
وفي آخر الممر، عند الكوشة، كان واقف الراجل اللي هبقى مراته.. كان اسمه جابر.
كان لابس بدلة قديمة ومبهدلة وريحتها صعبة جداً، شعره منكوش ووشه مليان تراب ودقنه طويلة وكثيفة، وضهره كان محني زي ما يكون متعود على الإهانة والضرب.
“يا لهوي! إيه القرف ده؟ العريس ريحته زبالة!”، ده كان صوت حرباية من قرايب شريف وهي بتتريق، والقاعة كلها انفجرت في الضحك.
لما وصلت للكوشة ووقفت جنب جابر، بصيت لوشه وكنت متوقعة أشوف راجل مكسور وخايف، بس اتصدمت لما عيني جت في عينه. تحت كل التراب والشعر المنكوش ده، عيونه ماكنش فيها ذرة خوف.. كانت عيون حادة، هادية، وفيها قوة غريبة تخوف وتجبرك تحترمها.
… يتبع في التعليقات
#حكايات_شروق_خالد

المأذون بدأ يكتب الكتاب، وشريف كان قاعد يضحك ويبص للمصورين عشان يركزوا على وشي وأنا بيمضي على قسيمة جوازي من جابر. أول ما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما”، القاعة كلها صقفت باستهزاء، وشريف وقف وقال بصوت عالي: “مبروك يا عروسة، يليقوا على بعض صح؟”
في اللحظة دي، جابر وقف وفرد ضهره.. الحنية اللي كانت في ضهره اختفت تماماً، وبقى واقف بكل طوله وهيبته. بص لشريف ونزل من على الكوشة ببرود غريب، ومسك المايك من المذيع.
الناس كلها سكتت مستغربة، وجابر بص في المايك وقال بصوت قوي ورخيم هز القاعة: “شكراً يا شريف بيه على العزومة والفرح الجميل ده.. الحقيقة أنا مكنتش متخيل إنك هتوفر عليا المشوار وتجمعلي كل رجال الأعمال والمستثمرين بتوع البلد في مكان واحد”.
شريف ضحك بسخرية وقال: “أنت اتجننت يا شحات أنت؟ أنت فاكر نفسك مين؟”
جابر طلع من جيب بدلته المبهدلة تليفون غالي جداً، وضغط على زرار، وفجأة الشاشات الكبيرة اللي في القاعة—واللي كانت بتعرض صورنا—اتطفت، وظهر عليها بث مباشر ومستندات وحسابات بنكية.
جابر كمل كلامه وهو بيبص للمستثمرين اللي قاعدين: “أحب أعرفكم بنفسي.. أنا كريم الهواري. أظن الاسم ده مش غريب عليكم”.
القاعة كلها مقلوبتش، الناس بدأت تقف وتوشوش. كريم الهواري ده كان أكبر مستثمر في السوق، ورئيس مجموعة شركات منافسة لشريف، بس بقاله سنة مختفي تماماً عن الأنظار ومحدش يعرف شكله بعد حادثة كبيرة اتعرض لها.
كريم بص لشريف اللي وشه بقى أزرق وقال: “أنا بقالي شهور بجمع أدلة عن غسيل الأموال والنصب اللي شركتك بتعمله، ولما عرفت إنك بتدور على حد من الشارع عشان تذل بيه بنت محترمة، قررت ألبس الدور ده بنفسي عشان أدخل بيتك وأوصل للسيرفرات بتاعتك.. ودلوقتي، وأنا بكلمكم، مباحث الأموال العامة بتقفل شركتك، والأسهم بتاعتك نزلت الأرض”.
شريف تليفونه رن، وبدأ يرتعش وهو بيسمع المساعد بتاعه بيقوله إن الشركة بتتفش وكل فلوسه اتحجز عليها.
كريم قرب مني، وقلع الجاكيت المبهدل ورماه في الأرض، وبصلي بعيون كلها احترام وقال: “أنا وافقت على اللعبة دي عشان أنتقم من شريف اللي كان السبب في الحادثة بتاعتي زمان.. بس مكسبى الحقيقي النهاردة هو أنتِ. ومصاريف مستشفى والدتك مدفوعة بالكامل من الصبح، والشركة بتاعة والدك الله يرحمه هترجع تفتح تاني من بكرة باسمك”.
شريف وقع على الركبة في وسط القاعة وهو مش مصدق إن الإمبراطورية بتاعته ضاعت في ثواني، والشرطة دخلت القاعة عشان تقبض عليه بتهم النصب الفساد وسط فلاشات الكاميرات اللي كان جايبها عشان تذلني أنا.
كريم مد إيده ليا وقال بابتسامة: “يلا يا فريدة؟ مكاننا مش هنا”.
مسكت إيده وخرجت معاه وأنا حاسة إن الكابوس انتهى، وبداية جديدة تماماً لسه بتبدأ.

