رجعت بنتي من ليلة فرحها غارقة في الدم… وحماتها اللواء كانت السبب حكايات شروق خالد

رجعت بنتي لسكني داخل الكلية الحربية في القاهرة الساعة تلاتة الفجر… وهي لابسة فستان الفرح ومتغطية بالدم.

قبل ما تقع بين إيديا، همست وهي بتترعش:

“يا ماما… حماتي ضربتني أربعين مرة عشان رفضت أكتب لها شقتي العسكرية وبدل السكن باسمه.”

لثواني… ماقدرتش أتحرك.

المقدم نورا الشاذلي كانت واقفة تحت نور الكشاف قدام سكن الضباط. ضهر فستانها الأبيض كان متقطع، شفتها مفتوحة، خدها الشمال وارم، والكدمات مالية إيديها.

من كام ساعة بس، كنت أنا اللي ساعدتها تلبس نفس الفستان في نادي القوات المسلحة، وأنا بعيط من الفرحة.

دلوقتي… كانت شكلها كأنها هربانة من جحيم.

مسكت هدومي وقالت:

“يا ماما… بالله عليكي متودنيش المستشفى العسكري. قالولي لو بلغت عنهم هيضيعوا مستقبلي في الجيش… وهيقتلوني.”

حسيت الأرض بتهتز تحت رجلي.

قلت لها:

“مين اللي هددك؟”

غمضت عينيها وهمست:

“اللواء هدى منصور… أم جوزي.”

أول ما سمعت الاسم… افتكرتها فورًا.

اللواء هدى منصور كانت دخلت حياتنا من تلات شهور ببدلتها العسكرية المكوية، وصدرها مليان أوسمة، ونظرة كلها أوامر.

أما ابنها العقيد كريم منصور، فكان محامي بالقضاء العسكري، محترم في الظاهر، ولبق مع الكل.

ونورا كانت مقتنعة إنه بيحبها.

لكن من أول مرة شفته… قلبي ما ارتاحلوش.

في إحدى الزيارات، فضلت هدى تبص على شهادات التكريم وصور خدمتي في الجيش، وبعدين قالت بابتسامة باردة:

“سمعت إن نورا ليها بدل سكن كبير… وكمان والدها كتب لها شقة في التجمع الخامس.”

رديت بهدوء:

“الشقة ملك بنتي… والجواز مش هيغير ده.”

ابتسمت وقالت:

“أكيد… إحنا بس بنحب نضمن إن العيلة كلها إيد واحدة.”

بعدها طلعت ورق وقالت إنه مجرد “اتفاق عائلي”.

لكن الحقيقة إنها كانت عايزة نورا تحول بدل السكن لحساب هما يتحكموا فيه، وتنقل نصيبها في الشقة لكريم، وتدي والدته حق التصرف في فلوسها وقت المأموريات.

رفضت فورًا.

لكن نورا فضلت ترجاني أوافق على الجواز، وقالت إن كريم ملوش دعوة بتصرفات أمه.

وافقت… لكن بشرط واحد.

شقة بنتي وفلوسها ومستحقاتها العسكرية هتفضل باسمها لوحدها.

حكايات شروق خالد

في اللحظة دي، كانت نورا قاعدة على الكنبة، جسمها كله بيترعش، وعيونها مليانة رعب.

ناولتني ظرف بني كانت مخبياه جوه بطانة فستان الفرح.

وقالت بصوت متقطع:

“دي الأوراق اللي كانوا عايزين يجبروني أمضي عليها.”

فتحت الظرف بسرعة.

أول ورقة كانت توكيل عام.

الثانية تنازل عن نسبة من الشقة.

أما الثالثة… فخلت الدم يتجمد في عروقي.

كانت استمارة تحويل بدل السكن العسكري بالكامل لحساب خاص باسم شركة استثمار.

قلت باستغراب:

“إيه علاقة الشركة دي بكم؟”

هزت نورا رأسها.

“معرفش… لكن حماتي قالت إن كل الضباط الكبار بيعملوا كده.”

سكتت لحظة، ثم انفجرت في البكاء.

“بعد ما رفضت أمضي… قفلوا الباب.”

بلعت ريقي وأنا سامعاها.

“اللواء هدى شدتني من شعري، وقالت: يا تمضي… يا تخرجي من هنا على المقابر.”

ثم رفعت إيدها…

وأول قلم نزل على وشي.

بعده التاني…

والتالت…

لحد ما فقدت الإحساس.

قالت وهي بتلمس خدها المتورم:

“كنت بعد كل ضربة أقول مش همضي.”

“وهي كانت تعد…”

واحد…

اتنين…

تلاتة…

لحد ما وصلوا لأربعين.

سألتها وأنا بالكاد ماسكة نفسي:

“وكريم؟”

نزلت دموعها.

“كان واقف برا.”

“وسمعته بيقول… خلوا الضرب بعيد عن العين، عشان يومين وهترجع الشغل.”

قفلت عيني.

أول مرة في حياتي أحس بالعجز بالشكل ده.

أنا خدمت في الجيش سبعة وعشرين سنة.

واجهت إرهابيين.

وشفت زملاء يستشهدوا قدامي.

لكن عمري ما شفت بنتي مكسورة بالشكل ده.

قمت من مكاني.

فتحت الخزنة الحديد.

طلعت ملف قديم عليه تراب.

نورا بصتلي باستغراب.

“إيه ده يا ماما؟”

قلت بهدوء:

“ده الملف اللي كنت أتمنى عمري ما أفتحه.”

فتحت أول صفحة.

كانت صور وتحريات قديمة.

وأسماء ضباط كبار.

وفي منتصف الصفحة…

صورة اللواء هدى منصور.

اتسعت عيون نورا.

“إنتِ تعرفيها؟”

تنهدت.

“من أكتر من خمسطعشر سنة.”

“كان فيه تحقيق سري في اختفاء ملايين الجنيهات من مخصصات إسكان الضباط.”

“وقتها ظهرت أسماء كتير… لكن القضية اتقفلت فجأة.”

أشارت نورا للصورة.

“وهي كانت منهم؟”

هززت رأسي.

“كان عليها شبهات… لكن محدش قدر يثبت حاجة.”

وفجأة رن هاتفي.

المتصل…

اللواء المتقاعد أحمد الشاذلي.

والد نورا.

رديت فورًا.

جالي صوته الهادئ:

“أنا داخل القاهرة دلوقتي.”

قلت:

“عرفت؟”

رد:

“كل حاجة.”

“والشرطة العسكرية كمان عرفت.”

سكت ثانية.

ثم قال:

“بس في مشكلة.”

قلبي انقبض.

“إيه هي؟”

قال بصوت منخفض:

“اللواء هدى منصور مش بتشتغل لوحدها.”

“في حد أكبر منها… بيوجه كل حاجة من سنين.”

“ولو اتحركنا غلط…”

“…مش بس نورا اللي هتبقى في خطر.”

“إحنا كلنا.”

حكايات شروق خالد

قفلت المكالمة وأنا حاسة إن اللي جاي أخطر بكتير من مجرد اعتداء على بنتي.

بصيت لنورا، كانت الدكتورة العسكرية بتنضف الجروح في ضهرها، وكل ما تلمس مكان، نورا كانت بتنتفض من الوجع.

مسكت إيدها وقلت:

“من النهارده… محدش هيقدر يقرب منك.”

هزت راسها، لكنها قالت بخوف:

“يا ماما… معاهم ناس كبار. هيدفنوا القضية.”

ابتسمت لأول مرة من ساعة ما وصلت.

“يمكن… لو كنا لوحدنا.”

بعد أقل من ساعة، وقف قدام البيت اللواء المتقاعد أحمد الشاذلي.

أول ما شاف بنته، جري عليها وضمها وهو بيبكي لأول مرة قدامي.

قال بصوت مبحوح:

“سامحيني يا بنتي… أنا اتأخرت.”

نورا حضنته بقوة، وفضلت تعيط.

بعدها حط أحمد الملف اللي كنت محتفظة بيه على الترابيزة.

فتح صفحة معينة وقال:

“بصي هنا.”

كان فيه كشف تحويلات مالية بمبالغ ضخمة، كلها خارجة من حسابات مخصصة لإسكان ضباط، وداخلة على شركات عقارية بأسماء مختلفة.

لكن كل الشركات كان ليها مدير واحد.

كريم منصور.

شهقت نورا.

“يعني كريم كان بيسرق؟”

أحمد هز راسه.

“لا… كان مجرد واجهة.”

ثم قلب الصفحة الأخيرة.

كان فيها اسم شخص واحد مكتوب بخط أحمر.

الفريق سامح الديب.

قائد سابق وصاحب نفوذ كبير داخل المؤسسة.

قلت وأنا مصدومة:

“معقول؟”

رد أحمد:

“كل اللي حصل لنورا كان عشان يضمنوا إن شقتها وبدل السكن يدخلوا ضمن الشبكة دي.”

وفجأة…

رن جرس الباب.

كلنا بصينا لبعض.

الساعة كانت خمسة الصبح.

مفيش حد المفروض ييجي.

فتحت الكاميرا.

لقيت كريم منصور واقف لوحده.

لكن اللي صدمني…

إنه كان متبهدل، هدومه مقطوعة، ووشه مليان كدمات.

أول ما فتحت الباب، وقع على ركبته وقال وهو بينهج:

“أنقذوني… أمي حاولت تقتلني.”

سكتنا كلنا.

وبصينا له في ذهول.

رفع عينه وقال:

“لما عرفت إني سيبت نورا تهرب… قالت إني بقيت خطر على الشبكة.”

ثم أخرج فلاشة صغيرة من جيبه المرتعش ووضعها فوق الترابيزة.

وقال:

“كل حاجة موجودة هنا… تسجيلات، تحويلات، وأسماء الناس اللي فوق الكل.”

لكن قبل أن يكمل كلامه…

دوى صوت إطلاق نار في الخارج.

وتحطم زجاج النافذة، وانطفأت الأنوار في المنزل دفعة واحدة.

ساد الصمت…

ثم سمعنا صوت خطوات تقترب ببطء من الباب الرئيسي.

حكايات شروق خالد

انخفض أحمد الشاذلي بسرعة وهو بيصرخ:

“اطفوا أي نور… وابعدوا عن الشبابيك!”

في ثوانٍ، سحب كريم منصور على الأرض بعيدًا عن الباب، بينما ضميت نورا وهي ما زالت مرعوبة.

تكرر صوت إطلاق النار.

لكن المرة دي كان واضح إنه موجه لإطارات العربيات اللي واقفة بره، مش للبيت.

أحمد فتح الخزنة الصغيرة الموجودة في غرفة المكتب، وأخرج منها مسدسًا مرخصًا كان يحتفظ به منذ تقاعده.

نظر إليّ وقال:

“اتصلي بالشرطة العسكرية… وقولي لهم كلمة السر.”

قلت باستغراب:

“أي كلمة سر؟”

رد:

“البلاغ رقم 47… قضية فساد عسكري.”

فهمت فورًا.

دي كانت القضية القديمة اللي اتقفلت من سنين.

اتصلت، وبعد أقل من خمس دقائق، سمعنا أصوات عربيات الشرطة العسكرية وهي بتدخل الشارع بسرعة.

في نفس اللحظة…

العربية السودا اللي كان فيها المسلحون حاولت تهرب.

لكن عربيتين من الشرطة العسكرية قطعوا عليها الطريق.

بعد دقائق انتهى كل شيء.

تم القبض على أربعة مسلحين.

لكن المفاجأة كانت إن واحدًا منهم كان السائق الشخصي للواء هدى منصور منذ أكثر من عشر سنوات.

أخذ المحققون كريم للتحقيق، وبعد مراجعة الفلاشة، ظهرت الحقيقة كاملة.

كانت الفلاشة تحتوي على تسجيلات صوتية وصور ومستندات تثبت وجود شبكة تستغل الضباط الشباب، وتجبر بعضهم على التنازل عن مستحقاتهم أو ممتلكاتهم عن طريق التهديد والابتزاز.

كما احتوت على تسجيل بصوت اللواء هدى وهي تقول:

“اللي يرفض… نخليه يندم إنه دخل الجيش.”

أما كريم، فاعترف بكل شيء.

اعترف أنه خاف من أمه طوال عمره، وأنه شارك في التستر على جرائمها، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى محاولة قتل زوجته.

مع شروق الشمس…

صدرت أوامر بالقبض على اللواء هدى منصور، وتم التحفظ على جميع حساباتها البنكية وممتلكاتها لحين انتهاء التحقيق.

أما نورا…

فبعد أسابيع من العلاج، عادت إلى عملها مرفوعة الرأس.

ووقفت في أول طابور لها بعد الحادث، بينما كان زملاؤها يحيون شجاعتها.

وفي نهاية القضية، صدر حكم بالسجن المشدد على أفراد الشبكة المتورطين، مع مصادرة الأموال التي حصلوا عليها بطرق غير مشروعة.

أما كريم، فنال عقوبته القانونية لتورطه في الجرائم، رغم تعاونه مع جهات التحقيق.

ونظرت نورا إليّ يوم صدور الحكم وقالت:

“كنت فاكرة إنهم كسروني.”

ابتسمت وربتُّ على كتفها.

وقلت:

“الإنسان ممكن يتوجع… لكنه ما بيتكسرش طول ما الحق معاه.”

رجعت بنتي من ليلة فرحها غارقة في الدم… وحماتها اللواء كانت السبب

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *