زوجتي التي أحرقت الحقيقة حكايات شروق خالد

اسمي كريم.

أنا شغال ممرض طوارئ في مستشفى الجامعة، ومن كتر السنين اللي قضيتها وسط الحوادث والدم والتعب، بقيت أعرف أقرأ الوجع من نظرة عين.

الكدمة بتحكي.

والرعشة بتفضح الخوف.

والسكوت ساعات بيصرخ أكتر من الكلام.

بس عمري ما شفت حاجة خوفتني زي أول مرة دخلت بيت ندى.

من أول ما دخلت حسيت إن في حاجة غلط.

مش خطر واضح.

بس إحساس تقيل يخنق القلب.

بنتها الصغيرة سلمي كانت واقفة عند باب الأوضة، حضنة لعبة دب قديمة وباصالي بتركيز غريب.

قالتلي: “إنت هتقعد؟ ولا هتمشي زي اللي قبلك؟”

ضحكت بهدوء وقلت: “لا يا حبيبتي، أنا جوز مامتك دلوقتي وهفضل معاكو.”

فضلت باصةلي كام ثانية من غير تعبير.

وبعدين هزت راسها وسكتت.

عدى تلات أسابيع.

ندى كانت مثالية بشكل يخوف… هادية، شيك، بتعرف تقول الكلام الصح في الوقت الصح.

أما سلمي فكانت دايمًا ساكتة.

بتراقبني.

وكل ما أقرب منها تبعد.

لحد ما ندى سافرت يومين شغل.

وهنا كل حاجة اتغيرت.

في أول ليلة، كنا قاعدين بنتفرج على فيلم، وفجأة لمحت دموع بتنزل من عين سلمي في هدوء.

قلت بلطف: “مالك يا سلمي؟”

فضلت باصة للتلفزيون.

وبعدين همست: “ماما قالت إنك هتسيبني.”

قلبي اتقبض.

“إيه؟”

قالت بصوت مكسور: “بتقول كل الرجالة بتمشي عشاني… عشان أنا متعبة ووحشة… وإنك أول ما تعرف حقيقتي هتمشي إنت كمان.”

لفيت جسمي كله ناحيتها وقلت: “بصيلي يا سلمي… أنا شفت ناس بتتوجع بجد، وشغلي كله مع الوجع… وعمري ما سبت حد محتاج مساعدة.”

للحظة شفت حاجة لمعت في عينيها.

أمل.

بس اختفى بسرعة.

بالليل، صحيت على صوت عياط مكتوم.

روحت أوضتها لقيتها ملفوفة في نفسها فوق السرير.

قلت بهدوء: “قوليلي إيه اللي واجعك؟”

جسمها اتشنج فجأة.

“مينفعش.”

“ليه؟”

بدأت ترتعش وهي بتقول: “ماما قالت لو اتكلمت… النار هتيجي.”

الكلام نزل على قلبي زي التلج.

“نار إيه يا سلمي؟”

بس هي سكتت ومردتش.

بعد يومين ندى رجعت.

كالعادة… شكلها مرتب وابتسامتها ثابتة كأنها خارجة من إعلان.

وإحنا بنتعشى، بصت لسلمي وقالت وهي بتقطع الأكل: “ها؟ كنتي مؤدبة؟ ولا عملتي دراما كالعادة؟”

سلمي مسكت الشوكة جامد وقالت بسرعة: “لا يا ماما.”

عرفت إنها خايفة.

الخوف كان واضح أكتر من الكلام.

تاني يوم وأنا بساعدها تلبس الجاكيت قبل المدرسة، فجأة خافت لما لمست دراعها.

قلت: “اهدي بس يا حبيبتي.”

ورفعت الكم شوية…

واتجمدت مكاني.

أربع علامات زرقا واضحة مطبوعة على دراعها.

وصباع إبهام كبير باين ناحية الكتف.

علامات إيد شخص كبير…

كان ماسكها بعنف.

حكايات شروق خالد

اتسمرت مكاني وأنا ببص للكدمات.

قلبي كان بيدق بعنف، بس حاولت أخبي صدمتي عشان متخفش أكتر.

قلت بهدوء: “سلمي… مين عمل كده؟”

عيونها اتحركت بسرعة ناحية باب الأوضة، كأنها خايفة حد يسمعنا.

وبعدين همست: “وقعت.”

الكذبة كانت أوضح من الكدمات نفسها.

أنا شغال في الطوارئ بقالي سنين… وعارف الفرق بين وقعة طفل وبين إيد شخص غرز صوابعه في جسمه بغضب.

ركعت قدامها وقلت: “محدش هيزعقلك لو قولتي الحقيقة.”

فجأة وشها شحب.

وقالت وهي بترتعش: “لو قولت… البيت هيولع.”

الكلمة رجعت تاني.

النار.

فضلت طول اليوم مش قادر أبطل تفكير.

ليلتها، بعد ما سلمي نامت، دخلت أوضة أنا وندى.

كانت واقفة قدام المراية بتحط كريم على وشها كأن مفيش حاجة في الدنيا غلط.

قلت بهدوء: “شفت كدمات على دراع سلمي.”

إيدها وقفت لحظة صغيرة جدًا… لحظة أي حد ممكن ميلاحظهاش.

بس أنا لاحظتها.

لفت ناحيتي وقالت بابتسامة باردة: “آه، البنت حساسة ومش بتعرف تلعب عدل.”

“دي مش كدمات لعب.”

ابتسامتها اختفت شوية.

“إنت بتتهمني بحاجة يا كريم؟”

“بسألك.”

ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة وقالت: “إنت دكتور طوارئ مش محقق.”

ومن غير ما تحس، نبرة صوتها خلتني أتأكد إن في سر أسود مستخبي.

بعدها بكام يوم، كنت بدور على شاحن في أوضة المكتب، ولقيت درج مقفول بمفتاح صغير.

الغريب إن المفتاح كان سايباه في الدولاب.

فتحته…

ولقيت جواه ملفات قديمة ورسومات أطفال.

وفي وسط الورق… صورة.

الصورة كانت لبيت محروق بالكامل.

وعليها بقلم طفل: “أنا السبب.”

اتجمد دمي.

في نفس اللحظة سمعت صوت سلمي ورايا.

كانت واقفة عند الباب وشها أبيض.

وقالت بخوف: “ماما قالت متشوفش الصور دي.”

قربتلها ببطء.

“إيه حكاية البيت ده؟”

بدأت دموعها تنزل.

وقالت: “بابا الحقيقي مات في الحريق.”

سكتت ثواني وهي بتشهق.

“بس أنا سمعت ماما وهي بتقول لتيتا إن الحريق مكانش حادث.”

نفسي اتقطع.

“يعني إيه؟”

بصت حواليها كأن الحيطان نفسها ممكن تسمعها.

وبعدين قالت: “ماما حبسته جوه البيت.”

حكايات شروق خالد

حسيت الأرض بتميل بيا.

بصيت لسلمي وأنا مش قادر أستوعب اللي سمعته.

طفلة عندها سبع سنين… بتقول إن أمها حبست أبوها جوه البيت لحد ما اتحرق؟

ركعت قدامها بسرعة وقلت: “سلمي… انتي متأكدة من الكلام ده؟”

هزت راسها ببطء وهي بتعيط.

“كنت مستخبية تحت الترابيزة… سمعتها وهي بتزعقله… وبعدها شميت ريحة بنزين.”

قلبي كان بيدق بعنف.

حاولت أتماسك وسألت: “والشرطة؟”

قالت وهي ماسحة دموعها: “ماما قالتلي لو حكيت لحد هقولهم إني كنت السبب… وإنهم هياخدوني مني.”

دلوقتي فهمت.

فهمت النار.

وفهمت الرعب اللي عايشة فيه البنت دي كل يوم.

في الليلة دي، منمتش.

فضلت قاعد في الصالة والملفات قدامي.

دورت أكتر وسط الورق لحد ما لقيت قصاصة من جريدة قديمة.

“حريق مأساوي يودي بحياة رجل أعمال داخل منزله.”

الصورة كانت لندى وهي بتعيط قدام الكاميرات.

الأرملة المثالية.

لكن حاجة صغيرة شدت انتباهي…

تقرير الحريق كان بيقول إن باب المكتب كان مقفول من بره.

إيدي بدأت تبرد.

وفجأة افتكرت حاجة.

الكدمات.

الخوف.

التهديد بالنار.

كل ده مش صدفة.

ندى كانت بتربي بنتها على الرعب عشان تسكت.

تاني يوم الصبح، ندى كانت بتحضر القهوة كأن الدنيا عادية.

بصتلي وقالت بابتسامة: “مالك؟ شكلك منمتش.”

بصيتلها للحظة طويلة.

ولأول مرة… شفت حاجة مستخبية ورا جمالها.

قسوة.

باردة وهادية.

قلت: “لا… بس بفكر.”

قربت مني وحطت إيدها على صدري وقالت بنعومة: “متفكرش كتير يا كريم… التفكير بيتعب.”

وفي اللحظة دي بالذات، سلمي دخلت المطبخ.

أول ما ندى بصتلها، البنت اتجمدت.

الخوف كان مرسوم على وشها.

ندى ابتسمت وقالت: “روحي هاتي شنطتك يا حبيبتي.”

سلمي جريت فورًا من غير كلمة.

