قصه جديده
“أنا جاية حالاً يا ندى.. البسي وانزلي مع جوزك، الوقت ده مش وقت خصام ولا زعل، ده وقت أصول ووقفة رجالة!”
وصلنا إلى المستشفى، وكانت أروقة الطوارئ تشهد حالة توتر. كان أعمام حسام يجلسون على المقاعد بوجوه واجمة. عندما رآنا حسام، ركض نحو العناية المركزة، ووقف خلف الزجاج المزدوج ينظر إلى أمه الممددة بين الأجهزة. لم تعد الحاجة فوزية تلك المرأة القوية؛ كانت مجرد جسد ضعيف يصارع المرض.
وبينما كنا ننتظر الطبيب، أقبلت أمي الحاجة سناء بخطوات واسعة. انقبضت أجساد الأعمام ظنًا منهم أنها جاءت لتعاتب أو تشمت، لكن أمي اتجهت مباشرة إلى حسام، وضعت يدها على كتفه وثبتته وقالت بصوت دافئ:
“شد حيلك يا حسام.. الموت ما فيش فيه شماتة ولا كبر. أمك ست كبيرة، وربنا غفور رحيم.. ادعيلها يا بني.”
التفت الحاج عبد العظيم، عم حسام الأكبر، ونظر إلى أمي بإجلال واحترام شديدين، وقال:
“أصيل يا حاجة سناء.. طول عمرك ست بمليون راجل، والمواقف دي هي اللي بتبين أصل الناس.”
خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة، وتحلقنا جميعًا حوله. مسح جبهته وقال بنبرة مجهدة:
“الحالة حرجة.. الأزمة أثرت عليها، لكن قدرنا نسيطر ونستقرر. هي محتاجة هدوء تام ودعواتكم.”
مرت تلك الليلة كأنها دهور. لم أترك حسام لحظة واحدة، كنت أقدم له الماء، وأحاول التخفيف عنه، وأمي تجلس على المقعد تمسك بسبحتها وتدعو للحاجة فوزية بالشفاء. في تلك الليلة، أدركت أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في القدرة على التسامح عندما يكون الخصم مكسورًا.
في صباح اليوم التالي، تحسنت العلامات الحيوية للحاجة فوزية، وأذن الطبيب لدخول شخص واحد لدقائق معدودة بعد أن استعادت وعيها.
نظر حسام إليّ وإلى أمي وقال: “ادخلي معايا يا ندى.. وخلّي الحاجة سناء تدخل، أمي محتاجة تشوف الناس اللي سامحوها.”
دخلنا الغرفة. كانت ملامح الحاجة فوزية متعبة، وعيناها تدوران في الغرفة ببطء. عندما رأت حسام، تحركت شفتها وحاولت النطق، فسالت دمعة حارة من عينها على الوسادة.
اقتربت أمي الحاجة سناء منها ببطء، وجلست على طرف السرير. أمسكت بيد الحاجة فوزية وضعفتها، وبنبرة حنونة مسحت دموعها وقالت:
“حمد الله على سلامتك يا حاجة فوزية.. شدة وتزول إن شاء الله. ما تفكريش في أي حاجة فاتت، اللي فات مات واندفن.. إحنا أهل، وندى بنتك، وحسام ابننا كلنا. ادعي ربنا يقومك بالسلامة لتنوري بيتك.”