قصه جديده

لمحة نيوز

​”هشام… أمك بتقول إيه؟ فلوس إيه اللي عملت فيها إيه من شهر؟”
​هشام ما رفعش عينيه في عينيا. حاول ينطق، شفايفه أتحركت بس مفيش كلام خرج.
حماتي ابتسمت ابتسامة نصر خبيثة، وقفت وحطت إيدها في جنبها وقالت وهي بتبصلي بقمة الشماتة والبرود:
​”ما تنطق يا باشمهندس! قول للست هانم إن الفلوس اللي فاكراها في دفتر التوفير، إنت سحبتها من شهور وحطيتها في مشروع محمود أخوك! محمود اللي أكل الفلوس والخسارة شالتها أنت وهو! جاية تتنططي عليا بفلوس ورثك وهي أصلاً مفيش منها مليم، وابني بيضحك عليكِ ويوهمك إنه رايح يمضي عقد شقة بكرة بعربون وهمي عشان يداري خيبته وخيبتك!”
​الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي طعنات السكاكين…
بصيت لهشام وأنا بهز رأسي بنفي، متمنية يقول إنها بتكذب، إن أمه بتتبلى عليه عشان تخليني أوافق، إنه مسحبش حاجة…
قلت له بعياط وصرخة مكتومة:
​”رد عليا يا هشام! قولها إنها بتكذب! قول إن دفتر التوفير اللي في دولابي شغال والفلوس فيه! قول إننا رايحين بكرة نمضي عقد الشقة! قول إنك ما خانتش أمانتي وشقى أبويا الله يرحمه!”
​هشام نزل على ركبه قدامي، ومسك طرف جابتي ودموعه نزلت لأول مرة بحرقة، وقال بصوت متقطع يقطع القلب:
​”سامحيني يا ندى… والله ما كان قصدي! محمود ضغط عليا وقالي المشروع مضمون وهنرجع الفلوس أضعاف قبل ميعاد الشقة، وقالي أمك هتطردني لو ما وقفتش جنبه… أخذت التوكيل بتاعك وسحبت الفلوس على أمل إني أرجعها قبل ما تحسي، بس المشروع طلع نصب ومحمود ضيع كل حاجة!”
​ساعتها… حسيت إن الأرض اتفتحت وبلعتني.
مش بس الفلوس اللي راحت… الحلم، الأمان، الثقة، ومستقبلي كله انهار في ثانية. أبويا شقي سنتين قبل ما يموت عشان يضمن لي القرشين دولستر ليا، وفي لحظة، جوزي وأخوه وأمه ضيعوهم واعتبروني غريبة يغطوا بيها خيبتهم!
​محمود

