حماتي قالت إنها هتاخد ابني للكشف في المستشفى. لكن الساعة أربعة العصر، المستشفى اتصلت بيا وقالت: "حضرتك... ابنك ما حضرش المعاد أصلًا." ولما ابني، اللي عنده ست سنين، رجع البيت قبل الفجر بدقايق، داخل من الباب الخلفي لوحده، لابس هدوم أول مرة أشوفها، وشعره متحلق على الزيرو تقريبًا، وجسمه كله بيترعش... كنت عرفت إن كارثة حصلت. الصبح بدأ بهدوء. صوت البيض وهو بيتشوح في الزبدة، والشمعة بريحة الفانيليا اللي مراتي دايمًا كانت بتنورها جنب الحوض. يوسف كان قاعد على السفرة لابس السويت شيرت بتاع الديناصورات، ورجليه بتتهز تحت الكرسي، زي أي طفل عنده ست سنين ولسه مصدق إن الكبار بيحموه. الموضوع كله كان المفروض يبقى سهل. كشف متابعة في مستشفى العظام. يوسف وقع من على العجلة من تلات أسابيع، والدكتور طلب يشوفه مرة أخيرة قبل ما يسمح له يرجع يلعب في المدرسة. ورقة المعاد كانت لسه متعلقة على باب التلاجة. الساعة اتنين الضهر... عيادة العظام... يوسف. وفجأة دخلت مراتي وهي ماسكة كوب قهوة وقالت: "بالمناسبة... ماما هي اللي هتوديه النهارده." وقفت مكاني والمعلقة في إيدي. قلت: "ليه؟" قالت: "هي اللي عرضت." وده كان أسلوب حماتي دايمًا. عمرها ما كانت تفرض نفسها، كانت تعرض المساعدة بطريقة تخليك لو رفضت تحس إنك إنسان جاحد. قلتلها: "ده كشف مستشفى... مش مشوار مدرسة ولا سوبر ماركت." لكن مراتي ردت: "إنت عندك اجتماع، وماما فاهمة في المواعيد دي... بلاش تكبر الموضوع." الساعة عشرة الصبح وصلت حماتي بعربيتها المرسيدس الفضي. نزلت لابسة بالطو فاتح، وعدت من جنبي كأني مش موجود، لكن أول ما شافت يوسف ابتسمت وقالت: "جاهز يا حبيبي؟" يوسف بصلي الأول. النظرة دي لحد النهارده مش بتفارقني. العيال دايمًا يبصوا للشخص اللي بيأمنوله قبل ما يمشوا مع حد تاني. قفلت شنطته واديتها له. قلت: "على طول على المستشفى... وأول ما توصلوا كلمني." حماتي ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: "عارفين." الساعة اتنين وربع اتصلت بالمستشفى. الموظفة حطتني على الانتظار، ولما رجعت قالت بصوت مختلف: "حضرتك... إحنا معندناش تسجيل دخول باسم يوسف النهارده. متأكد إن المعاد متغيرش؟" إيدي بردت وأنا ماسك الموبايل. فتحت التطبيق. كل حاجة كانت زي ما هي. نفس القسم. نفس المعاد. نفس رقم الحجز. اتصلت بحماتي. الموبايل حولني للبريد الصوتي. اتصلت تاني. وبعدين كلمت مراتي. ولا واحدة ردت. الساعة أربعة العصر موظفة الحجز قالت الجملة اللي خلت الدنيا تضيق بيا: "الولد ما حضرش المستشفى." من بعدها بدأت أوثق كل حاجة. ورقة المعاد. التطبيق. وكل مواعيد المكالمات اللي محدش رد عليها. ٢:١٧ ٢:٤١ ٣:٠٦ ٣:٣٩ مكنتش بعمل كده علشان أرفع ق\ضية. لكن جوايا إحساس إن هيجي وقت وهحتاج أثبت إني مش بتوهم. مراتي رجعت البيت شايلة أكياس خضار. لقيتني رايح جاي بين المطبخ والباب. قالت: "يوسف فين؟" قلت: "إنتي قوليلي." قالت باستغراب: "أكيد ماما خرجت بيه ياكل آيس كريم." قلت: "هو راحش المستشفى أصلًا." قالت: "يمكن دخلوا من باب تاني." قلت: "المستشفى أكدت إنه ما سجلش دخول." حطت الأكياس على الرخامة، وكرتونة وقعت وتفاحة اتدحرجت على الأرض. ولا واحد فينا اتحرك. بصتلي وقالت: "إنت دايمًا بتعمل من أمي مشكلة." الكلمات دي كنت سامعها كتير. "إنت شكاك." "إنت بتبالغ." "إنت مكبر كل حاجة." كل مرة يبقى الموضوع فيه حماتي... أبقى أنا الغلطان. فضلت صاحي طول الليل. ساعة الميكروويف كانت بتنور باللون الأزرق. وكل عربية تعدي قدام البيت أقوم أجري على الشباك، وبعدين أرجع لما ألاقيها مكملتش عندنا. الساعة تلاتة سبعة وأربعين الفجر... سمعت الباب الخلفي بيتفتح بالراحة. وصوت خطوات صغيرة... بطيئة... متعبة. لفيت. لقيت يوسف واقف. لابس بنطلون وتيشيرت عمرهم ما دخلوا بيتنا. شعره متحلق على الزيرو تقريبًا. شفايفه ناشفة. وإيده بتترعش كأنه كان في البرد ساعات طويلة. بصلي بخوف وقال: "بابا..." ركعت قدامه بسرعة لدرجة إن كتفي خبط في دولاب المطبخ. حضنته. كان ريحته غريبة... ريحة مسحوق غسيل مش بتاعنا... وهوا برد... وخوف. قلت له بهدوء: "كنت فين يا حبيبي؟" عينه دمعت. وقال: "تيتا قالتلي ممنوع أقول رحنا فين." مكنتش هزعق. ولا هضغط عليه. ولا هطلع أوقظ مراتي. استنيت لحد ما هديت. وفجأة يوسف شد كم التيشيرت لتحت. الحركة الصغيرة دي فهمتني إن فيه حاجة مستخبية. مديت إيدي بالراحة. ورفعت الكم سنة... ولما القماش اتحرك أخيرًا... شفت أول حاجة حماتي كانت بتحاول بكل الطرق تخلي محدش في البيت يشوفها. حكايات شروق خالد يوسف كان واقف قدامي، وعينه كلها خوف. لما رفعت الكم أكتر، قلبي وقع. كان فيه كدمة بنفسجية كبيرة ملفوفة حوالين دراعه، وفي نصها آثار لاصق طبي متشال بالعافية. لكن اللي خلاني أتجمد مش الكدمة... كان فيه سوار بلاستيك أبيض ملفوف حوالين معصمه. سوار مستشفى. بس مش اسم المستشفى اللي كان المفروض يروحها. ولا حتى اسمه الحقيقي. كان مكتوب عليه بخط أسود: "طفل رقم 17" ومكان الاسم... فاضي. بصيت له وأنا بحاول أسيطر على نفسي. قلت بهدوء: "مين حط السوار ده يا يوسف؟" هز راسه، ودموعه بدأت تنزل. "ست كبيرة قالتلي لازم أفضل لابسه... وجدتي قالت لو شلته بابا هيزعل مني." قلعت السوار فورًا وحطيته على الترابيزة. إيدي كانت بتترعش. طلعت الموبايل وصورته من كل ناحية. بعدها بصيت في وش ابني. لاحظت إن شعره متحلق بطريقة عشوائية، وفيه خدوش صغيرة ورا ودنه. قلت: "مين حلق لك شعرك؟" يوسف سكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي: "كان فيه راجل... قال لازم كده." "إيه اسم الراجل؟" "معرفوش." "رحتم فين؟" بص حواليه بخوف كأن حد هيسمعه. وبعدين همس: "ركبنا عربية تانية... مش عربية تيتا." قلبي دق بعنف. "وبعدين؟" "دخلنا بيت كبير... كان فيه أطفال كتير." اتجمدت مكاني. "كانوا بيلعبوا؟" هز راسه بالنفي. "كلهم كانوا ساكتين." "وأنت فضلت هناك قد إيه؟" "لحد ما الدنيا ضلمت... وبعدها تيتا قالتلي لو حكيت لبابا أي حاجة، هو هيختفي ومش هشوفه تاني." حضنته بقوة. قلت: "بصلي يا يوسف... مفيش حد يقدر يبعدني عنك، ومحدش هيأذيك تاني." في اللحظة دي نزلت مراتي من أوضتنا بعد ما سمعت الكلام. بصت ليوسف، وبعدين للسوار اللي على الترابيزة. وشها اصفر. قالت بتوتر: "السوار ده إيه؟" رميته قدامها. وقلت: "اسألي أمك." طلعت موبايلها بسرعة واتصلت بحماتها. التليفون كان مقفول. حاولت مرة واتنين... مفيش. أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيها. همست وهي بتبكي: "ماما قالتلي إنها هتوديه المستشفى وترجعه... أقسم بالله معرفش حصل إيه." بصيت لابني، ومسكت إيده. وقلت: "إحنا دلوقتي رايحين القسم، وبعدها المستشفى... ومن اللحظة دي، محدش هيقرب منك إلا وأنا معاك." لكن قبل ما نخرج... لقيت يوسف بيشدني من إيدي. وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: "بابا... فيه طفل تاني هناك كان بيعيط... وجدتي قالت لهم يجهزوه بعدي..." حكايات شروق خالد