اعطتني امي المقعد الرئيسي

إذا انكسرت يد سارة، فلن يبقى لديها أي فرصة في الامتحان…
خرج صوت زهراء الكعبي من الهاتف واضحاً، حاداً، بارداً، كأنه لم يكن مجرد تسجيل عابر، بل اعتراف خرج من تحت التراب في اللحظة التي ظن الجميع فيها أن الحقيقة دُفنت إلى الأبد.
لم تكمل الجملة وحدها.
بعد ثانية واحدة، ظهر الممر في شاشة الهاتف.
الممر نفسه الذي مشيت فيه قبل أسبوع وأنا أحمل كتبي بيدي اليمنى، قبل أن تتحول تلك اليد إلى ضماد أبيض ثقيل لا أستطيع حتى أن أحرك أصابعي داخله دون أن أشعر بأن الألم يصعد إلى كتفي.
كان التصوير من زاوية كاميرا المراقبة أعلى السلم.
الصورة لم تكن مثالية، لكنها كانت كافية.
كافية جداً.
ظهرت زهراء واقفة قرب زاوية الدرج.
لم تكن تركض.
لم تكن مصدومة.
لم تكن عابرة صدفة كما قالت يوم الحادث.
كانت واقفة تنتظر.
تنظر مرة إلى الأسفل.
ومرة إلى الممر.
ثم ظهر صوتها مرة أخرى من الفيديو، هذه المرة أهدأ، كأنها كانت تتحدث إلى إحدى الطالبات أو ربما إلى نفسها وهي تمسك هاتفها
المقعد لازم يكون إليّ… الأستاذة أميرة وعدتني ما تخليني أضيع بعد كل التعب.
ارتفعت شهقة من إحدى الطالبات في آخر الصف.
لكن لا أحد تكلم.
حتى الأستاذة أميرة لم تتكلم.
كانت واقفة في منتصف الصف، والمسطرة الخشبية لا تزال في يدها، لكنها لم تعد تبدو كأداة تهديد.
بدت كشيء ثقيل لا تعرف كيف تتخلص منه.
أما زهراء، فقد كانت عيناها معلقتين بالشاشة.
كأنها ترى نفسها للمرة الأولى.
كأنها لم تتوقع أن يكون هناك عين فوق السلم سجلت كل شيء.
ضغطت على الفيديو ليكمل.
ظهرت أنا.
كنت في التسجيل أسير ببطء، أحمل دفتري وملف الامتحانات بيدي اليسرى، بينما كانت حقيبتي على كتفي. لم أكن أنظر إلى زهراء. لم أكن أعرف أصلاً أنها واقفة هناك.
زهراء تحركت خطوة.
ثم توقفت.
ثم نظرت خلفها بسرعة.
بعدها اقتربت مني في اللحظة التي بدأت

أنزل فيها أول درجة.
لا أحد تنفس.
حتى صوت المروحة القديمة في سقف الصف بدا وكأنه توقف.
في التسجيل، مدت زهراء يدها.
لم يكن اصطداماً.
لم تكن زحمة.
لم تكن طالبة تركض ولم تنتبه.
كان دفعاً واضحاً.
دفعاً قصيراً.
لكنه كان كافياً.
ظهرت صورتي وأنا أفقد توازني.
دفاتري تطير من يدي.
حقيبتي تسقط.
جسدي يميل على الدرج.
ثم اختفت نصف الصورة بسبب زاوية الكاميرا، لكن الصوت كان كافياً.
صوت ارتطام.
صوت صرخة.
وصوت زهراء وهي تقول بسرعة وهي تبتعد
لا أحد شاف… لا أحد شاف.
انتهى المقطع.
لكن الصمت الذي جاء بعده كان أثقل من الفيديو نفسه.
لم أسمع بكاء زهراء أولاً.
سمعت صوت نفس أمي.
نفسها كان متقطعاً.
كأن أحداً ضغط على صدرها بكلتا يديه.
نظرت إليها.
لم تكن تنظر إليّ.
كانت تنظر إلى الهاتف.
إلى الشاشة السوداء بعد انتهاء الفيديو.
إلى الحقيقة التي ظهرت أخيراً.
الحقيقة التي كنت أقولها منذ أسبوع، لكنها لم تسمعها.
الحقيقة التي لم تكن تحتاج إلى كاميرا لو أن أمي صدقتني مرة واحدة فقط.
همست إحدى الطالبات
هي دفعتها…
وقالت أخرى
يعني سارة ما كانت تكذب.
ثم بدأت الهمسات تكبر.
وزهراء قالت لنا إنها كانت حادثة.
قالت إن سارة وقعت وحدها.
قالت إن سارة تعمل تمثيلية حتى تأخذ المقعد.
يا ربي… إحنا ظلمناها.
كانت الكلمات تدور حولي، لكنها لم تصل إلى قلبي كما توقعت.
الغريب أنني لم أشعر بالانتصار.
لم أشعر بالراحة.
شعرت فقط بتعب شديد.
كأن جسدي كله لم يعد قادراً على الوقوف.
أما زهراء، فقد تراجعت حتى اصطدم ظهرها بالسبورة.
كان وجهها أبيض تماماً.
شفاهها تتحرك بلا صوت.
ثم قالت أخيراً
لا… لا، المقطع مو واضح.
ضحكت إحدى الطالبات بعصبية.
مو واضح؟ صوتك واضح وصورتك واضحة.
قالت زهراء بسرعة
أنا ما قصدت أدفعها! كنت أريد أوقفها بس… بس هي اختل توازنها.
نظرت إليها.
لأول مرة منذ سنوات، لم أكن تلك البنت الهادئة التي تبتلع كل شيء.
قلت بهدوء
كنتِ تريدين توقفيني؟ من شنو؟ من نزول الدرج؟
ارتبكت.
لا… أقصد… كنت أريد أحچي وياج.
رفعت هاتفي.
قبل ما أدخل الفيديو قلتِ إذا انكسرت يد سارة، ما يبقى إلها فرصة.
لم تستطع الرد.
نظرت إلى أمي.
كانت أمي لا تزال في مكانها.
المسطرة سقطت من يدها أخيراً.
ارتطمت بالأرض بصوت خفيف.
لكنني شعرت بذلك الصوت أقوى من صوت الزجاج عندما كسرته.
كأن هيبتها كلها سقطت معها.
اقتربت المديرة من باب الصف.
لم أكن قد انتبهت أنها جاءت.
كانت معها المرشدة التربوية، والمدير أبو زيد، وموظف من الإدارة يحمل ملفاً بيده.
يبدو أن الصراخ وتحطم زجاج الخزانة وصوت الطالبات جذبهم إلى الصف.
وقف المدير عند الباب، ونظر إلى الزجاج المتناثر، ثم إلى وجهي، ثم إلى يد أمي، ثم إلى هاتفي.
قال بصوت حازم
شنو اللي صار هنا؟
لم تجبه أمي.
لأول مرة، الأستاذة أميرة التي كانت تعرف كيف تدير الاجتماعات، وتصحح الأخطاء، وتوبخ الطالبات، وتشرح القوانين، وتكتب التقارير، لم تجد جملة واحدة تقولها.
مددت هاتفي للمدير.
هذا الفيديو وصلني من قسم المراقبة.
أخذه مني بحذر.
أعدت تشغيله أمامه.
كل من في الصف شاهد الفيديو مرة أخرى.
هذه المرة لم أراقب زهراء.
راقبت أمي.
كل ثانية في التسجيل كانت تضرب وجهها بطريقة لا تراها الطالبات.
عندما ظهر صوت زهراء وهي تتحدث عن كسر يدي، أغمضت أمي عينيها.
وعندما ظهرت لحظة الدفع، فتحت عينيها فجأة.
وعندما سمعنا صوت سقوطي، وضعت يدها على فمها.
لكنها لم تبكِ.
لم تبكِ بعد.
كأن الصدمة كانت أكبر من الدموع.
انتهى الفيديو للمرة الثانية.
قال المدير أبو زيد بصوت منخفض لكنه واضح
الصف كله يبقى مكانه. لا أحد يطلع.
ثم التفت إلى الموظف.
استدعِ مسؤول الكاميرات فوراً. وأريد نسخة أصلية من التسجيل، مو من الهاتف. وأريد دفتر المناوبة لذلك اليوم. وأسماء الطالبات اللي كانوا بالممر.
ارتجفت زهراء.
أستاذ، أرجوك…
رفع يده.
لا تحچين هسه.
ثم نظر إلى أمي.
أستاذة أميرة، تعالي وياي للإدارة.
هنا تحركت أمي أخيراً.
لكنها لم تتجه إلى المدير.
اتجهت نحوي.
كانت تمشي ببطء، كأن المسافة بيننا صارت أطول من كل السنوات التي عشناها في بيت واحد.
وقفت أمامي.
رفعت يدها، ربما لتلمس وجهي حيث ظهر أثر المسطرة على شفتي.
لكنني تراجعت خطوة.
توقفت يدها في الهواء.
ثم أنزلتها.
قالت بصوت مكسور
سارة…
نظرت إليها.
لم أقل شيئاً.
قالت مرة أخرى
بنتي…
هذه الكلمة تحديداً كانت أكثر ما يؤلمني.
بنتي.
أين كانت هذه الكلمة عندما أخذت الملف ووقعت اسم زهراء؟
أين كانت عندما اتهمتني أمام الصف؟
أين كانت عندما ضربتني بالمسطرة لأنني رفضت الاعتذار لمن دفعتني من الدرج؟
قلت بهدوء شديد
لا تقولي بنتي.
ارتجف وجهها.
سارة، أنا…
قاطعتها.
الأستاذة أميرة.
أغمضت عينيها كأنني صفعتها.
لكنني لم أشعر بالشفقة.
ليس في تلك اللحظة.
قلت
أمام المدير والمرشدة والطالبات كنتِ الأستاذة أميرة. أمام حقي كنتِ الأستاذة أميرة. أمام ألمي كنتِ الأستاذة أميرة. فخلّيج الآن الأستاذة أميرة.
بعض الطالبات بدأن يبكين بصمت.
لم أعرف إن كن يبكين لأجلي أم لأنهن شعرن بالخجل من أنفسهن.
زهراء كانت تجلس الآن على أحد المقاعد، رأسها بين يديها، وكتفاها يهتزان.
لكنني لم أستطع أن أشفق عليها.
كنت أتذكر فقط صوتها في الفيديو.
إذا انكسرت يد سارة.
كأن يدي لم تكن جزءاً مني.
كأنها مجرد عقبة يجب إزالتها من طريقها.
قال المدير بحزم أكبر
أستاذة أميرة، تفضلي للإدارة.
تحركت أمي هذه المرة.
لكن قبل أن تخرج، التفتت إلى زهراء.
كانت نظرتها غريبة.
ليست غضباً فقط.
ولا خيبة فقط.
كانت نظرة امرأة أدركت فجأة أنها خسرت ابنتها من أجل طالبة كانت تكذب عليها.
خرجوا من الصف.
وبقيت أنا واقفة في منتصف الغرفة.
الزجاج على الأرض.
دمي على شفتي.
يدي المكسورة معلقة.
والطالبات ينظرن إليّ كأنهن لا يعرفن ماذا يفعلن بالذنب الذي هبط عليهن فجأة.
اقتربت مني مروة،
لمحة نيوز

إحدى الطالبات اللواتي كن يتهامسن قبل دقائق.
قالت بصوت خافت
سارة… إحنا آسفين.
نظرت إليها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
لكنني لم أعرف ماذا أقول.
الاعتذار عندما يأتي متأخراً لا يمحو الصوت الذي سبق.
ولا يعيد الأيام التي قض..يتها وأنا أسمعهم يقولون إنني بنت المشرفة المدللة.
ولا يعيد الليالي التي كنت أدرس فيها وأنا أضع الكمادات على يدي.
ولا يعيد المقعد الذي كاد يضيع.
قلت فقط
خلو الطريق.
ابتعدن فوراً.
جلست على آخر مقعد في الصف.
المقعد الذي كنت أعرفه أكثر من أي مكان في المدرسة.
المقعد الذي أجلس فيه منذ ثلاث سنوات.
منه كنت أرى السبورة بصعوبة.
ومنه كنت أسمع أمي تمدح زهراء أمام الجميع.
ومنه كنت أتعلم أن التفوق وحده لا يكفي إذا كان أقرب شخص إليك لا يراك.
بعد دقائق، عادت المرشدة التربوية وحدها.
كانت امرأة هادئة اسمها الست هناء.
اقتربت مني دون أن تلمسني.
وقالت
سارة، تقدرين تمشين وياي للإدارة؟ نحتاج نسمع إفادتج.
نظرت إلى يدي.
ثم إلى الصف.
ثم نهضت.
كانت زهراء لا تزال جالسة في مكانها.
وعندما مررت بجانبها، رفعت رأسها فجأة.
قالت وهي تبكي
سارة، والله ما كنت أريد أكسر إيدج.
توقفت.
نظرت إليها.
كنتِ تريدين شنو بالضبط؟
سكتت.
قولي.
بلعت ريقها.
كنت… كنت خايفة أخسر المقعد.
قلت
فقررتِ أخسر أنا يدي؟
أخفضت رأسها.
أنا غلطت.
قلت
لا، زهراء. الغلط أن تنسي واجب. الغلط أن تتأخري عن الدرس. الغلط أن تقولي كلمة وتندمين عليها. أما أن تنتظري إنسانة على الدرج وتدفعيها حتى تضيع فرصتها… هذا مو غلط بسيط.
غادرت الصف قبل أن تجيب.
في مكتب الإدارة، كان الجو مختلفاً تماماً عن الصباح.
نفس الطاولة.
نفس الكراسي.
نفس الملف.
لكن كل شيء تغيّر.
الملف الذي وُقّع باسم زهراء كان الآن مفتوحاً أمام المدير.
والمرشدة تكتب ملاحظات.
ومسؤول الكاميرات يقف بجانب جهاز الحاسوب المحمول.
وأمي تجلس على الكرسي المقابل، رأسها منخفض، ويداها متشابكتان بقوة.
لم تجلس كأم.
ولم تجلس كمشرفة واثقة.
جلست كإنسانة أدركت أن قراراً واحداً قد يهدم كل ما كانت تظنه عدلاً.
قال المدير
شغّلوا النسخة الأصلية.
فتح مسؤول الكاميرات التسجيل من النظام مباشرة.
لم يكن هناك مجال للشك.
التاريخ واضح.
الوقت واضح.
الممر واضح.
زهراء واضحة.
وأنا واضحة.
شاهدوه مرة ثالثة.
لكن هذه المرة كان المشهد رسمياً.
لم يعد مجرد صدمة داخل الصف.
صار ملفاً.
محضراً.
تحقيقاً.
ورقة ستُرفع إلى مديرية التربية.
قال المدير ببطء
هذا التسجيل يثبت أن الحادث لم يكن عفوياً.
ثم نظر إلى أمي.
ويثبت أن الطالبة سارة لم تكذب.
لم ترفع أمي رأسها.
قالت بصوت خافت
أعرف.
التفتُّ إليها.
كلمة أعرف جاءت متأخرة جداً.
قالت المرشدة
سارة، نريد نسمع منج بالتفصيل. من يوم الحادث إلى اليوم.
جلست.
لأول مرة، جلست في مكتب الإدارة ليس كطالبة متهمة بالحسد، ولا كابنة يجب أن تصمت حتى لا تحرج أمها.
جلست كشخص له حق في أن يُسمع.
بدأت أحكي.
حكيت عن يوم الحادث.
عن ألم السقوط.
عن زهراء التي قالت إنها لم تكن قريبة مني.
عن الطالبات اللواتي كررن أنني وقعت وحدي.
عن أمي التي لم تسألني أكثر من مرة واحدة عما حدث.
عن الليالي التي بكيت فيها لأن يدي التي أكتب بها لم تعد تطاوعني.
عن خوفي من الامتحان.
عن المقعد الذي كان أملي الوحيد.
وعن لحظة توقيع اسم زهراء أمامي.
لم أرفع صوتي.
لم أبالغ.
لم أضف شيئاً.
كنت فقط أضع الحقيقة على الطاولة قطعة قطعة.
كلما تكلمت، كان وجه أمي ينخفض أكثر.
وعندما وصلت إلى الصف، وإلى المسطرة، وإلى الدم في شفتي، ارتجفت يد المرشدة وهي تكتب.
قال المدير
أستاذة أميرة، هل صحيح أنكِ ضربتِ الطالبة سارة بالمسطرة داخل الصف؟
ظل الصمت ثقيلاً.
ثم قالت أمي
نعم.
لم تقل ابنتي.
قالت الطالبة سارة.
ربما لأنها فهمت أخيراً أن الأمر لم يعد عائلياً فقط.
قال المدير
وهل كان ذلك أمام الطالبات؟
نعم.
وهل كانت الطالبة مصابة بكسر في اليد وقتها؟
أغمضت عينيها.
نعم.
قال المدير بصرامة
هذا تصرف غير مقبول تربوياً ولا إدارياً.
لم تجادل.
لم تدافع عن نفسها.
لم تقل إنها كانت غاضبة.
لم تقل إنني أحرجتها.
فقط قالت بصوت متهدج
أخطأت.
نظرت إليها.
كنت أنتظر هذه الكلمة منذ سنوات.
لكنها عندما جاءت، لم تشفِ شيئاً.
بعدها دخلت زهراء مع موظفة الإدارة.
لم تعد تبكي بصوت عالٍ.
كانت ملامحها منهارة.
جلست على الكرسي بجانب الباب.
قال المدير
زهراء، التسجيل واضح. لكن نعطيج فرصة تتكلمين. هل دفعتِ سارة على الدرج؟
هزت رأسها بسرعة.
ما كنت أقصد يصير كسر.
قال
السؤال واضح. هل دفعتِها؟
صمتت.
ثم بدأت تبكي.
نعم.
سمعت الكلمة.
نعم.
كلمة واحدة فقط.
لكنها جعلت كل الهمسات التي اتهمتني تنهار دفعة واحدة.
قالت زهراء
كنت خايفة. كنت حاسة أن المقعد راح يروح لسارة. كل الناس يقولون سارة أعلى معدل. وأنا… أنا كنت أريد أطلع من حياتي. كنت أريد أفرح أمي. أستاذة أميرة ساعدتني هواي. حسيت إذا خسرت المقعد راح أخسر كلشي.
قالت أمي فجأة
وأنا لم أطلب منج تأذينها.
نظرت إليها زهراء بحزن وخوف.
بس أنتِ كل يوم كنتِ تقولين إن سارة قوية وتكدر تنجح وحدها. كنتِ تقولين أنا ما عندي أحد. كنتِ تقولين لازم آخذ فرصة.
ارتجف وجه أمي.
قالت زهراء
أنا فهمت أن وجود سارة هو المشكلة.
هنا رفعت رأسي ونظرت إلى أمي.
لم تكن زهراء وحدها من دفعني على الدرج.
نعم، يدها هي التي فعلت ذلك.
لكن الكلمات التي سبقت يدها جاءت من مكان أعمق.
من المقارنات.
من التفضيل.
من كل مرة قالت فيها أمي إنني قوية بما يكفي لأتحمل، وإن زهراء ضعيفة بما يكفي لتأخذ.
قالت أمي بصوت لا يكاد يُسمع
لم أكن أقصد هذا.
قلت بهدوء
لكن هذا الذي وصل.
نظر الجميع إليّ.
أكملت
كل مرة اخترتِها أمامي، كنتِ تقولين لها إن مكاني قابل للأخذ. وكل مرة قلتِ لي تحملي، كنتِ تقولين لي إن ألمي غير مهم.
غطت أمي وجهها بيديها.
هذه المرة بكت.
لم يكن بكاء الأستاذة التي أحرجتها ابنتها.
ولا بكاء المشرفة التي خافت على سمعتها.
كان بكاء امرأة أدركت بعد فوات الأوان أن العدالة التي كانت تتفاخر بها تحولت في بيتها إلى ظلم.
لكنني لم أقترب.
لم أستطع.
قال المدير
سيتم رفع محضر رسمي إلى المديرية. وبالنسبة للترشيح الجامعي، يتم إيقاف ترشيح زهراء فوراً إلى حين انتهاء التحقيق. ولن يُعتمد أي اسم قبل مراجعة الدرجات والتقارير الطبية وتقرير الحادث.
رفعت زهراء رأسها.
يعني المقعد راح يروح؟
قال المدير
المقعد ليس ملك أحد. المقعد للطالب المستحق. وإذا ثبت أن الترشيح تم بناءً على معلومات غير كاملة أو حادث متعمد، سيتم تصحيح القرار.
ثم نظر إليّ.
سارة، حقج محفوظ.
لم أبكِ.
لكن عيني امتلأتا.
حقج محفوظ.
كم احتجت أن أسمع هذه الجملة من أمي، لا من المدير.
في نهاية ذلك اليوم، لم أعد إلى القسم الداخلي مباشرة.
جلست في ساحة المدرسة على المقعد الحجري قرب شجرة السدر القديمة.
الهواء كان حاراً، لكنني لم أشعر به.
كنت أنظر إلى يدي المعلقة وأتساءل كم مرة يجب أن تنكسر في الإنسان أشياء غير مرئية قبل أن يصدق الآخرون أنه يتألم.
بعد قليل، جاءت أمي.
لم تجلس بجانبي.
وقفت على بعد خطوتين.
كأنها تخاف أن أرفض وجودها إن اقتربت أكثر.
قالت
سارة.
لم أجب.
قالت
أعرف أن الاعتذار ما يكفي.
نظرت إلى الأمام.
قالت
وأعرف أن كلمة آسفة الآن ما تغير اللي صار.
بقيت صامتة.
تابعت بصوت متهدج
أنا كنت أظن نفسي عادلة. كنت أخاف الناس يقولون إني أجامل بنتي. خفت على صورتي قدام المدرسة. خفت على كلام الناس. وفي كل مرة كنت أحاول أثبت إني ما أميزج، كنت أظلمج أكثر.
التفتُّ إليها ببطء.
كانت عيناها حمراوين.
لم أرها بهذا الضعف من قبل.
قالت
زهراء كانت تحتاج مساعدة، نعم. بس هذا ما كان يعني آخذ

منج. هذا ما كان يعني أخليج وحدج. هذا ما كان يعني أصدق كل الناس إلا بنتي.
ابتسمت بمرارة.
ليش احتجتِ فيديو حتى تعرفين هذا؟
سكتت.
لم تجد إجابة.
وهذه كانت الإجابة.
قلت
لو ما وصلتني الرسالة؟ لو ما ظهرت الكاميرا؟ كنتِ رح تخليها تأخذ المقعد. وكنتِ رح تخليني أعتذر إلها. ويمكن كنتِ رح ترجعين للبيت مقتنعة إنج سويتي الصح.
انكسرت ملامحها.
يمكن.
كانت أول مرة لا تبرر.
أول مرة لا ترتب الكلام حتى تظهر بصورة جيدة.
أول مرة تقول الحقيقة كما هي، حتى لو كانت ضدها.
قالت
يمكن كنت رح أسوي هذا.
نظرت إلى الأرض.
ثم قالت
وهذا أكثر شي مخوفني من نفسي.
ساد بيننا صمت طويل.
لم يكن صمتاً فارغاً.
كان ممتلئاً بكل ما لم نقله طوال السنوات الماضية.
ثم قالت
سارة، أنا راح أكتب إفادتي كاملة. وأتحمل نتيجة اللي سويته. وأطلب من الإدارة إعادة النظر بالترشيح. مو لأنج بنتي. لأنج صاحبة الحق.
لم أجب.
قالت
وما راح أطلب منج تسامحيني.
نظرت إليها.
أكملت
لأن المسامحة مو واجب عليج. أنا اللي لازم أتعلم أكون أم قبل ما أكون مشرفة.
ثم ابتعدت.
بقيت وحدي.
لأول مرة منذ بداية اليوم، سمحت لنفسي بالبكاء.
ليس بكاء ضعف.
ولا بكاء هزيمة.
كان بكاء كل الكلمات التي حبستها حتى لا أكون غير محترمة.
كل الليالي التي أقنعت نفسي فيها أن أمي تحبني بطريقتها.
كل المرات التي رأيت فيها زهراء تأخذ مكاني وأقول لنفسي لا بأس.
لكن لم يعد لا بأس.
في الأسبوع التالي، بدأت التحقيقات الرسمية داخل المدرسة.
استُدعيت الطالبات واحدة تلو الأخرى.
بعضهن اعترفن أن زهراء كانت تتحدث كثيراً عن خوفها من أن تضيع منها التوصية.
وبعضهن قلن إنهن سمعنها قبل يوم الحادث تقول إن إصابتي قد تغيّر ترتيب المرشحات.
وإحدى الطالبات، اسمها نور، جاءت إليّ بعد إفادتها وهي تبكي.
قالت
سارة، أنا سمعتها ذاك اليوم، بس خفت أحچي. خفت من زهراء ومن الأستاذة أميرة.
لم أوبخها.
لم أقل لها إن خوفها ساعد في ظلمي.
كنت متعبة من حمل غضب جديد.
قلت فقط
المرة الجاية لا تسكتين.
هزت رأسها.
وعد.
أما زهراء، فقد تغيّرت تماماً.
لم تعد تمشي في الممرات كما كانت.
لم تعد تجلس في الصف الأول.
لم يعد أحد يلتف حولها كما في السابق.
لم أفرح بذلك.
كان هناك شيء محزن في رؤية إنسان ينهار تحت نتيجة أفعاله.
لكنني تعلمت في تلك الأيام أن الشفقة لا تعني أن تنسى الحقيقة.
بعد انتهاء التحقيق الأولي، صدر قرار من المدرسة بإلغاء ترشيح زهراء للمقعد الدراسي، وإرسال الملف كاملاً إلى مديرية التربية لإعادة تقييم المرشحين.
كما أوصت الإدارة بأن يتم اعتماد المعدلات والتقارير الأكاديمية فقط، دون تدخل أي علاقة شخصية.
تمت مراجعة كل شيء.
درجاتي.
تقاريري.
شهادة المعلمين.
وضعي الصحي بعد الكسر.
حتى تقرير الطبيب الذي قال إنني أحتاج وقتاً للتعافي وأن الكتابة الطويلة ستؤثر على يدي.
وفي نهاية الأسبوع، استدعاني المدير إلى مكتبه مرة أخرى.
دخلت هذه المرة وحدي.
لم تكن أمي بجانبي.
ولم تكن زهراء في الزاوية.
فقط المدير أبو زيد، والمرشدة هناء، وملف جديد على الطاولة.
قال المدير
سارة، بعد مراجعة الملف من الإدارة والمديرية، تقرر ترشيحج رسمياً للمقعد الدراسي المميز في جامعة بغداد.
لم أتحرك.
لم أبتسم فوراً.
بقيت أنظر إلى الورقة.
إلى اسمي.
سارة أميرة؟ لا.
سارة كريم.
اسمي الكامل مكتوب بوضوح.
شعرت أن الحروف نفسها كانت تعيد لي شيئاً سُحب مني أمام عيني.
قالت المرشدة بابتسامة هادئة
مبروك يا سارة. استحقاقج رجع إلج.
لم أستطع منع دموعي هذه المرة.
وقعت الورقة بيدي اليسرى بصعوبة.
كان توقيعي مرتبكاً.
خطه ضعيف.
لكنه كان توقيعي.
وكان قراري.
وعندما خرجت من المكتب، وجدت أمي واقفة في الممر.
لم تقترب.
فقط نظرت إلى الورقة في يدي.
ثم إلى وجهي.
وقالت بصوت منخفض
مبروك.
كلمة واحدة.
لكنها لم تحمل هذه المرة نبرة المشرفة.
كانت نبرة أم تحاول أن تتعلم كيف تبارك دون أن تملك.
قلت
شكراً.
لم أقل ماما.
ولم أقل أستاذة أميرة.
قلت شكراً فقط.
وكان ذلك كل ما أقدر عليه.
مرت الأيام التي بعدها ببطء.
لم تتحول حياتي فجأة إلى قصة سعيدة.
يدي ما زالت تؤلمني.
الكتابة ما زالت صعبة.
والكلام مع أمي صار مثل المشي فوق زجاج مكسور.
نحن في البيت نفسه أحياناً، لكن بيننا مسافة لا تراها العين.
كانت تحاول.
تضع لي الدواء قرب السرير.
تسألني إن كنت أحتاج شيئاً.
تحضر لي الشاي أثناء الدراسة.
لكنها لم تفرض نفسها.
لم تقل انسي.
لم تقل كفاك قسوة.
لم تقل أنا أمك ويجب أن تسامحيني.
وهذا، بطريقة غريبة، جعل وجودها أخف.
في إحدى الليالي، كنت جالسة على الطاولة أحاول حل نماذج الامتحان بيدي اليسرى.
كانت الكتابة بطيئة ومزعجة.
كل سطر يأخذ مني وقتاً طويلاً.
دخلت أمي بهدوء.
وضعت أمامي دفتراً جديداً.
قلت دون أن أرفع رأسي
شنو هذا؟
قالت
سألت المديرية عن وضعج. قالوا تقدرين تقدّمين طلب مراعاة طبية بسبب الكسر. مو تسهيل غير عادل. إجراء رسمي لأي طالبة عندها إصابة مثبتة.
توقفت عن الكتابة.
نظرت إليها.
قالت بسرعة، كأنها تخاف أن أفهمها خطأ
القرار إلج. ما راح أضغط عليج. بس حبيت تعرفين حقج.
حقج.
كانت الكلمة جديدة على لسانها.
قلت
وليش ما قلتي هذا من البداية؟
أخفضت عينيها.
لأنني كنت أخاف من كلام الناس أكثر من خوفي عليج.
لم أجب.
جلست على الكرسي المقابل دون أن تطلب.
قالت
أريد أحچيلج شي، وإذا ما تحبين تسمعين، أقوم.
بقيت صامتة.
اعتبرت صمتي إذناً.
قالت
لما صرت مشرفة، كل الناس كانوا يراقبوني. أي طالبة أساعدها يقولون لأنها تحبها. أي قرار آخذه يقولون عندها مصلحة. ولما صرتِ أنتِ طالبة عندي، صار خوفي أكبر. كنت أقول لنفسي لازم أكون قاسية على سارة حتى ما يقولون أجاملها.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
فصرتِ قاسية عليّ فعلاً.
هزت رأسها والدموع في عينيها.
نعم. وبالغت. ونسيت أن العدالة ما تعني أظلم القريب حتى أرضي البعيد.
تأملت وجهها.
كانت تبدو أكبر من عمرها تلك الليلة.
قلت
وزهراء؟
تنهدت.
زهراء أخطأت وتتحمل خطأها. وأنا أخطأت لما جعلتها تشعر أن حقج أقل من حاجتها.
ثم أضافت
زرت أهلها مع المرشدة. أمها منهارة. بس التحقيق مستمر، والمدرسة راح تتخذ إجراءاتها. ما أريد أتدخل. لا معها ولا ضدها. القانون يأخذ مجراه.
أومأت ببطء.
لأول مرة، شعرت أن أمي تفهم الفرق بين الرحمة والظلم.
في يوم الامتحان، استيقظت قبل الفجر.
كان قلبي يضرب بقوة.
يدي اليمنى في الحمالة.
يدي اليسرى تمسك القلم.
كنت أخاف أن لا أستطيع الكتابة بالسرعة المطلوبة.
لكنني كنت أخاف أكثر من أن أسمح لما حدث أن يعرّفني.
عند باب البيت، وجدت أمي تنتظر.
لم تقل الكثير.
فقط مدت لي حقيبتي.
وقالت
سارة.
نظرت إليها.
أنا فخورة بيج. سواء نجحتِ أو لا. مو لأنج الأولى. لأنج وقفتي وما سكتِ على الظلم.
شعرت بشيء يهتز داخلي.
كانت هذه الجملة متأخرة.
لكنها كانت حقيقية.
قلت
ادعي لي.
ابتسمت وهي تبكي.
من أول يوم وأنا أدعيلج. بس كنت ما أعرف أحبج صح.
لم أعرف ماذا أفعل بهذه الجملة.
فاكتفيت بأن أخذ الحقيبة.
ذهبت إلى الامتحان.
كتبت ببطء.
تألمت.
توقفت أكثر من مرة.
لكنني أكملت.
كل سؤال كنت أحله كان يبدو كدرجة من الدرج الذي سقطت منه.
هذه المرة لم أسقط.
هذه المرة كنت أصعد.
بعد أسابيع، ظهرت النتائج.
كنت في القسم الداخلي عندما وصلت الرسالة.
فتحتها وأنا لا أتنفس.
اسمي كان موجوداً.
قبول أولي.
ثم بعد أيام، جاء الاعتماد الرسمي.
جامعة بغداد.
نفس الاسم الذي كنت أكتبه خلف دفاتري.
لكن هذه المرة لم يكن حلماً.
كان حقيقة.
لم أصرخ.
لم أركض.
لم أفعل شيئاً.
جلست فقط على سريري، وضعت الهاتف على صدري، وبكيت.
بعد ساعة، عدت إلى البيت.
كانت أمي في المطبخ.
عندما رأت وجهي، فهمت قبل أن أتكلم.
قالت
قبلوج؟
هززت رأسي.
وضعت يدها على فمها.
ثم جلست على الكرسي كأن قدميها لم تعودا تحملانها.
بكت.
لكنها لم
تقترب مني.
تركت لي المسافة.
اقتربت أنا هذه المرة.
ببطء.
وقفت أمامها.
ثم وضعت ورقة القبول على الطاولة.
قالت وهي تنظر إليها
هذا حقج.
قلت
نعم. حقي.
رفعت رأسها.
وأنا آسفة لأنني كنت آخر من شافه.
لم أقل إنني سامحتها.
لم أكن جاهزة.
لكنني لم أبتعد أيضاً.
جلست على الكرسي المقابل.
وبقينا ننظر إلى الورقة بيننا.
ورقة واحدة.
لكنها كانت تفصل بين حياتين.
الحياة التي كنت فيها ابنة لا تُرى.
والحياة التي بدأت فيها أرى نفسي حتى لو تأخر الآخرون.
بعد أشهر، عندما دخلت بوابة جامعة بغداد للمرة الأولى، لم تكن يدي قد شُفيت تماماً، لكنها كانت أقوى.
أمي جاءت معي حتى الباب الخارجي فقط.
قالت
أدخل وياج؟
نظرت إلى البوابة.
ثم إليها.
قلت
لا. أريد أدخل وحدي.
هزت رأسها.
لم تتضايق.
لم تعتبرها إهانة.
فقط قالت
مثل ما تحبين.
مشيت خطوات قليلة.
ثم توقفت.
التفتُّ إليها.
كانت واقفة في مكانها، تحمل حقيبتي الصغيرة بيد، وتمسح دموعها باليد الأخرى.
ناديتها
أستاذة أميرة.
ارتجف وجهها.
كان الاسم يؤلمها، أعرف.
لكنه لم يعد عقاباً فقط.
كان تذكيراً بما حدث.
وبالمسافة التي ما زالت تحتاج وقتاً.
قلت
شكراً لأنج هذه المرة وقفتي مع الحق.
ابتسمت وهي تبكي.
أتمنى أتعلم أوقف وياه دائماً.
دخلت الجامعة.
لم أكن وريثة أحد.
ولم تكن خلفي قوة كبيرة.
ولم يفتح لي الباب حراس ولا نفوذ.
كنت فقط طالبة عراقية بيد مكسورة، وقلب مجروح، وحلم لم أسمح لأحد أن يأخذه مني.
لكنني في تلك اللحظة شعرت أن هذا كان كافياً.
كافياً جداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *