سر جبل الاسود الجزء الثالث حكايات شروق خالد
وقفت مكاني، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
بصيت للصورة اللي في إيدي… وبصيت للراجل الواقف قدام البيت.
نفس العينين.
نفس ملامح الوش.
فتحت الباب بحذر.
الراجل قرب خطوة، لكن وقف بعيد، كأنه خايف يخوفني.
قال بصوت مكسور:
ـ إنتِ نجاة؟
هزيت راسي.
ـ أيوه… مين إنت؟
رد وهو بيطلع بطاقة من جيبه:
ـ اسمي فارس الجبالي.
اتسعت عيني.
ـ يعني… إنت…
قال وهو بيكمل:
ـ أبوكي.
سكتنا إحنا الاتنين.
ولا واحد عرف يقول كلمة.
بعد ثواني، قلت بعصبية:
ـ لو إنت أبويا… كنت فين طول السنين دي؟ سيبتني ليه؟
نزل دموعه لأول مرة.
ـ والله ما سبتك بإيدي.
ـ أمال؟
أخرج ملف قديم، وقال:
ـ اقعدي… واسمعي.
دخلناه المندرة.
الحاج منصور كان موجود، وأول ما شاف فارس، قام وقف.
ـ الحمد لله… كنت فاكر إنك مت.
فارس رد:
ـ كانوا عايزين الناس كلها تفتكر كده.
بصيت بينهم باستغراب.
ـ حد يفهمني!
تنهد فارس وقال:
ـ ليلة سبعة أغسطس سنة ١٩٩٨، اكتشفت إن عبد الجواد وحمدان وسالم الديب بيزوروا عقود الأراضي، وبيستولوا على أرزاق الناس.
قلت لهم هبلغ عنكم.
في نفس الليلة، ضربوني بالنار.
سكت لحظة، ورفع كُم جلابيته.
كان فيه أثر رصاصة قديم في كتفه.
ـ وقعوني في الترعة، وفكروا إني مت.
لكن واحد صياد لقاني، وخباني عنده شهور طويلة.
ولما فوقت…
عرفت إنهم أعلنوا موتي.
وإن عبد الجواد أخدك ورباكي على إنك بنته.
صرخت:
ـ وليه مرجعتش؟
قال بحزن:
ـ حاولت.
لكن كل مرة كانوا بيهددوا يق*تلوكي.
كنت بعيد… لكن كنت بتابعك من بعيد.
كل نجاح عملتيه كنت أعرفه.
كل مرة كنتي تنجحي، كنت أفرح.
لكن مقدرتش أقرب.
نزلت دموعي.
مش عارفة أصدقه…
ولا أكذبه.
…
في اللحظة دي، دخل الضابط بسرعة.
وشه كان متوتر.
ـ يا أستاذة نجاة… فيه مصيبة.
قلت:
ـ خير؟
قال:
ـ العمدة سالم هرب.
وفارس انتفض من مكانه.
ـ هيروح للمكان القديم!
الضابط سأله:
ـ مكان إيه؟
رد بسرعة:
ـ بيت الطاحونة المهجورة على طرف الجبل.
هناك مخبّي أكبر دليل ضده.
ركبنا العربيات وانطلقنا.
الطريق كان ترابي، والليل بدأ ينزل.
ولما وصلنا…
لقينا باب الطاحونة مفتوح.
دخلنا بحذر.
المكان كان مهجور.
لكن كان فيه نور طالع من تحت الأرض.
نزلنا السلم.
وفجأة…
سمعنا صوت سالم الديب وهو بيضحك.
وقال بصوت عالي:
ـ كنت عارف إنكم هتيجوا.
دخلنا القاعة.
كان واقف في النص، وماسك ريموت صغير في إيده.
وقال بابتسامة مرعبة:
ـ لو قرب حد خطوة…
الطاحونة كلها هتطير في الهوا.
بصينا حواليه.
لقينا براميل متوصلة بأسلاك…
ومليانة متفجرات.
وساعتها فهمنا…
إن سالم قرر يدفن الحقيقة…
ويق*تل كل اللي عرفوها معاه.
حكايات شروق خالد
الضابط رفع إيده بسرعة.
ـ محدش يتحرك!
وقفنا كلنا مكاننا.
سالم الديب كان ماسك جهاز التفجير، وابتسامته مرعبة.
قال:
ـ بعد كل السنين دي… فاكرين إنكم هتخرجوا من هنا؟
فارس بصله بغضب.
ـ خلاص يا سالم… اللعبة انتهت.
ضحك سالم.
ـ انتهت؟ دي لسه بدأت.
رفع الريموت قدامنا وقال:
ـ كبسة واحدة… والطاحونة هتبقى تراب.
نجاة خدت نفس عميق، وقالت بهدوء:
ـ لو كنت ناوي تموت… كنت فجرتها أول ما دخلنا.
سالم سكت لحظة.
ابتسمت نجاة.
ـ إنت مش عايز تموت… إنت عايز تهرب.
ملامحه اتغيرت.
عرفت إنها أصابت الهدف.
وفجأة…
رمى الريموت على الأرض ناحية الضباط، وجري ناحية باب جانبي.
صرخ الضابط:
ـ أمسكوه!
بدأت مطاردة عنيفة وسط الممرات الحجرية.
سالم كان حافظ المكان كويس.
لكن وهو بيجري، رجله علقت في حجر كبير.
وقع على الأرض.
قبل ما يقوم، فارس لحقه.
مسكه من جلابيته وقال:
ـ دي حق الناس اللي ظلمتهم.
سالم طلع مسدس من تحت هدومه.
وضرب طلقة.
الطلقة خبطت فارس في كتفه.
صرخت نجاة:
ـ بابا!
الضابط سمعها، وبص لها باستغراب.
لكن مكنش فيه وقت للكلام.
الشرطة سيطرت على سالم، وكبلته قبل ما يضرب طلقة تانية.
في نفس الوقت، خبير المفرقعات كان بيفصل الأسلاك بسرعة.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وأخيرًا قال بصوت عالي:
ـ الحمد لله… القنبلة اتعطلت.
تنفس الجميع الصعداء.
…
خرجوا من الطاحونة.
الإسعاف نقل فارس للمستشفى.
الرصاصة كانت في كتفه، لكنه نجا.
أما سالم…
فاتقبض عليه، وهو ساكت لأول مرة في حياته.
…
بعد أسبوع.
المحكمة كانت مليانة.
أهل البلد كلهم حضروا.
القاضي دخل، وبعد مرافعات طويلة، نطق بالحكم.
السجن المؤبد على سالم الديب.
وأحكام مشددة على باقي أفراد الشبكة.
ومصادرة كل الأموال والأراضي اللي اتاخدت من أصحابها بالتزوير.
أول ما القاضي أنهى كلامه…
بدأ الفلاحين يعيطوا من الفرحة.
ناس رجعت لها أرضها بعد أكتر من عشرين سنة.
…
بعد انتهاء الجلسة، خرجت نجاة من المحكمة.
فارس كان مستنيها برة.
قال بابتسامة هادئة:
ـ ينفع أبدأ أعوض السنين اللي فاتت؟
دمعت عيون نجاة.
بصت لحمزة وعالية، اللي جريوا ناحيته من غير خوف.
حضنهم بحنان.
وقالت وهي تبتسم لأول مرة من قلبها:
ـ العيلة مش بالدم بس…
العيلة باللي يخاف عليك ويحافظ عليك.
وفي نفس اللحظة، رفعت وشها للسما.
وحست إن روح جدتها أخيرًا ارتاحت…
لأن الحقيقة اللي اتدفنت سنين طويلة…
خرجت للنور أخيرًا.
تمت الرواية.
سر الجبل الأسود
حكايات شروق خالد