أخوه خرج من أوضته في اللحظة دي، وهو بيتمطع وبيقول ببرود مستفز:
​”في إيه يا جماعة؟ عاملة مناحة ليه يا ندى؟ ما إحنا أهل والفلوس راحت في سوق وتجارة، مش سرقة يعني! وبعدين ما أنا قلتلكوا هشتري ميكروباص وأسددلكم الفلوس على أقساط، كبرتي الموضوع ليه؟”
​بصيت لهم هما الأربعة…
حماتي الشامتة، ومحمود المتنطع البراد، وهشام المكسور الخاين للأمانة.
وفجأة، العياط والضعف اختفوا من جوايا… أتحولوا لكتلة من الجليد والصلابة. مسحت دموعي بإيدي بقوة، ورفعت رأسي فوق.
​قلت لهشام بهدوء مرعب:
​”قوم يا هشام… قوم واقف على رجليك.”
​هشام قام وهو بيبصلي بأمل إن يلاقيني سامحته، لكن أنا قلت بصوت حاسم أربك البيت كله:
​”الفجر فاضل عليه ساعتين. قدامكم مهلة لحد الساعة تسعة الصبح… الفلوس دي ترجع في حسابي، بالكامل، زي ما أتاخدت.”
​حماتي ضحكت بصوت عالي:
​”وإن ما رجعتش يا ست ندى؟ هتعملي إيه يعني؟ هتشتكي جوزك؟ هتروحي لأهلك الميتين؟”
​بصيت لها وقلت بمنتهى الثبات:
​”لأ يا ماما… مش هشتكي هشام بس. أنا معايا إيصالات والتوقيع اللي على التوكيل مزور، لأن التوكيل اللي هشام استخدمه كان خاص بإدارة الشقة القديمة مش بالسحب المالي. هشام خاف يقولك، بس أنا عارفة القانون كويس. أنا هبلغ عن محمود وهشام بتهمة خيانة الأمانة والتزوير والستيلة على أموال يتيمة، والمستندات معايا في درج مكتبي في الشركة!”
​محمود وشه جاب ألوان وسكت، وحماتي ارتبكت ولجلجت:
​”إنتي بتهددينا يا بنت الـ…؟”
​”أنا مش بهدد… أنا بديكم فرصة أخيرة لحفظ ماء الوجوه. الساعة تسعة الصبح، لو الفلوس ما كانتش قدامي، النيابة هي اللي هتتصرف.”
​دخلت أوضتي وقفت الباب بالمفتاح.
ما بكيتش ولا نقطة دموع واحدة طول الليل. كنت بقعد أستغفر وأجمع أوراقي. وعرفت إن اللي اتكسر جوايا تجاه هشام ما يترممش بسهولة، لكن حقي وشقى أبويا مش هيضيعوا.
​على الساعة تمانية الصبح…
سمعت حركة وهرج ومرج برة في الصالة. الباب اتفتح وخبط شديد.
فتحت الباب وخرجت… لقيت عم هشام (الحاج إبراهيم) قاعد في الصالة، ووشه غاضب جداً، وجنبه هشام ومحمود وحماتي قاعدين ساكتين زي الفراخ المبلولة.
​الحاج إبراهيم كان رجل كبير، صعيدي أصيل، وم بيقبلش الظلم. اتضح إن هشام من خوفه من السجن والفضيحة، جاب عمه بالليل وحكاله الكارثة كاملة!
​أول ما الحاج إبراهيم شافني، قام وقف وقال بصوت جهوري:
​”تعالي يا ندى يا بنتي… حقك عليا أنا. البيت ده فيه رجالة، واللي حصل ده خسة وندالة وما يرضيش ربنا ولا عباده!”
​بص الحاج إبراهيم لمحمود وقال بقسوة:
​”إنت يا محمود… الأرض اللي ورثتها من أبوك في البلد، العقد بتاعها معايا. الشاري جاهز وهيمضي النهاردة، والفلوس هتتاخد منها ويترد حق ندى بالكامل لحد عندك!”
​محمود صرخ:
​”أرضي يا عمي؟! أبيع أرضي عشان أسدد فلوسها؟!”
​عمهم ضرب بالعصاية على الأرض بغضب:
​”تبيع أرضك وتبيع هدومك كمان! إنت أكلت حق يتيمة وغدرت بأخوك وحرقت قلبه! والأرض دي هتتباع النهاردة وقبل الساعة تسعة الفلوس هتكون في حسابها!”
​ثم بص لحماتي وقالها بصرامة:
​”وأنتِ يا أم محمود… حسابك معايا بعدين. أكلتِ حلال الناس وعايزة تخربي بيت ابنك الصغير عشان تدلعي الكبير العاطل؟ من النهاردة مكيش كلمة على هشام ولا مراته!”
​وبالفعل… قبل الساعة تسعة صباحاً، كان الشاري متواجد، واتباعت الأرض بسعرها العادل، وعمهم مسك المبلغ كاش، وأخدني أنا وهشام على البنك، وحط الفلوس في حسابي باسمي أنا فقط، واستلمت الإيصال ورسالة البنك في إيدي.
​رجعت البيت… بصيت لحماتي ومحمود اللي كانوا واقفين في زاوية الصالة مكسورين ومقهورين بعد ما أسرارهم اتكشفت وأرض محمود راحت عشان يدفع ثمن طمعه.
​دخلت الأوضة لميت كل هدومي وأغراضي في الشنط.
هشام دخل ورايا، دموعه على خدوده، وقال بصوت مكسور:
​”ندى… الفلوس رجعت. أرجوكِ ما تمشيش… أنا عارف إني غلطت وكنت ضعيف، بس والله بحبك وما كنتش عايز أؤذيكي، أمي وأخويا ضغطوا عليا وركبوا عقلي…”
​بصيت له بنظرة هادية جداً… نظرة خالية من أي كره، بس خالية كمان من أي حب.
قلت له:
​”هشام… الفلوس رجعت لأن ربنا عدل، ولأن عمك راجل بيتقي الله. بس الأمانة اللي اتكسرت والثقة اللي اتدمرت مش بترجع بفلوس. إنت فضّلت ترضيهم على حسابي، وخنت إنسانيتي وشقى أبويا الميت… اللي يضعف مرة ويبيع مراته عشان يرضي طمع أهله، يبيعها كل مرة.”
​”يعني إيه يا ندى؟”
​”يعني أنا أخدت حقي المالي… ودلوقتي أخدت حقي في نفسي. أنا ماشية يا هشام، وورقة طلاقي توصلني على بيت أهلي.”
​جرّيت شنطتي وخرجت من البيت…
حماتي كانت بصالي بذهول، ومحمود مش قادر يرفع عينيه.
خرجت للشارع وأنا حاسة برأس مرفوعة، والهواء يدخل صدري بنقاء لأول مرة من سنتين.
​بعد ست شهور…
ربنا فتحها عليا، اشتريت شقة صغيرة ولطيفة بفلوسي وورثي، ورجعت لشغلي ونجحت فيه وبقيت مستقلة وقوية.
أما هشام… فطلقني بعد محاولات مستميتة للصلح رفضتها تماماً. وعرفت إنه ساب بيت أمه بعد ما اكتشف إنهم كانوا بيستغلوه، وعايش لوحده بيحاول يبدأ من الصفر بعد ما خسر كل حاجة… خسر أرض أخوه، وخسر الشقة، وخسر المرأة الوحيدة اللي حبته بصدق.
​العدل مش بس إن الفلوس ترجع… العدل إن كل واحد يشرب من نفس الكأس اللي سقى منه غيره.
حق اليتيم ما بيموتش، والظلم ليلته قصيرة مهما طالت!
​تمت…
​#الكاتبه_نور_محمد
​📖✨ شاركوني رأيكم في النهاية بالتعليقات… وهل ندى تصرفت بجدعنة وعقل لما رفضت ترجع لهشام؟
لو القصة عجبتكم وعاشت معاكم الأحداث. .. صلوا على النبي في التعليقات وادعموا الكاتبة بحبكم ♥👇

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *