أخويا اللي شيلته حتة لحمة حمرا وربيته بدم قلبي بعد موت أبونا وأمنا، يوم ما ربنا كرمه وبقى دكتور مشهور وهيناسب عيلة أكابر، طلب مني أستخبى في المطبخ يوم قراية فاتحته، ولما حس إني زعلت، اقترح عليا ألبس يونيفورم الشغالات عشان ميتحرجش قدام نسايبه.. وقتها مابكيتش، بس الرد بتاعي كان وجعه أشد من سنين شقايا اللي نكرها! اللي طلعت بيه من الدنيا هو طارق.. أخويا الصغير اللي كان حتة مني. لما القطر خبط أبويا وأمي وماتوا وسابوهولي وهو عنده ٤ سنين، أنا كنت لسه بنت في عز صبايا عندي ١٧ سنة. قفلت بابي عليا ورفضت الجواز وكل عريس كان بيخبط على بابي كنت برده، قولت مستحيل أجيب راجل يتحكم في أخويا أو يكسر بخاطره. اشتغلت في مصنع ملابس الصبح، وبعد الظهر كنت بمسح سلالام وأخدم في البيوت عشان أوفرله قرشين يعيشوه زي ولاد البهوات. ضيعت صحتي وشبابي، إيديا نشفت وشققت، وضهري انحنى قبل الأوان، بس كل ده كان بيهون لما بشوفه بيكبر قدامي وبيدخل كلية الطب.. كنت بشوف فيه عوض ربنا ليا. لما طارق اتخرج وبقى دكتور قد الدنيا، فتحتله عيادة في حتة راقية من تحويشة عمري وقرطين أرض كانوا حيلتي بعتهم عشان يقف على رجليه. ولما قالي إنه هيخطب بنت مدير المستشفى اللي بيشتغل فيها، فرحت فرحة ما تتوصفش.. زغردت وقولتله يا حبيبي يا طارق، أخيراً هفرح بيك وأشيل عيالك. بس الفرحة دي اتذبحت بدم بارد.. قبل يوم قراية الفاتحة بيومين، العروسة وأهلها كانوا جايين يقروا الفاتحة عندنا في شقتنا اللي جددتها وفرشتها على الفرازة عشان تليق بيه. دخل عليا طارق الأوضة، ووشه مخطوف، بيبصلي من فوق لتحت بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة شفقة مخلوطة بخجل وقرف! قالي حنان.. أنا عايز أطلب منك طلب بس والنبي تفهميني بعقل. قولتله بابتسامة عنيا ليك يا دكتور، أأمر. فرك إيديه بتوتر وقالي أهل نانسي ناس كلاس أوي.. وزي ما أنتي شايفة يعني.. شكلك، ولبسك، وتجاعيد وشك، وإيديكي الخشنة دي.. هما ميعرفوش إنك أختي، أنا مفهمهم إن أبويا وأمي ماتوا وإني بنيت نفسي بنفسي.. ف.. ف يعني ياريت يوم قراية الفاتحة تفضلي في المطبخ وتعملي نفسك الدادة اللي ربتني، أو تلبسي يونيفورم الشغالات عشان ميسألوش كتير.. أنا مستقبلي واقف على الجوازة دي يا حنان ومينفعش أصغر قدامهم!. أنا حسيت إن في مية مغلية اتدقلت على جسمي. وداني صفرت، وبقيت أبص لملامحه وأنا مش مصدقة.. ده طارق؟ ده اللي بعت كليتي حرفياً عشان أكمل مصاريف عيادته من وراه ومحسسوش بنقص؟ بصيتله وعينيا مليانة دموع متحجرة، قولتله بصوت بيترعش شغالة يا طارق؟ أختك اللي شقيت عليك وبقت شبه العواجيز عشان تخليك دكتور محترم.. عايز تلبسها لبس خدامين عشان ترضي عروستك؟. رد عليا بعصبية وزعيق يا حنان متعمليليش دراما! هي دي الحقيقة، أنتي شبه الشغالات فعلاً، كلامك، طريقتك، جهلك! أنا دكتور جراح، أقولهم إيه؟ أقولهم أختي اللي مربياني بتمسح سلالام؟ عايزة تفضحيني وتضيعي مستقبلي؟ أنتي ليه أنانية كده؟!. أنتي شبه الشغالات.. الكلمة دي نزلت على قلبي قسمته نصين. حسيت إني كبرت فجأة ميت سنة. سحبت نفسي من قدامه بهدوء غريب.. هدوء الميتين. ماردتش ولا بكلمة، مسحت دمعة يتيمة نزلت على خدي. وقولتله بصوت واطي حاضر يا طارق.. اللي تشوفه يا حبيبي، مش هفضحك. تاني يوم، البيت كان متزوق، وهو لابس بدلته اللي جايبهاله من دمي، واقف يستقبل عروسته وأهلها البهوات. أنا مكنتش في المطبخ، ولا لبست يونيفورم.. أنا لميت هدومي في شنطة قديمة، وخرجت من الباب الخلفي قبل ما يوصلوا. بس قبل ما أمشي، حطيت صندوق قطيفة صغير على طرابيزة الصالون اللي هيقعدوا عليها، وكتبت عليه من برة هدية لأخويا وعروسته.. من الدادة. بعد ساعة، تليفوني رن.. كان طارق. رديت وأنا قاعدة على محطة القطر، سامعة صوت ضحكهم ومزيكتهم في الخلفية. قالي بهمس وعصبية أنتي فين يا حنان؟ أنا دورت عليكي في المطبخ ملقتكيش، والناس بيسألوا على الدادة اللي ربتني عشان يشكروها!. ابتسمت بوجع وقولتله الدادة سابتلك البيت وريحتك من شكلها اللي بيفضحك يا دكتور.. بس سابتلك هديتك ومقامك الحقيقي في الصندوق القطيفة اللي على طرابيزة الصالون.. افتحه ووري نسايبك مقامك!. قفلت السكة ورميت الشريحة كلها.. طارق بص للصندوق اللي على الطرابيزة بتوتر، نانسي عروسته سألته بفرحة إيه ده يا بيبي؟ دي هدية ليا؟. طارق ابتسم بغرور مصطنع، وقال لأبوها وأمها دي هدية من الست الغلبانة اللي ربتني، أكيد حاجة بسيطة على قدها. مد إيده وفتح الصندوق قدامهم كلهم وهو بيضحك.. بس ضحكته اتجمدت على وشه، والدم هرب من عروقه، ووقع الصندوق من إيده على الأرض، ونانسي وأبوها شهقوا وحطوا إيديهم على بوقهم من بشاعة الصدمة اللي شافوها جوه الصندوق!!!! الكاتبه_نور_محمد ما كان في الصندوق لم يكن ذهباً ولا مالاً، بل كان شهادة الحقيقة. كان الصندوق يحتوي على أوراق ملكية العيادة والمنزل، وكلها مكتوبة باسم حنان وحدها، وبجانبها صور قديمة جداً لهما، وصورة ل إيصالات تحويلات مالية وعقود بيع كانت حنان قد قامت ببيع كل ما تملك حتى دهب شبكتها القديم لتفتح له العيادة. وفوق كل هذا، كانت هناك رسالة صغيرة بخط يد حنان، مكتوب فيها إلى الدكتور طارق.. العيادة التي تقف فيها، والبيت الذي تجلس فيه، كلها ملك أختك الشغالة التي خجلت منها. هذه أوراق تنازلي عن كل شيء، لتعلم أنك لم تبنِ نفسك، بل بنيت نجاحك على أكتاف امرأة كانت لك الأم والأب.. الآن أنت حر، وأنا أيضاً تحررت من حملِك. ساد صمت مميت في الغرفة.. العروس ووالدها رجل الأعمال الكبير نظروا للأوراق، ثم نظروا لطارق الذي تلون وجهه بكل ألوان الفضيحة. لقد انكشف كذبه، وظهر أنه محتال تنكر لأخته من أجل بريستيج زائف. وبكلمة واحدة من والد العروس ده إنت طلعت ولا تسوى.. ومكانك مش بيننا، انتهت الخطوبة قبل أن تبدأ، وغادر الجميع تاركين طارق غارقاً في صمته وعاره. مرت الأيام.. طارق فقد كل شيء. العروس تركته، وسمعته في المستشفى اهتزت بعد أن انتشرت حكايته، وفوق ذلك، وجد نفسه أمام القانون؛ فحنان، ورغم طيبتها، كانت ذكية وقانونية؛ فقد باعت العيادة التي تملكها وسددت ديونها، وأخذت حقها الذي كان رأس مال لبدء حياة جديدة. أما حنان؟ فلقد سافرت لمدينة أخرى بعيدة، بدأت حياتها من الصفر. لم تعد تلك المرأة التي تلبس الثياب الباهتة وتنتظر نظرة رضا من أحد. استثمرت ما تبقى معها من مال في مشروع صغير مخبز أو مشغل خياطة راقٍ، وبدأت تعيش لنفسها لأول مرة. تعلمت القراءة والكتابة بشكل أفضل، وأصبحت سيدة أعمال صغيرة، وبدأت ملامح وجهها تشرق براحة البال والرضا. بعد مرور عامين جاءها اتصال من رقم غريب.. كان طارق. صوته كان مكسوراً، ذليلاً، لم يعد فيه نبرة الغرور التي عهدتها. بكى في الهاتف وقال حقك عليا يا حنان.. دُقت الدنيا وما لقيت حد بيحبني بصدق زيك، وعرفت إن طعم النجاح من غيرك مرّ، وإن قيمتي الحقيقية كانت فيكي، مش في الناس اللي كنت بحاول أبهرهم. حنان لم ترد بغضب، ولا بشماتة، بل ردت بهدوء وثبات يا طارق، أنا سامحتك كأخت، لكن قلبي اللي اتكسر مش بيرجع زي الأول. أنا النهارده ست تانية، مستقلة، وراضية. ربنا يسامحك، بس طريقنا من هنا بقى مفترق.. كل واحد فينا يروح لحاله، وابقى افتكر دايماً إن السند هو اللي بتلاقيه جنبك لما الكل يبيعك، مش اللي بتمسح بكرامته الأرض عشان خاطر شوية ناس لا هينفعوك ولا هيشتروك. أغلقت حنان الهاتف، ونظرت لنفسها في المرآة.. لم تعد ترى الشغالة التي تستحي من نفسها، بل رأت امرأة قوية، ناجحة، ومحاطة بأصدقاء يحبونها لشخصها، لا لمكانتها. لقد نالت حنان عدلها، ليس بالانتقام، بل بالاستغناء والنجاح. أما طارق، فقد تعلم الدرس الأقسى في حياته أن القصور التي تبنى على نكران الجميل، تنهدم عند أول ريح.. وأن الاخت التي ضحيتها لا تُعوض بمال الدنيا. تمت. لو عجبتك القصه ادعمها بلايك وكومنت ومتابعه لصفحتي الصفحه الرسميه للكاتبه نور محمد حتي يصلك كل جديد