حكايات شروق خالد

بعد ما خرجنا من القاعة، شريف كان ورايا والكلبشات في إيده، والصحفيين اللي كان دافعلهم عشان يفضحوني بقوا بيتسابقوا ومخرجين الكاميرات عشان يصوروا لحظة سقوطه وفضيحة “الملياردير المزيف”.
ركبت مع كريم عربية سودا فخمة كانت مستنياه بره القاعة، وطول الطريق مكنتش قادرة أنطق بكلمة واحدة، كنت ببص لوشه وهو بيمسح التراب والمكياج اللي كان عامله عشان يبان شحات، وبدأ ملامحه الحقيقية تظهر؛ ملامح راجل قوي، ذكي، وفيه هيبة تخطف العين.
كريم بصلي وابتسم وقال: “عارف إن الصدمة شديدة عليكي يا فريدة، بس كان لازم ألعب اللعبة دي لآخرها عشان شريف ما يحسش بأي حاجة لحد ما يقع في الفخ”.
قولتله بصوت مرعش: “أنت بجد كريم الهواري؟ وأمي.. أمي بجد كويسة والعملية هتعملها؟”
كريم طلع تليفونه ووراني رسالة من مدير المستشفى بتأكيد استلام المبلغ بالكامل (5 مليون جنيه) وتجهيز غرفة العمليات فوراً، وقاللي: “والدتك دلوقتي تحت رعاية أكبر دكاترة في مصر، والعملية هتتعمل بكرة الصبح بإذن الله، وأنا هبقى معاكي هناك خطوة بخطوة”.
تاني يوم، روحت المستشفى وأنا حاسة إن روحي بترجعلي. كريم كان واقف معايا، لابس بدلة شيك جداً تليق بمقامه كأكبر رجل أعمال، ومسابش إيدي ثانية واحدة. العملية نجحت، والدكتور خرج طمنا إن حالة أمي استقرت تماماً.
بعد أسبوع، وأمي بدأت تتعافى، كريم طلب مني ننزل مشوار. وعربيتنا وقفت قدام مصنع بابا الله يرحمه.
لقيت العمال واقفين، واليافطة القديمة اتجددت وبقى مكتوب عليها “مجموعة رسلان للتصنيع – بإدارة فريدة رسلان”. كريم بصلي وقال: “شريف ضيع المصنع بورق مزور، وأنا رجعتهولك بقوة القانون.. المصنع ده بتاعك وبتاع عيلتك، وأنا هبقى الشريك والممول ليكي لحد ما تقفي على رجلك”.
أما شريف، فالمحاكمة بتاعته كانت حديث الساعة في مصر كلها، واتحكم عليه بالسجن المشدد بتهم غسيل الأموال، والنصب، وتزوير أوراق رسمية، وكل ثروته اتمسحت وبقى مديون للمستثمرين بملايين مش هيشوف الشارع بسببها تاني.
الراجل اللي شريف جابه من الشارع عشان يذلني بيه ويهد كرامتي، بقى هو الراجل اللي بنى حياتي من جديد، ورجعلي حقي وحق أبويا، وخلاني أرفع راسي قدام الدنيا كلها.
كسر الأقنعة
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *