حين عاد ميت الجزء الثاني حكايات شروق خالد

أول حاجة عملها نادر كانت إنه جرى ناحية سلمى.

ركع على الأرض، وضغط بإيده على مكان النزيف.

صرخ:

“عربية إنعاش! بسرعة!”

الممرضات دخلوا يجروا وسط الفوضى.

الدكتور سامح نزل على ركبته جنب نادر.

قال وهو بيفحصها:

“النبض ضعيف… لكنها لسه عايشة.”

تنفس نادر لأول مرة من ساعة ما انطفت الأنوار.

لكن عقله كان في مكان تاني.

الرسالة.

الكلمات الأخيرة.

“القاتل أقرب ليك مما تتخيل.”

رفع عينه ناحية سامح.

سامح كان مركز مع سلمى.

ورغم كده… الشك دخل قلبه.

بعد دقائق، خرجت سلمى على العمليات.

أما نادر، فوقف قدام سرير محمود الفاضي.

رجال الأمن انتشروا في كل المستشفى.

تم تفتيش كل غرفة.

كل مخرج.

كل السلالم.

حتى سطح المستشفى.

ولا أي أثر.

كأن إنسان بالغ اختفى في الهواء.

…

بعد ساعة…

وصلت الشرطة.

كان على رأسهم اللواء عادل منصور.

رجل معروف بهدوئه الشديد.

وقف قدام نادر وقال:

“عايز أسمع كل حاجة من الأول.”

حكى نادر كل التفاصيل.

من أول ظهور محمود…

لحد اختفائه.

اللواء سمع للنهاية.

ثم قال:

“فيه حاجة ناقصة.”

استغرب نادر.

“إيه؟”

“ليه الراجل يسيب لك رسالة؟”

سكت نادر.

فعلاً…

لو محمود هرب بإرادته…

ليه يسيب دليل؟

فتح الرسالة مرة تانية.

وبدأ يقرأها ببطء.

وفجأة…

وقف عند جملة صغيرة.

ماخدش باله منها قبل كده.

في آخر الورقة…

كان مكتوب رقم:

٣٤٦

قال اللواء:

“إيه الرقم ده؟”

رد نادر فجأة:

“دي ساعة الوفاة.”

بص له اللواء باستغراب.

قال نادر:

“أنا أعلنت وفاته الساعة تلاتة وستة وأربعين.”

ابتسم اللواء لأول مرة.

“يبقى المكان اللي يقصده… مش غرفة الرعاية.”

…

بعد أقل من نصف ساعة…

وصل نادر واللواء للمبنى القديم.

المبنى اللي كان فيه قسم الطوارئ من عشر سنين.

دلوقتي مهجور.

الأتربة مالية المكان.

الأنوار مقطوعة.

فتح نادر الباب بصعوبة.

صوت صرير الباب دوى في المكان.

أخرج اللواء كشافًا.

بدأوا يتحركوا.

وصلوا لغرفة الإنعاش القديمة.

وقف نادر مكانه.

نفس الغرفة.

نفس المكان.

حتى آثار الطلاء القديم كانت لسه موجودة.

اقترب من السرير الحديدي.

وفجأة…

لاحظ إن فيه جزء من الأرض مختلف.

البلاط لونه أغمق.

ركع على الأرض.

طرق عليه.

طلع صوت أجوف.

قال اللواء:

“هاتوا عدة.”

بعد دقائق…

رفعوا البلاطة.

وظهر صندوق معدني صغير.

قلب نادر كان بيدق بعنف.

فتح الصندوق.

كان جواه فلاشة.

وملف أصفر قديم.

ومفتاح صغير.

فتح الملف.

أول ورقة كانت صورة.

أول ما شافها…

اتجمد.

الصورة كانت ليه.

واقف وسط فريق الإنعاش.

لكن فيه شخص واقف وراه.

شخص ماكانش فاكره.

لابس بالطو أبيض.

وبيبتسم للكاميرا.

نفس الراجل…

اللي شافه قدام الرعاية النهارده.

رغم إن الصورة متصورة من عشر سنين.

قال اللواء بصوت منخفض:

“مين ده؟”

هز نادر رأسه.

“معرفوش.”

قلب الصفحة التانية.

كانت قائمة بأسماء.

أطباء.

وممرضين.

وموظفين.

بعضهم مات.

وبعضهم اختفى.

والبعض لسه شغال في المستشفى.

وفي آخر القائمة…

اسم واحد كان متعلم عليه بدائرة حمراء.

الدكتور فؤاد.

مدير المستشفى.

اتسعت عينا اللواء.

وفي نفس اللحظة…

رن هاتف نادر.

رقم مجهول.

فتح الخط.

جاله صوت متقطع.

صوت رجل بيتنفس بصعوبة.

ثم قال:

“نادر…”

اتسعت عيناه.

كان صوت محمود.

“اسمعني كويس… معنديش وقت.”

صرخ نادر:

“إنت فين؟”

رد محمود:

“متدورش عليا… دور على اللي بيشغّلهم.”

“مين؟”

جاءه الرد:

“الدكتور فؤاد… مجرد واجهة.”

قبل ما يكمل…

سمع صوت اشتباك.

وصوت ناس بتصرخ.

ثم دوى إطلاق نار.

وبعدها…

رجع صوت محمود وهو يهمس بصعوبة:

“الخاين… مش فؤاد.”

“أمال مين؟!”

ساد صمت لثانيتين.

ثم قال محمود كلمة واحدة فقط:

“سامح…”

وانقطع الخط.

تجمد نادر في مكانه.

سامح؟

صديق عمره…

وزميله الذي وقف بجانبه منذ أول يوم عمل؟

وقبل أن يستوعب الصدمة…

وصلت رسالة على هاتفه من رقم غير معروف.

فتحها بسرعة.

كانت صورة مباشرة من كاميرا مراقبة.

الصورة ملتقطة في هذه اللحظة.

وتُظهر باب غرفة العمليات داخل المستشفى.

حيث كانت سلمى تُجري جراحة لإنقاذ حياتها.

وأمام باب العمليات…

كان الدكتور سامح يقف مبتسمًا.

وفي يده…

حقنة شفافة مليئة بسائل عديم اللون.

وأسفل الصورة رسالة قصيرة:

“قدامك عشر دقائق… لو رجعت للمستشفى بسرعة يمكن تلحقها. ولو تأخرت… هتخسر الشاهد الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.”

حكايات شروق خالد

قفز نادر من مكانه كأن صاعقة ضربته.

ناول الهاتف للواء عادل وهو بيصرخ:

“لازم نرجع المستشفى… حالًا!”

بص اللواء للصورة بسرعة، واتغيرت ملامحه.

قال بحزم:

“كل القوة تتحرك! محدش يدخل أو يخرج من المستشفى.”

جروا ناحية العربيات.

دقائق الطريق كانت أطول من أي وقت فات.

نادر كان ماسك الموبايل بإيده، وعينه على الصورة.

حاول يتصل بسامح.

الهاتف مغلق.

حاول يكلم العمليات.

محدش رد.

قال وهو بيخبط بإيده على التابلوه:

“أسرع… بالله عليك أسرع.”

…

في نفس الوقت…

داخل المستشفى…

وقف سامح قدام باب العمليات فعلًا.

لكن ملامحه ماكنتش هادية.

كان بيبص حواليه بتوتر شديد.

فتح الحقنة.

ثم قربها من النور.

وفجأة…

قال بصوت واطي:

“أنا عارف إنكم بتراقبوني.”

لف بسرعة ناحية كاميرا المراقبة الموجودة في آخر الممر.

ابتسم ابتسامة ساخرة.

ورفع الحقنة قدام العدسة.

ثم…

كسرها على الأرض.

تناثر السائل على البلاط.

في اللحظة دي…

خرج رجل من نهاية الممر.

لابس زي عامل نظافة.

لكن مشيته كانت ثابتة.

وقف قدام سامح وقال بهدوء:

“كنت متأكد إنك هتخاف.”

رد سامح وهو بيرجع خطوة:

“مش هخليكم تق*تلوها.”

ابتسم الرجل.

“متنساش… بنتك لسه عندنا.”

اتسعت عينا سامح.

“قلتلكم سيبوها.”

الرجل أخرج مسدسًا صغيرًا مزودًا بكاتم صوت.

وقال:

“كان المفروض تنفذ… مش تناقش.”

في اللحظة نفسها…

انفتح باب العمليات.

خرجت ممرضة وهي بتقول:

“الدكتور سامح… محتاجينك جوه بسرعة.”

لف الرجل ناحية الممرضة.

وفي ثانية…

رفع المسدس.

لكن سامح اندفع عليه بكل قوته.

اصطدم الاتنين بالأرض.

خرجت رصاصة مكتومة.

ارتطم الزجاج.

صرخت الممرضة.

بدأت الفوضى.

…

في الخارج…

وصلت عربيات الشرطة.

نزل نادر يجري.

سمع صوت الصراخ قبل ما يدخل.

عرف إن الرسالة كانت حقيقية.

جرى ناحية العمليات.

ولما وصل…

شاف سامح بيصارع الراجل المقنع.

المسدس كان بيتنقل بين إيديهم.

وفي لحظة…

ضغط المقنع على الزناد.

دوى صوت الطلقة.

وسقط سامح على الأرض.

صرخ نادر:

“ساااامح!”

لكن المقنع استغل اللحظة.

دفع نادر بقوة.

وجرى ناحية سلم الطوارئ.

اللواء صرخ:

“اقفلوا كل المخارج!”

بدأت مطاردة عنيفة.

المقنع كان حافظ المستشفى كأنه اشتغل فيها سنين.

كل ما يدخل ممر…

يختفي في غيره.

وأخيرًا…

وصل للسطح.

كان الهليكوبتر الخاص بالإسعاف القديم متوقفًا هناك منذ سنوات، لكنه استخدمه ساترًا.

حاصره رجال الشرطة.

رفع اللواء س*لاحه.

“ارمِ المس*دس.”

ضحك الرجل.

وبهدوء…

خلع القبعة.

ثم نزع الكمامة.

تجمد نادر.

مش لأنه عرفه…

لكن لأنه شاف نفس الوجه الموجود في الصورة القديمة.

نفس الملامح.

من غير ما يبان عليه إنه كبر يومًا واحدًا.

قال الرجل وهو يبتسم:

“أخيرًا… اتقابلنا.”

رد نادر وهو يلهث:

“إنت مين؟”

ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“أنا مجرد واحد كان المفروض يموت من عشر سنين… جنب محمود.”

وقبل ما حد يتحرك…

أخرج من جيبه جهازًا صغيرًا.

ضغط على زر واحد.

وفجأة…

انطفأت كهرباء المستشفى كلها مرة تانية.

وفي الظلام…

سمعوا صوت انفجار مكتوم صادر من أحد الطوابق السفلية.

ثم دوى جهاز الإنذار في كل أرجاء المستشفى.

وانتشر الدخان في الممرات.

صرخ أحد الضباط عبر اللاسلكي:

“يا فندم! فيه حريق في قسم الأرشيف القديم!”

اتسعت عينا اللواء.

لأن كل ملفات العاملين بالمستشفى، وسجلات المرضى القديمة، كانت محفوظة هناك.

أما الرجل المقنع…

فاستغل ثواني الارتباك، وقفز إلى الجهة الأخرى من السطح، واختفى بين المباني المجاورة.

وقف نادر للحظة ممزقًا بين مطاردته وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأدلة.

لكن فجأة…

رن هاتف سامح الساقط على الأرض.

كانت شاشة الهاتف مضاءة.

المتصل…

“فؤاد”.

نظر نادر إلى اللواء، ثم ضغط على زر الرد ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

جاء صوت الدكتور فؤاد مرتجفًا:

“سامح… لو لسه عايش، اسمعني كويس… هم اكتشفوا إن المفتاح بقى مع نادر، وهيق*تلوا أي حد يقرب منه… والأخطر إن فيه واحد وسط الشرطة نفسها بيشتغل معاهم…”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *