خمس دقائق بعد الطلاق حكايات شروق خالد

خمس دقايق بس بعد ما مضيت على ورق الطلاق، وكنت خارجة من المحكمة ومش معايا في الدنيا غير ابني. ورايا كان طليقي، وشريكته الجديدة، وعيلته بيحتفلوا بـ “البداية الجديدة”… لحد ما تليفونه رن.

خرجت برة وشايلة في إيد شنطة هدوم صغيرة، وبالإيد التانية ماسكة إيد ابني اللي عنده سبع سنين، وحاسة بتقاطيع السكوت بتخنق صدري. طليقي، كريم، مابصليش حتى بعد ما كل حاجة خلصت. عينه كانت على الست الشقراء اللي واقفة جنب الشباك—شيرين، “زميلته في الشغل” اللي فضل شهور ينكر أي حاجة بينه وبينها. حَماتي كانت واقفة قريبة، بتظبط عقد اللؤلؤ بتاعها في هدوء وفرحة مدارية، كأن كل حاجة أخيراً رجعت لمكانها الصح.

يوسف كان ماسك فيا جامد، وصوابعه متبتة في إيدي. كان لابس سويت شيرت أحمر دبلان وكوتشي قديم—حتى مالحقتش ألم هدومنا زي الناس. كل حاجة حصلت بسرعة تخوف. اتناشر سنة جواز اتمسحوا في كام إمضاء. قرار واحد، لحظة واحدة—وفجأة، حياتي اتحولت للحاجة اللي الناس بتقول عليها بذوق “بداية من جديد”.

وكريم رتب لكل ده.

بقاله شهور بيطلعني مجنونة، ونكدية، والعشرة معايا مستحيلة. عمره ما جاب سيرة فواتير الفنادق اللي قفشتها، ولا الفلوس اللي هربها في السر من ورايا قبل ما يرفع القضية. أهله صدقوه من قبل ما أفتح بوقي وأتكلم حتى. على ما وصلنا للمحكمة، كنت خلاص اتبروزت في صورة “المطلقة الغيورة” اللي المفروض تبوس إيدها وش وضهر على الملح والعيش اللي هيطلع بيه.

“عدل”.

الكلمة دي لسه حرقاني.

أخد كل حاجة—الشقة، وشاليه الساحل اللي أبوه كان “مدهوله هدية” بس مفيش ورق رسمي باسمنا، والشركة اللي طلعت عيني عشان نكبر سوا من ورا الكواليس. سنين من شيل الحسابات والشغل مكنش ليها أي قيمة عشان اسمي مكنش على الورق. كل اللي طلعت بيه قرشين صغار، ونفقة مؤقتة، وعربيتي الـ SUV القديمة.

المحامي بتاعه قالها في وشي: “العبرة باللي مكتوب في العقود”.

مضحك أوي إن العقود مابتظهرش غير لما يكون فيه طرف رتب للنهاية من زمان، والتاني غافل.

وأنا نازلة على سلم المحكمة، شفتهم ملمومين برة.

كريم فك الكرافات بتاعه. شيرين حطت إيدها في وسط إيده. أمه بوسته من خده. وأخوه بيضحك وصوته عالي: “أهو كده حياتك الحقيقية بدأت يا برنس”.

بعدها كريم بصلي.

مش بنظرة ذنب. ولا حتى كسوف.

كانت نظرة ارتياح.

رفع مفاتيح العربية في الهوا بحركة خفيفة، كأنه بيحييني بسخرية.

وديت وشي الناحية التانية بسرعة قبل ما يشوف عيني فيها إيه.

يوسف بصلي ببراءة وقال: “إحنا رايحين بيتنا؟”

ثبت صوتي بالعافية: “إحنا رايحين مكان أمان يا حبيبي”.

ورايا، سمعت صوت فرقعة إز can حاجة ساقعة بيحتفلوا بيها.

كانوا جايبين شربات يحتفلوا بخراب بيتي.

في اللحظة دي، تليفون كريم رن.

رد ببرود والضحكة ماليّت وشه.

بس في ثواني، كل حاجة اتقلبت.

الدم هرب من وشه. جسمه خشب في مكانه. شيرين بطلت ضحك. وضحكة أمه اختفت تماماً.

وزعق بصوت واطي ومكتوم بس حامي:

“إنت بتقول إيه؟! يعني إيه؟!”

…

OK

كريم فضل واقف في مكانه زي الصنم، التليفون متبت في ودنه وعينيه مبرقة من الصدمة. شيرين قربت منه وحطت إيدها على كتفه بتسأله بالراحة: “في إيه يا حبيبي؟ مين بيكلمك؟” بس هو زق إيدها بغشم من غير ما يبصلها، وصوته طلع لعلع في الشارع: “أنت سامع أنت بتقول إيه؟! حسابات الشركة إزاي اتجمدت؟ والفيلا.. فيلا الساحل مالها؟!”

أنا وقفت في مكاني. رجلي حفت ومقدرتش أتحرك خطوة زيادة. يوسف حس بيا فشد إيدي أكتر، بس عيني كانت مركزة على كريم اللي الضحكة اتمست من على وشه تماماً.

أخوه قرب منه واللقمة وقفت في زوره: “في إيه يا كريم؟ خضيتنا!”

كريم مكنش سامع حد حواليه، كان بيسمع الكلام اللي نازل عليه زي المطرقة من الناحية التانية من الخط: “يا فندم، جالي أمر رسمي بوقف كل تعاملاتك البنكية والتحفظ على الأصول الثابتة والمنقولة باسمك، بناءً على القضية المرفوعة من مصلحة الضرائب والكسب غير المشروع.. وكمان فيه بلاغ رسمي بتقديم مستندات مزورة للتهرب من مستحقات الشريكة السابقة.”

المحامي بتاعه، اللي كان واقف يضحك مع أمه من دقيقة، وشه جاب مية لون وخطف التليفون من إيد كريم: “ألو؟ أنا محامي الأستاذ كريم.. إيه البلاغ ده ومين اللي مقدمه؟”

في اللحظة دي، لفيت وشي وبصيت لكريم. عينيه جت في عيني.. وشاف فيهم النظرة اللي مكنش يتوقعها أبدًا. مكنتش نظرة واحدة مكسورة وخارجة من المحكمة بشنطة هدوم وعربية قديمة.

كانت نظرة واحدة عارفة كويس أوي هي بتعمل إيه.

هو افتكر إن ذكاءه خانه لما سابني أشتغل في حسابات الشركة ١٢ سنة من ورا الكواليس من غير ما يكتب اسمي على الورق. نسى إن السنين دي كلها خلتني حافظة كل قرش دخل وكل قرش خرج، وكل ورقة اتمضت، وكل ثغرة كان بيهرب منها. هو افتكر إني كنت نايمة على وداني لما كان بيحول الفلوس باسم أمه وباسم شيرين.. مكنش يعرف إن كل تحويل وكل حركة كانت بتتسجل في فلاشة صغيرة، متشالة في مكان أمان ميعرفوش غيري.

أنا ممضيتش على ورق التسوية والطلاق وبقيت “المطلقة الغيورة” إلا وأنا متأكدة إن الورق التاني وصل للمكان الصح وفي التوقيت الصح.. خمس دقايق بعد الإمضاء، بالظبط مع أول خطوة ليا برة باب المحكمة.

أم كريم بدأت تصوت في الشارع: “يا مصيبتي! يعني إيه الحجز؟ والفلوس اللي حطيتها باسمي يا كريم؟!”

وشيرين رجعت خطوتين لورا، وعينيها بدأت تلف حوالين نفسها، وبان وشها الحقيقي لما لقت المصلحة اللي جاية عشانها بطير في الهواء.

كريم بصلي وهو بينهج، والغل مالي عينيه، وبدأ يتحرك ناحيتي وهو بيزعق: “أنتي! أنتي اللي عملتي كده! مش هسيبك يا..”

قبل ما يكمل خطوته، اتنين من أفراد الأمن بتوع المحكمة وقفوا في وشه ومنعوه يقرب مني.

أنا ملقيتش نفسي محتاجة أقول ولا كلمة. بصيت ليوسف وابتسمت، وفتحت له باب العربية الـ SUV القديمة اللي هو سابهالي تريقة واستخفاف. ركب في الكرسي اللي قدام وربط الحزام وهو مبسوط.

لفيت ورحت عند كرسي السواق، وقبل ما أركب، بصيت لكريم ونزلت نظارتي السودا وبصيت له بكل برود.. كأني برد له حركته بتاعة المفاتيح.

ركبت عربيتي، دورت الموتور، ومشيت.. وسبتهم ورايا في عز الشمس، بيشربوا الشربات اللي جابوه بس بطعم المرار.

حكايات شروق خالد

أنا مشيت، وعيني في مراية العربية على منظرهم وهو بيصغر ورايا. كريم كان زي المجنون، بيزعق للمحامي بتاعه ويمسك في خناق أخوه، وشيرين واقفة بعيد وبتتكلم في تليفونها بصوت واطي، باين عليها بتشوف هيهربوا الفلوس اللي فاضلة إزاي، وأمه قعدت على الرصيف بتندب حظها واللؤلؤ اللي في رقبتها مابقاش ليه أي لازمة.

يوسف بصلي وهو بيعدل السويت شيرت بتاعه وقال بفضول: “ماما، هو بابا زعلان ليه؟ وليه طنط شيرين بتبكي؟”

أخدت نفس طويل، لأول مرة من شهور أحس إن الهوا بيدخل صدري من غير ما يخنقني. ابتسمت له وقلت: “مفيش يا حبيبي، بابا بس بيبدأ حياته الجديدة اللي كان نفسه فيها.”

شغلت كاسيت العربية على أغنية هادية، وسوقت في زحمة الشوارع وأنا حاطة إيدي على الشنطة الصغيرة اللي معايا. الشنطة دي مكنش فيها هدوم بس.. كان فيها لابتوب صغير، عليه النسخ الأصلية من كل الحسابات، وعقود تانية فرعية كريم نسى إن أمضته عليها، تثبت إن نص رأس مال الشركة ده كان من دهبي وفلوس ورثي من أبويا الله يرحمه.

قضية الكسب غير المشروع والضرائب دي كانت مجرد “المقبلات” عشان تجمده وتخليه مش عارف يتصرف في قرش واحد، إنما المعركة الكبيرة بجد هتبدأ في محكمة الجنايات والاقتصادية.. وأنا مش هسيب حقي وحق ابني.

وصلنا قدام عمارة قديمة في مصر الجديدة، عمارة بابا الله يرحمه. الشقة دي كانت مقفولة بقالها سنين، وكريم كان دايماً يقولي: “ابقي بيعيها وحطي فلوسها في البنك باسمي عشان نعمل بيها مشروع.” الحمد لله إن قلبي نقح عليا وما طاوعتوش.

نزلت ونزلت يوسف، وطلعنا السلم. فتحت الباب، الشقة كانت تراب، بس الشمس كانت داخلة من البلكونة ومقوية المكان. يوسف جري على الصالة وبدأ يتنطط: “المكان هنا واسع أوي يا ماما! ينفع أجيب لعبي هنا؟”

قلت له وأنا بضمّه لحضني: “ينفع يا قلب ماما.. المكان ده بتاعنا إحنا وبس، ومحدش يقدر يخرجنا منه.”

قعدت يوسف يتفرج على التلفزيون بعد ما شغلته بصعوبة، ودخلت البلكونة. تليفوني رن.. كان رقم المحامي بتاعي، الأستاذ عصام.

رديت بسرعة: “أيوة يا متر؟”

صوته جه يضحك وبيتكلم بثقة: “مبروك يا مدام.. البلاغات اتقدمت رسمي، والنيابة أصدرت قرار التحفظ فوري بناءً على المستندات اللي قدمناها الصبح. كريم بيه دلوقتي مش عارف يدفع حق الشربات اللي شربوه برة المحكمة.”

ضحكت من قلبي، ضحكة ماليها الراحة: “تفتكر هيحاول يكلمني؟”

المحامي رد: “هيموت ويكلمك، بس نصيحة.. مت رديش على أي مكالمة ولا رسالة. سيبيه يغرق في شبر مية، والمحكمة هي اللي هتتكلم بالنيابة عنك.”

قفلت مع المحامي، وبصيت للسما. الشمس كانت بدأت تغيب، بس جوايا كان فيه فجر جديد بيطلع.

Twelve years of marriage reduced to signatures? No.

اتناشر سنة جواز علموني إزاي أكون قوية، وإزاي آخد حقي بالقانون ومن غير ما ألف ولا أدور.

وفجأة تليفوني نور.. رسالة من كريم.

فتحتها وأنا ببتسم ببرود. الكلمات كانت بتهدد وتتوعد، وفي آخرها كاتب: “هخرب بيتك يا..”

مسحت الرسالة وعملت للرقم “بلوك”.

لفيت ضهري للبلكونة ودخلت ليوسف، وبدأت حياتي الحقيقية.. أنا وبس.

 

​خمس دقائق بعد الطلاق

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *