ورقه من ممرضه قلبت حياتي الجزء الاول شروق خالد
نزلت من مشروع الميكروباص ودموعي مغرقة الطرحة، وبجري في طرقة مستشفى قصر العيني الفرنساوي زي المجنونة. كعب جزمتي كان بيرن في الممر الفاضي، ونفسي مقطوع وأنا بدعي في سري: “يارب استر.. يارب متحرمنيش من طنط ميرفت، دي هي اللي باقية لي من ريحة الحبايب بعد أمي”. مصطفى جوزي بقاله شهر كامل بييجي لوحده، كل يوم يرجع البيت وش الفجر ويقول لي: “أمي تعبانة في العناية ومش عايزة تشوف حد غيري يا عزة، ارتاحي أنتِ وشوفي بس هنسلك الفلوس من تحت الأرض إزاي، عشان مصاريف العناية والـحقن المستوردة اللي ملهاش غطا في قرار علاج نفقة الدولة”. وأنا زي الهبلة، نزلت الغوايش اللي حيلتي وبعتها، وسحبت القرض الدوار، وفكّيت شهادة بنك مصر اللي كنت شايلاها للزمن، وقلت كله فدا حماتي اللي ملهاش ذنب.
وفجأة، وأنا بجري ناحية قسم مخ وأعصاب، لقيت ممرضة بجلابية التمريض الكحلي وملامحها مخطوفة طلعت لي من ورا الستارة. لوت دراعي براحة وسحبتني ورا حيطة الأسانسير، وإيديها كانت بتترعش زي ورقة شجر في ريح طوبة. حطت في إيدي ورقة مكرمشة وقالت بصوت همس مخنوق يادوب مسموع: “أنا الممرضة صباح اللي كلمتك من تليفون المستشفى.. طنط ميرفت حالتها مستقرة وضغطها اتظبط متخافيش.. بس جوزك بيغفلك وبلع شقاكي.. اقري ده حالا!”.
فتحت الورقة بإيد بترتجف، لقيت مكتوب بخط أزرق ملخبط وسريع: “روحي مكتب الأمن اللي في البدروم، غرفة 120. هوريكي كاميرات المراقبة. ومتقوليش للامن برة ولا لأي مخلوق إنك هنا”.
#حكايات_شروق_خالد
جسمي كله قشعر، ومشيت وراها في السلم الداخلي وأنا حاسة إن ركبي بتخبط في بعضها ومش شايلاني. دخلنا أوضة 120، أوضة ضلمة ومكتومة بريحة السجاير الشاي، مفيش فيها غير شاشات المراقبة اللي منورة بضوء باهت معكس على وش صباح التعبان. قالت لي وهي بتكتب الباسورد على الكمبيوتر وعينها على الباب: “دا طلع ممثل قدير ويستاهل أوسكار.. ضحك على الدكاترة والمستشفى كلها بوش الابن البار اللي هيموت على أمه وبيعconnections مع طوب الأرض عشانها.. بس أنا شغلي أراجع كاميرات النبطشية بالليل، واللي شفته يوجع قلب الكافر.. أنا بقطع عيشي بإيدي دلوقتي عشان بوريكي ده، بس حرام فلوسك وشقاكي يترمي في الأرض بالشكل ده وهو بيلعب بيكي وبالست الغلبانة اللي جوة”.
صباح تكت على الماوس، وجابت تسجيل ليلة امبارح، بالظبط الساعة اتنين بالليل قبل ما مصطفى يلم شنطته ويقول لي إنه مسافر “مأمورية تبع الشركة في بورسعيد”. الشاشة ظهرت فيها طنط ميرفت، ست غلبانة نايمة على السرير بالجلابية البيضا، متثبتة بخراطيم الأكسجين ومش قادرة تتحرك ولا تنطق. وفجأة الباب اتفتح ودخل مصطفى. قلبي دق بسرعة، بس الصدمة مكنتش فيه لوحده؛ دخلت وراه بت صايعة، شقرا مية أكسجين، لابسة عباية ضيقة ومكياج صارخ بتاع كوافير حارات، وبتلوك لبانة وبتضحك ضحكة مايعة هزت جدران الأوضة.
الهوا اتقطع من صدري.. مصطفى مقربش من سرير أمه يطمن عليها، ممسكش إيدها ويقرا لها الفاتحة زي ما كان بيقنعني. مد إيده بكل جبروت، وشد سلك زرار الاستدعاء اللي بيكلم الممرضات وفصله من الفيشة اللي في الحيطة ورماه على الأرض بعيد عن إيد أمه! طنط عيونها كانت بتطلع شرار وخوف، دموعها كانت نازلة وهي شايفة ابن بطنها بيقطع عنها النفس وخط الحياة عشان مفيش ممرضة تدخل عليهم.
والبنت الشقرا دي قعدت بكل برود على طرف سرير العيانة، طلعت مراية وقلم روج أحمر فاقع وفضلت تظبط شفايفها قدام الست اللي بين حيا وموت. وفي لحظة، مصطفى مد إيده في جيب الجاكيت، وطلع ظرف أبيض كبييير ومنفوخ، أنا عرفته أول ما شفته؛ دا ظرف الجمعية اللي أنا لسه قابضاها أول امبارح واديهاله في إيده، 300 ألف جنيه كاش عشان “مستلزمات العملية”. رماهم في حجر البنت وقال لها بضحكة صفرا وهو بيغمزلها: “أهو يا قمر.. دا مقدم الشقة اللي ه نكتب عقدها في حدائق الأهرام، عشان ننقل فيها عل طول”.
صوت الفيديو كان واضح ونقي جداً، البنت ضحكت وقالت له بدلع مقرف وهي بتهز الظرف في وشه: “يا غزال أنت.. تسلم إيدك! بس قولي.. الست المحروسة مرتك مألتش الفلوس دي كتيرة ليه وعملت سين وجيم؟”
مصطفى لوى بوزة وضحك بسخرية تملى العين: “المغفلة دي عبيطة وبتصدق أي حاجة، لسه فاكرة إن الفلوس دي رايحة لعملية قلب مفتوح لأمي! سيبك منها، دي حمارة شغل وبس”. وبعدين التفت لأمه، ووشه اتقلب لوش شيطان، شاور بصباعه في وشها وقال بصوت فحيح زي الأفاعي: “خدي بالك يا ولية يا كركوبة.. لو نطقتي بحرف واحد مع الدكاترة الصبح، أو قلتي لـ عزة على البنت، هعمل قرار حجر طبي وأرميكي في ملجأ حكومي من بتاع العجزة المعفنين تقضي فيها اللي باقي من عمرك ومحدش هيعبرك.. سامعة ولا لأ؟”.
طنط ميرفت دموعها كانت نازلة زي المطر على المخدة؛ عاجزة، مش قادرة تتكلم عشان جلطة اللسان، ولا قادرة تتحرك، بتشوف ابنها اللي ربته بدموع عينها وشقاها وهو بيبيعها ويبيع مراته الأصيلة عشان حتة بت شمال.
صوت صرختي هز أوضة الأمن في البدروم، صرخت صرخة مكتومة طلعت من غليلي ومن قهرتي وسنين عمري اللي راحت مع الخاين ده، والممرضة صباح حطت إيدها على بوقي وهي مرعوبة وبتقول لي: “وحدي الله يا مدام عزة، هتكشفينا!”. فضلنا واقفين كام ثانية مفيش صوت غير نفسنا العالي، وفي اللحظة دي.. عزة الغلبانة الطيبة، بنت الأصول اللي كانت بتدور لمصطفى على أعذار وتقول معلش ضغط الشغل، اللي كانت فاكرة إن الأصل هيرد الجميل، اللي صدقت كل كذبة عشان تحافظ على بيتها وعيالها.. اتبخرت وملهاش وجود تاني.
مسحت دموعي بطرف الطرحة براحة وبكل برود. لما بصيت للشاشة تاني، مبقاش فيه وجع قلب ولا دموع، بقى فيه تار وعقل شغال زي الآلة الحاسبة ومن غير رحمة. التفت للممرضة صباح، وبصوت هادي جداً، ناشف وزي الرصاص، قلت لها: “أنا عايزة نسخة من كل ثانية في الفيديو ده على فلاشة.. هاتيلي تسجيل الشهر كله”.
صباح بصت في عيني ووقفت مذهولة، لأنها شافت في عيوني الوش التاني؛ الوش الصعيدي الناشف اللي مصطفى عمره ما شافه ولا يتخيله. من اللحظة دي، مصطفى مابقاش عنده زوجة مخلصة بتجري وراه وبتدادي فيه، مصطفى بقى عنده غريم هيدفّعه تمن كل قرش، وكل دمعة، وكل ثانية استغفال.. والأيام بيننا يا ابن الشناوي، وخراب بيتك هيبقى على إيدي.
#حكايات_شروق_خالد
خرجت من أوضة الأمن وأنا ماسكة الفلاشة في قبضة إيدي لدرجة إن صوابعي وجعتني. الممرضة صباح كانت ماشية جنبي وهي بتبص حواليها بخوف.
قالت وهي بتهمس:
“خلي بالك يا مدام عزة… مصطفى ليه معارف هنا. لو عرف إنك شوفتي التسجيلات، ممكن يحاول يمسحها.”
رفعت الفلاشة قدام عيني وقلت بثقة:
“حتى لو مسحها من هنا… الدليل بقى معايا.”
ابتسمت صباح لأول مرة، وقالت:
“ربنا ينصرك.”
طلعت من البدروم وطلعت على أوضة حماتي.
وقفت قدام الباب، أخدت نفسًا عميقًا، ودخلت.
أول ما شافتني طنط ميرفت، عينيها لمعت بالدموع.
قربت منها، مسكت إيدها، وبستها.
قلت لها:
“اطمني… أنا عرفت كل حاجة.”
بدأت تبكي، وتحرك رأسها بصعوبة.
طلعت الفلاشة من شنطتي ووريتها لها.
قلت:
“أنا شفت التسجيل.”
شهقت شهقة خفيفة، ودموعها زادت.
قربت من ودنها وهمست:
“حقك… وحقّي… هيرجع.”
في اللحظة دي الباب اتفتح.
دخل مصطفى.
كان شايل كيس فاكهة وباقة ورد، وعلى وشه نفس ابتسامة الزوج المثالي.
أول ما شافني، اتصدم.
“عزة! إنتِ هنا؟”
ابتسمت له بهدوء.
“آه… قولت أجي أطمن على أمي.”
ارتبك للحظة، لكنه تماسك بسرعة.
قرب من السرير، باس راس أمه قدامي، وقال بصوت مليان تمثيل:
“إزيك يا ست الكل؟”
طنط ميرفت لفت وشها الناحية التانية.
لاحظت الارتباك اللي ظهر في عينيه.
بص لي وقال:
“مالك يا عزة؟ شكلك متغير.”
ابتسمت نفس الابتسامة الهادية.
“يمكن… عشان بقيت بشوف الحقيقة.”
فضل يبص لي كام ثانية.
واضح إنه حس إن فيه حاجة غلط.
لكن عمره ما تخيل إن كل أوراقه اتحرقت.
…
رجعنا البيت.
طول الطريق كان بيحاول يفتح أي كلام.
يحكي عن الدكتور…
وعن العملية…
وعن تمن الحقن.
وأنا كل شوية أقول:
“آه.”
“تمام.”
“ربنا يسهل.”
لحد ما وصلنا.
دخل الحمام ياخد دش.
وأول ما الباب اتقفل…
فتحت الدولاب.
طلعت كل العقود.
إيصالات الأمانة.
عقد الشقة.
دفاتر البنك.
وشهادات الاستثمار.
وصورت كل ورقة بالموبايل.
بعدها دخلت على تطبيق البنك.
لقيت الحساب اللي كان فيه تحويشة عمرنا…
فاضي.
ولا جنيه.
ابتسمت.
دلوقتي فهمت.
مش بس الجمعية…
ده كان بيسحب الفلوس من ورا ضهري من شهور.
…
تاني يوم الصبح…
خرج من البيت وهو فاكر إني رايحة شغلي في مشروع الميكروباص.
لكني ركبت تاكسي.
وقلت للسواق:
“على الشهر العقاري.”
وهناك…
عملت توكيل عام بالقضايا لمحامي كبير كان زميل أبويا الله يرحمه.
بعدها رحنا البنك.
طلعت كشف حساب آخر سنة.
كل عملية سحب…
كل تحويل…
كل جنيه خرج من الحساب.
كان قدامي بالدقيقة والثانية.
المحامي بص في الورق، ورفع عينه ناحيتي.
وقال:
“إنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي؟”
بصيت له بثبات.
“أنا لسه ما بدأتش.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
“واضح إن جوزك فاكر نفسه ذكي… لكنه وقع في غلطة قاتلة.”
سألته:
“إيه هي؟”
قال وهو بيرفع الفلاشة من على المكتب:
“الفلوس ممكن ينكرها… والكلام ممكن يكذبّه… لكن الفيديو ده…”
سكت لحظة.
“…ده هيوديه في داهية.”
وفي نفس اللحظة…
رن تليفوني.
كان مصطفى.
رديت.
قال وهو بيضحك:
“حبيبتي… جهزي نفسك. الأسبوع الجاي هنعمل عملية أمي.”
بصيت للمحامي…
وبعدين بصيت للفلاشة…
ورديت عليه بمنتهى الهدوء:
“متقلقش يا مصطفى… العملية الجاية فعلًا هتتعمل.”
ضحك وقال:
“عرفتِ منين؟”
ابتسمت، وأنا ببص من شباك المكتب على مبنى المحكمة المقابل.
وقلت:
“لأنها هتكون… عملية جراحية في حياتك كلها.”
وسكت…
أما هو…
فكان لسه ميعرفش إن أول بلاغ رسمي ضده اتسجل بالفعل…
وإن العد التنازلي لسقوطه بدأ.
#حكايات_شروق_خالد