غدر الهضبة وسر الـ 20 سنة ج1 حكايات شروق خالد
يوم الحد جه، والجو كان مغيم كأنه حاسس بالمصيبة اللي هتحصل. فادية وجوزها مدحت جولنا بالعربية، وكانوا بيتعاملوا بمنتهى اللطف والمحبة المزيفة. ركبنا معاهم، وطول الطريق إسماعيل كان حاطط إيده في جيبه وقافل على التليفون اللي بيسجل كل نفس وكل كلمة.
مدحت أخد طريق طرة الصحراوي المقطوع، وبدأ يطلع بينا لفوق بحجة إنه “مختصر وهيجيبنا من ورا الهضبة عشان نشوف المنظر من أعلى نقطة”. أول ما وصلنا حتة عالية ومعزولة تماماً فوق هضبة المقطم بتطل على وادي صخري ناشف، مدحت وقف العربية وقال بابتسامة صفرا: “يلا يا جماعة وصلنا.. المنظر من هنا ملوش حل.”
نزلنا، وفادية بدأت تتمشى مع ليلى وإسماعيل لحد ما قربوا من الحافة، ومدحت كان واقف وراهم بيأمن المكان بعينه.
إسماعيل وقف فجأة وبص لبنته وقال لها بصوت جامد وهادي: “المنظر يفكرك بحاجة يا فادية؟ مش شبه المكان اللي داوود وقع منه من 20 سنة؟”
فادية اتسمرت في مكانها، ووشها اتغير، بس حاولت تضحك: “أنت بتقول إيه يا بابا؟ إيه السيرة دي دلوقتي؟”
ليلى دخلت في الكلام ودموعها في عينيها: “داوود موقعش يا فادية.. داوود أنتِ اللي زقتيه لما كشف سرقتك، وأبوكي شافك.. والنهاردة إحنا معانا ورق بيثبت إنك مديونة بـ 3 مليون وزورتي إمضاءتنا!”
هنا، القناع البريء بتاع فادية وقع تماماً، وعينيها تحولت لشرار وجحود ملوش مثيل. بصت لأبوها وأمها وقالت ببرود مرعب: “أه.. يعني أنتوا عارفين؟ طب كويس إنكم وفرتوا عليا وقت التمثيل البايخ ده.. الـ 8 مليون جنيه بتوع شقاكم دول بتوعي أنا، ومش هسيبهم يروحوا في المحاكم والديون!”
وقبل ما إسماعيل أو ليلى يعملوا أي رد فعل، فادية ومدحت هجموا عليهم بكل غل وزقوهم سوا من فوق الحافة..
نرجع للمشهد الأول.. ليلى كاتمة نفسها، ومدحت وفادية نزلوا من مدق جانبي يدوروا بين الصخور عشان يتأكدوا إنهم ماتوا.
فادية كانت واقفة على بعد خطوات، وبصت لجثث أهلها وقالت جملتها الباردة: “لو لسه فيهم النفس، هأزقهم تاني لتحت.”
مدحت لمس رقبة إسماعيل وبص لفادية وقال لها: “الراجل قاطع النفس خالص والست غرقانة في دمها.. يلا بينا قبل ما حد يلمح العربية، والورق اللي معاهم في الجيب أنا أخدته.. كده الـ 8 ملايين بقوا في جيبنا.”
أول ما مشيوا وصوت عربيتهم اختفى، ليلى زحفت وهي بتموت من الوجع لحد ما وصلت لإسماعيل. كانت بتعيط وتلطم في صمت، بس إسماعيل فتح عينه بالعافية، وبأخر طاقة عنده طلع التليفون من جيبه الداخلي المقفول.. الشاشة كانت مكسورة بس اللمبة الحمراء بتاعة التسجيل كانت لسه بتنور.
إسماعيل همس: “التسجيل.. التسجيل شغال يا ليلى.. حق داوود.. وحقنا.. متسبيش بنتك..” وغمض عينه للأبد.
بعد مرور شهرين…
قاعة محكمة الجنايات في القاهرة كانت زحمة على آخرها. فادية ومدحت كانوا واقفين في قفص الاتهام، لابسين الأبيض، ووشهم في الأرض بعد ما كانوا فاكرين إنهم عملوا الج*ريمة الكاملة وبلغوا إن أهلوها عملوا حادثة وهما بيتفسحوا.
لكن الصدمة اللي مكنتش في حساباتهم، إن ليلى عاشت.
ليلى دخلت القاعة على كرسي متحرك، وفوق كتفها شال أسود، ملامحها كانت عجوزة ومكسورة بس عينيها كانت مليانة بقوة الحق.
المحامي العام وقف وشغل التسجيل الصوتي اللي كان في تليفون إسماعيل.. صوت الهوا، وصوت المواجهة، والاعتراف الصريح من فادية بإنها قت*لت أخوها داوود من 20 سنة، وصوت زقهم من فوق الهضبة.
القاعة كلها اتقلبت وصراخ الناس ملى المكان من بشاعة الجرم. فادية بدأت تصرخ وتنهار ورا القضبان، ومدحت كان بيشتمها ويقول هي السبب.
القاضي نطق بالحكم الرادع: الإعدام شنقاً لفادية ومدحت، بتهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد لثلاثة أشخاص.
ليلى بصت لبنتها وهي بتتسحب لكلبشات الإعدام، مكنتش شمتانة، كانت حزينة على بطن شالت وبنت خانت، بس حست إن روح داوود وإسماعيل ارتاحت أخيراً.
خرجت ليلى من المحكمة، وبصت للسما، وقررت إن الـ 8 ملايين جنيه كلهم هيروحوا لبناء مستشفى مجاني لرعاية الأيتام باسم “داوود وإسماعيل”، وسابت الدنيا وكل فلوسها، وعاشت اللي باقي من عمرها بتصلي وتدعي لأعز الناس اللي راحوا ضحية الطمع والجشع.
حكايات شروق خالد
بعد ما القض*ية قفلت أبوابها، والحكم اتنفذ، ليلى مكانش باقي لها في الدنيا غير ذكرياتها وجسمها العليل اللي شال جروح مابتلمش. شقة مصر الجديدة اللي كانت دايماً مليانة بضحك إسماعيل وصوت خبط شاكوشه في الخشب، بقت هادية زي المقابر.
ليلى مبقتش تقدر تقعد فيها؛ كل ركن كان بيفكرها بخيانة فادية وجحدها.
باعت البيت، والورشة، والمحل، ولمت الـ 8 ملايين جنيه كلهم وحطيتهم في حساب جمعية خيرية موثوقة تحت إشراف وزارة التضامن. وبدأت تشرف بنفسها—رغم الكرسي المتحرك—على بناء “مجمع داوود وإسماعيل الخيري” في منطقة شعبية بسيطة، المجمع ده كان فيه مستوصف طبي بيعالج الغلابة ببلاش، ودار للأيتام عشان تعوض فيهم الحب اللي اتقابل بغدر.
وفي يوم، وهي قاعدة في جنينة دار الأيتام بتبص على العيال وهم بيلعبوا ويضحكوا، قربت منها محامية الجمعية وقالت لها: “ست ليلى، ورق المجمع كله خلص، وفيه حاجة أخيرة المحكمة بعتتهالي من متعلقات فادية ومدحت بعد تنفيذ الحكم.. تليفون فادية القديم اللي كان في أحراز القض*ية، تحبي تخليه معاكي ولا نعدمه؟”
ليلى كانت هترفض، بس فضول غريب خلاها تمد إيدها وتأخده.
فتحت التليفون، وبدأت تقلب في الرسايل القديمة.. كانت عايزة تفهم إمتى وإزاي بنتها تحولت لوحش كاسر بالشكل ده. شافت رسايل بين فادية وجوزها مدحت من شهور قبل الج*ريمة. مدحت كان كاتب لها: *”الديانة واقفين تحت البيت يا فادية، والوصية لو متمضتش الأسبوع ده أنا هتحبس، وشقا عمرنا هيضيع، اتصرفي مع أبوكي وأمك بأي طريقة”*.
وفادية كانت رداه عليه بجملة واحدة كسرت قلب ليلى للمرة الألف: *”أنا هخلص الموضوع كله يوم الحد.. مفيش حد هيقف في طريقي وطريق فلوسي، حتى لو كانوا هما”*.
رمت ليلى التليفون من إيدها على الأرض، وفضلت تبكي.. مش على فادية، بل على السنين اللي ضاعت وهي بتربي حية في بيتها وهي مش دارية.
مرت سنتين…
المجمع الخيري بقى شغال بكامل طاقته، وبقى بينور المنطقة كلها، وصور داوود وإسماعيل متعلقة في مدخل الدار، والكل بيدعي لهم بالرحمة.
ليلى كانت حاسة إن رسالتها في الدنيا خلاص بتنتهي. صحتها بدأت تتراجع، وفي ليلة من ليالي الشتا، وهي نايمة في سريرها بالمستوصف اللي بنته، حلمت بجوزها إسماعيل وابنها داوود واقفين على شط بحر واسع ونضيف قوي، وشايلين في إيديهم فستان أبيض، وبيبتسموا لها وبيقولوا لها: “يلا يا ليلى.. حقنا رجع، والمكان هنا مستنيكي.”
صحييت الصبح، الابتسامة كانت مالية وشها، وروحها كانت في قمة السلام. ندهت على مديرة دار الأيتام، وحطت إيدها في إيدها وقالت لها: “أمانة عليكي يا بنتي.. العيال دول أمانة، صونيهم وعلميهم إن الفلوس بتروح وتيجي، بس رضا ربنا والأصل الطيب هما اللي بيفضلوا.”
وعلى أذان الظهر، أسدلت ليلى عينيها للمرة الأخيرة، وراحت للي خلقها، بعد ما عاشت وشافت إن العدالة الأرضية خدت مجراها، والعدالة الإلهية صانت شقا العمر وحولته لخير مابينقطعش ليوم الدين.
حكايات شروق خالد
غدر الهضبة وسر الـ 20 سنة
حكايات شروق خالد