البيت اللي رموني فيه… ولما بنيته بإيدي حاولوا ياخدوه مني ج2 حكايات شروق خالد
وش أمي اتغير.
مش كتير.
بس أنا كنت أعرفها كويس كفاية علشان أشوف اللحظة اللي الثقة اختفت فيها من عينيها.
بصت للدفتر.
وبعدين بصت لي.
وقالت:
“توقيعات إيه؟”
قفلت الدفتر بهدوء.
“العقد اللي إنتي وبابا مضيتوا عليه قبل ما أبدأ الترميم.”
ضحكت.
بس ضحكتها المرة دي كانت مصطنعة.
“يا نورا، بلاش كلام فارغ. الورقة دي ما تسواش حاجة.”
“دي مش ورقة.”
“أمال إيه؟”
“عقد موثق.”
سكتت.
أول مرة من ساعة ما دخلت البيت، تسكت.
مديت إيدي ناحية درج المطبخ، وطلعت ملف شفاف.
فتحته.
طلعت نسخة من الاتفاق.
وحطيتها قدامها.
أمي ما لمستهاش.
فضلت باصة لها كأنها قنبلة.
قلت:
“البند التالت. اقريه.”
“أنا مش محتاجة أقرا حاجة.”
“يبقى أنا أقراهولك.”
مسكت الورقة.
وقلت:
“في حالة قيام الطرف الثاني، اللي هو أنا، بإعادة تأهيل العقار وجعله صالحًا للسكن خلال مدة لا تتجاوز اتناشر شهر، وعلى نفقته الخاصة، يلتزم الطرف الأول بنقل ملكية العقار إليه مقابل جنيه واحد.”
أمي رفعت عينيها لي.
“العقار لسه باسم الشركة.”
“عارفة.”
“يبقى خلص الكلام.”
“لأ.”
قربت الورقة منها.
“لأن الاتفاق ملزم للشركة بنقل الملكية ليا بمجرد تنفيذ الشروط.”
“وإنتي لسه ما خلصتيش.”
ابتسمت.
“خلصت.”
“إيه؟”
“المعاينة النهائية كانت من أسبوعين.”
طلعت ورقة تانية.
“ودي شهادة إن البيت بقى صالح للسكن.”
وورقة تالتة.
“وده تقرير المهندس.”
وورقة رابعة.
“وده إثبات كل المصاريف.”
وفتحت الدفتر الأسود.
“وده كل جنيه اتصرف من أول يوم.”
أمي بصت للورق.
ولأول مرة، شفت حاجة عمري ما شفتها على وشها وهي بتتعامل معايا.
خوف.
لكنها خبته بسرعة.
قفلت الملف الأصفر بعنف وقالت:
“أبوكي هيتصرف.”
“أكيد.”
“إنتي فاكرة إنك هتقفي قدام أهلك في المحاكم؟”
“أنا مش اللي بدأت.”
“إحنا أهلك!”
“افتكرتي ده دلوقتي؟”
رفعت صوتها.
“إوعي تتكلمي معايا بالطريقة دي!”
بصيت لها بثبات.
“دي أول مرة أتكلم معاكي بالطريقة اللي كان لازم أتكلم بيها من سنين.”
سحبت الملف الأصفر من على الرخامة.
وقلت:
“خديه معاكي.”
“نورا…”
“وخلي فيفيان تدور على مكان تاني.”
وشها احمر.
“أختك في أزمة!”
“وأنا لما كنت في أزمة، عملتوا إيه؟”
“إحنا اديناكي بيت!”
ضحكت.
غصب عني ضحكت.
“بيت عليه قرار إزالة؟ بيت مليان عفن ومواسيره بايظة وكهربته كانت ممكن تقتلني؟ ده اللي بتسميه هدية؟”
“بس دلوقتي بقى بيت جميل.”
“بالضبط.”
سكتت.
الكلمة وقعت بينا تقيلة.
بالضبط.
دلوقتي بس بقى ليه قيمة.
دلوقتي بس فيفيان محتاجاه.
دلوقتي بس افتكروا إن البيت موجود.
أمي خدت شنطتها وقالت قبل ما تمشي:
“هتندمي.”
قلت:
“يمكن. بس مش على البيت.”
خرجت.
وقبل ما الباب يقفل، سمعتها بتتكلم في التليفون.
“حمدي… عندنا مشكلة.”
كنت أعرف إن المشكلة الحقيقية لسه ما بدأتش.
وتاني يوم الصبح، أبويا اتصل بيا.
سبعتاشر مرة.
ما رديتش.
بعدها فيفيان اتصلت.
تسع مرات.
ما رديتش.
وبعدين وصلتني رسالة منها:
“إنتي فعلًا هتسيبيني في الشارع علشان بيت خردة؟”
بصيت للرسالة فترة طويلة.
وبعدين كتبت:
“لو هو بيت خردة، ليه عايزاه؟”
ظهر إنها بتكتب.
اختفت.
ظهرت تاني.
وبعدين وصلت الرسالة:
“ماما قالت إنك واخدة البيت مؤقت.”
رديت:
“ماما كدبت.”
المرة دي اتصلت فورًا.
رديت.
صرخت:
“إنتي مجنونة؟!”
بعدت الموبايل عن ودني.
“صباح الخير يا فيفيان.”
“إنتي عارفة أنا بمر بإيه؟”
“لأ.”
“خسرت شقتي!”
“سمعت.”
“وجوزي سابني!”
سكت.
دي كانت أول مرة أعرف إنها اتجوزت أصلًا.
أو يمكن كانت خطوبة عرفي، أو علاقة أهلي خبوا تفاصيلها عني كعادتهم.
قالت وهي بتعيط:
“كل حاجة ضاعت.”
قلت بهدوء:
“أنا آسفة إنك بتمري بده.”
سكتت لحظة.
واضح إنها ما توقعتش مني الرد ده.
وبعدين قالت:
“يبقى سيبيني أقعد في البيت.”
“لأ.”
“إنتي لسه قايلة إنك آسفة!”
“آه. التعاطف مش معناه إني أديكي بيتي.”
“إنتي أنانية.”
الكلمة دي ضحكتني.
أنا.
أنانية.
البنت اللي طول عمرها بتتنازل.
البنت اللي كانت تدي أختها هدومها الجديدة لو فيفيان عجبتها.
البنت اللي لغت رحلة تخرجها علشان تحضر حفلة رقص لأختها.
البنت اللي كانت بتسمع:
“خليكي الكبيرة.”
مع إن الفرق بينا سبع دقايق.
قلت:
“يمكن جه وقت أبقى أنانية.”
وقفلت.
بعد ساعتين، عربية أبويا وقفت قدام البيت.
نزل منها هو وأمي.
ومعاهم راجل لابس بدلة.
فتحت الباب.
أبويا ما قالش صباح الخير.
دخل وقال:
“إحنا جايين ننهي المهزلة دي.”
الراجل اللي معاه فتح شنطته.
محامي.
ابتسمت.
“كويس.”
أبويا بص لي.
“إيه اللي كويس؟”
“إنكم جبتوا محامي.”
“نورا، بلاش تستفزيني.”
“وأنا كمان عندي محامية.”
حكايات شروق خالد
وشه اتغير.
أمي قالت بسرعة:
“محامية مين؟”
وقبل ما أرد، سمعنا صوت عربية وقفت بره.
دخلت مادي.
وخلفها ست في أواخر الأربعينات، لابسة بدلة رمادي، ماسكة شنطة جلد.
ابتسمت لي.
“صباح الخير يا نورا.”
قلت:
“صباح النور يا أستاذة سلمى.”
أبويا بص لي كأنه شايفني لأول مرة.
المحامية سلمت على محاميهم.
وبعدين قعدنا كلنا حوالين السفرة اللي أنا صنعتها بإيديا من خشب باب قديم لقيته في البيت.
أستاذة سلمى فتحت ملفها.
وقالت:
“موكلتي نفذت جميع شروط الاتفاق.”
محامي أبويا قال:
“العقار لا يزال مملوكًا للشركة.”
“صحيح.”
“إذن لا يحق لها منع المالك من التصرف فيه.”
أستاذة سلمى ابتسمت.
“إلا إذا كان هناك التزام تعاقدي سابق يمنع التصرف.”
وسحبت نسخة من العقد.
أبويا بص لي.
أنا ما بصتش له.
المحامي قرأ الورق.
كل ما كان يقلب صفحة، وشه كان بيتغير.
لحد ما رفع عينه وقال:
“العقد موثق فعلًا.”
أمي قالت:
“يعني إيه؟”
المحامي ما ردش فورًا.
أبويا قال بعصبية:
“اتكلم.”
تنحنح الراجل.
“يعني… لو الآنسة نورا أثبتت إنها نفذت الشروط كاملة، فمن حقها تطالب بإجبار الشركة على نقل الملكية.”
أمي قالت:
“بس إحنا أصحاب الشركة!”
أستاذة سلمى ردت:
“وده ما يلغييش العقود اللي الشركة وقعتها.”
أبويا ضرب كفه على السفرة.
“أنا مضيت على الورق ده كهزار!”
قلت:
“التوثيق ما يعرفش الهزار.”
لف ناحيتي.
“إنتي خططتي لكل ده.”
“أنا حميت نفسي.”
“من أهلك؟”
بصيت له.
“أيوه.”
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل.
أمي بصت لي كأنني ارتكبت جري*مة.
لكن الحقيقة؟
أنا كنت أخيرًا بطلت أكون الضحية المناسبة.
أبويا وقف.
“هنشوف المحكمة هتقول إيه.”
أستاذة سلمى قالت:
“طبعًا.”
وقفت هي كمان.
“وبالمناسبة، إحنا قدمنا بالفعل طلب إثبات حالة، وأي محاولة لبيع العقار أو نقله لطرف آخر هنتعامل معاها قانونيًا فورًا.”
أبويا بص لي.
“إنتي رفعتِ علينا قض*ية؟”
قلت:
“لسه.”
سكت لحظة.
“لكن لو اضطريت… هعملها.”
خرجوا.
لكن قبل ما أبويا يوصل للباب، وقف.
لف ناحيتي.
وقال:
“بعد كل اللي عملناه علشانك؟”
بصيت له.
وحاولت أفتكر.
كل اللي عملوه علشاني.
دورت في ذاكرتي.
حفلات فيفيان.
هدايا فيفيان.
شقق فيفيان.
فرص فيفيان.
وأنا؟
أنا كنت دايمًا المشروع اللي لازم يصلح نفسه بنفسه.
قلت:
“إنتوا ما عملتوش حاجات علشاني يا بابا.”
قربت خطوة.
“إنتوا عملتوا حاجات بيا.”
خرج من غير ما يرد.
بعد أسبوع، بدأت الحرب الحقيقية.
قرايب اتصلوا.
عمتي قالت إني جاحدة.
خالي قال إن البيت في النهاية “ملك العيلة”.
جدتي طلبت مني أتنازل علشان “ما نخسرش بعض بسبب شوية طوب”.
ولا حد فيهم سألني:
دفعتِ كام؟
تعبتِ قد إيه؟
نمتي كام ليلة على الأرض؟
اتجرحتي كام مرة؟
خسرتِ كام ساعة من حياتك؟
بالنسبة لهم، تعبي ماكانش له قيمة.
لأنهم اتعودوا إن نورا تتعب.
ونورا تصلح.
ونورا تسكت.
لكن بعد عشرة أيام، حصل شيء محدش كان متوقعه.
وصلني ظرف رسمي.
فتحته.
وقريت الورقة مرتين.
حكايات شروق خالد
أبويا وأمي كانوا بيحاولوا يثبتوا إنني خالفت شروط الاتفاق.
السبب؟
قالوا إن البيت لم يصبح صالحًا للسكن خلال المدة المحددة.
بصيت للتاريخ.
وبعدين ابتسمت.
لأنهم نسوا حاجة واحدة.
أنا ما كنتش محتفظة بالإيصالات بس.
كنت محتفظة بكل شيء.
صور قبل الترميم.
صور أثناء الترميم.
فيديوهات بتاريخها.
تقارير المهندسين.
تصاريح.
فواتير.
رسائل.
وحتى تسجيل صوتي لأبويا وهو واقف في البيت قبل خمسة شهور، بيقول لعم جابر:
“سيبها تضيع فلوسها. لما تزهق هنبيع الأرض.”
قفلت الظرف.
وفتحت الدفتر الأسود.
وكتبت في صفحة جديدة:
“هما فاكرين إنهم داخلين حرب مع البنت اللي ربوها.”
وقفت عند الشباك وبصيت للبيت اللي بنيته من تحت الركام.
ثم كملت:
“بس البنت دي ما بقتش موجودة.”
حكايات شروق خالد