ولما اختفت، ندى بصتلي وقالت بهدوء مخيف: “الأطفال ساعات بيخترعوا قصص عشان يلفتوا الانتباه.”

أنا مردتش.

بس جوايا كنت بدأت أخاف فعلًا.

مش على نفسي…

على سلمي.

وفي نفس الليلة، وأنا بحاول أنيمها، شدت طرف التيشيرت بتاعي وقالت بصوت مرتعش: “لو مت قبلي… هتسيبني لوحدي؟”

الكلمة خبطتني في قلبي.

حضنتها فورًا وقلت: “محدش هيقدر يأذيكي طول ما أنا موجود.”

لكن قبل ما ترد…

سمعنا صوت ندى من آخر الطرقة.

“سلمي!”

الصوت كان حاد بطريقة خلت البنت تنتفض بين إيديا.

وبعدين همست وهي مرعوبة: “هي عرفت إني كلمتك…”

حكايات شروق خالد

سلمي استخبت في حضني وهي بتترعش، وصوت خطوات ندى كان بيقرب ببطء في الطرقة.

ولما فتحت الباب، كانت واقفة بابتسامتها الهادية المعتادة… بس عينيها مكانش فيهم أي دفا.

قالت: “بتعملوا إيه؟”

قلت بسرعة: “كنت بنيمها.”

بصت لسلمي وقالت: “تعالي يا حبيبتي.”

سلمي مسكت في التيشيرت بتاعي جامد، لدرجة إني حسيت صوابعها بتغرز في جلدي.

ندى لاحظت الحركة.

الابتسامة اختفت ثانية واحدة.

ثانية صغيرة… لكنها كانت كفاية.

قالت بنبرة جامدة: “قولت تعالي.”

سلمي قامت ببطء، وراحت ناحيتها وهي منزلة عينيها في الأرض.

وقبل ما يخرجوا، سلمي بصتلي للحظة.

كانت نظرة استغاثة.

وفي اللحظة دي أخدت قراري.

مش هسيب البنت دي معاها لوحدها تاني.

بعد نص الليل، صحيت على صوت خبط خفيف.

فتحت الباب لقيت سلمي واقفة حافية، حضنة لعبتها القديمة ووشها كله دموع.

همست: “هي زعلانة.”

نزلت لمستواها بسرعة. “عملتلك حاجة؟”

هزت راسها بالنفي… بس إيدها كانت بترتعش.

وفجأة رفعت لعبة الدبدوب ناحيتي.

وقالت: “افتحه.”

استغربت.

الدبدوب كان قديم ومقطوع من الجنب بخياطة عشوائية.

فتحته بحذر…

ولقيت جواه فلاشة صغيرة.

بصيت لسلمي بدهشة. “دي إيه؟”

قالت وهي بتشهق من العياط: “بابا الحقيقي حطها جوا اللعبة… قبل ما يموت.”

قلبي وقف لحظة.

خدت الفلاشة ودخلت أوضة المكتب وقفلت الباب.

وصلتها باللاب.

كان عليها ملف فيديو واحد.

فتحت الفيديو…

وظهر راجل مرهق، دقنه طالعة وعينيه مليانة خوف.

“لو حد شاف الفيديو ده… يبقى أنا غالبًا مت.”

نفسي اتقطع.

الراجل كمل: “اسمي شريف… وجوزتي ندى بتحاول تقت*لني.”

حسيت الدم بيتسحب من جسمي.

الفيديو كان مهزوز، كأنه متصور بسرعة.

شريف قال: “هي هددتني أكتر من مرة… وقالت إنها لو خسرت كل حاجة هتولع البيت علينا كلنا.”

بعدها سمعنا في الفيديو صوت خبط بعيد.

شريف لف بخوف نحية الباب وقال بسرعة: “لو جرالي حاجة… سلمي بريئة. أوعوا تسيبوها معاها.”

وانقطع الفيديو فجأة.

فضلت باصص للشاشة ومش قادر أتنفس.

كل حاجة طلعت حقيقية.

الحريق.

التهديد.

الخوف.

ندى قت*لت جوزها… والبنت عايشة كل يوم مرعوبة إنها تكون الضحية الجاية.

وفجأة…

سمعت صوت هادي ورايا.

“إنت بتدور ورايا من ورا ضهري يا كريم؟”

اتجمدت مكاني.

ندى كانت واقفة عند باب المكتب.

وفي إيدها… ولاعة.

حكايات شروق خالد

بصيت للولاعة في إيدها… وبعدين لعينيها.

مكانش فيهم خوف.

ولا ارتباك.

بس هدوء مرعب.

قفلت اللاب بسرعة وقومت واقف.

قلت بحذر: “ندى… لازم نتكلم.”

ابتسمت وهي بتقلب الولاعة بين صوابعها. “عن إيه؟ عن الفيديو؟”

قلبي دق بعنف.

يعني هي عارفة.

عارفة إنّي شوفته.

قربت خطوة وقالت: “شريف كان ضعيف… ودايمًا بيفكر يهرب.”

“إنتِ قت*لتيه؟”

سكتت لحظة… وبعدين ضحكت ضحكة خافتة.

“الناس بتسميها قت*ل… وأنا بسميها نهاية مستحقة.”

حسيت الغضب بيغلي جوايا، لكن كنت لازم أهدى.

سلمي كانت أهم.

قلت: “البنت مرعوبة منك.”

ندى لفّت الوِلاعة واشعلتها للحظة، والنار الصغيرة نورت وشها بطريقة خلتني أقشعر.

“الخوف بيخلي الأطفال مطيعين.”

في اللحظة دي سمعت صوت حركة خفيفة برا المكتب.

سلمي.

كانت واقفة في الطرقة، عيونها مليانة دموع.

ندى لمحتها.

وفجأة ملامحها اتبدلت.

“تعالي هنا.”

سلمي رجعت لورا فورًا.

أنا اتحركت بسرعة ووقفت بينهم.

قلت بحزم: “خلاص يا ندى.”

وشها بقى جامد.

“إبعد من قدامي.”

“مش هسيبك تقربي منها.”

ثواني صمت عدت تقيلة…

وبعدين ندى ابتسمت فجأة.

الابتسامة دي كانت أبشع من العصبية نفسها.

قالت بهدوء: “فاكر نفسك تقدر تنقذها؟”

ومرة واحدة رمت الولاعة على الستارة اللي جنب الباب.

النار مسكت فورًا.

سلمي صرخت.

جريت بسرعة أطفي النار، لكن ندى كانت أسرع… قفلت باب المكتب علينا بالمفتاح من بره.

والدخان بدأ يعلى.

سلمي كانت بتنهار من العياط.

حضنتها بقوة وقلت: “بصيلي… بصيلي يا حبيبتي… هنطلع.”

النار كانت بتكبر بسرعة.

كسرت الكرسي في الإزاز بكل قوتي، لكن الشبابيك كانت قديمة وتقيلة.

سلمي كانت بتترعش وهي بتقول: “هي هتموتنا…”

صرخت: “لا! مش النهاردة.”

خدت اللاب والفلاشة في جيبي، وبدأت أضرب الإزاز بكل اللي عندي.

لحد ما اتكسر أخيرًا.

شلت سلمي وطلعت بيها من الشباك قبل ما النار تاكل الأوضة كلها.

وقعنا على العشب برا البيت، وأنا بكح من الدخان.

ورفعت عيني…

لقيت ندى واقفة جوه وسط النار.

بصالي… وابتسمت.

وبعدين اختفت وسط اللهب.

حكايات شروق خالد

صوت عربيات المطافي والشرطة كان مالي الشارع كله.

أنا كنت قاعد على الأرض، ضامم سلمي لصدري وهي بتعيط بهستيريا.

المسعفين حاولوا ياخدوها مني عشان يكشفوا عليها، لكنها كانت ماسكة فيا بكل قوتها.

“متسبنيش… بالله عليك متسبنيش.”

قلت وأنا بمسح على شعرها: “مش هسيبك… وعد.”

النار فضلت تاكل البيت أكتر من ساعة.

وفي النهاية، واحد من رجال المطافي خرج ووشه متغير.

قال للضابط: “ملقيناش أي ج*ثة.”

رفعت راسي بسرعة.

“إيه؟”

الراجل كرر: “البيت انهار من جوه… بس مفيش ج*ثة.”

برودة غريبة مشت في ضهري.

ندى هربت.

بعدها بأيام، الشرطة فتحت تحقيق رسمي بعد ما سلمتهم الفلاشة والفيديو وكل الورق اللي لقيته.

واتضح إن شريف قبل موته كان فعلًا مقدم بلاغات ضد ندى، لكنه رجع وتنازل عنها بعدها بكام يوم.

الضابط قال: “واضح إنها كانت بتهدده بحاجة.”

أما سلمي… فبقت ترفض النوم لوحدها.

كانت كل ليلة تصحى مفزوعة على أي صوت.

وفي مرة صحيت وهي بتصرخ: “النار! النار جاية!”

حضنتها لحد ما هديت.

ومع الوقت بدأت تكلمني أكتر.

تحكيلي عن أبوها.

عن خوفها.

وعن إزاي أمها كانت تقفل عليها في الدولاب بالساعات عقاب.

كل كلمة كانت بتكسرني أكتر.

بعد شهرين، المحكمة ادتني حق الوصاية المؤقتة عليها لحد انتهاء التحقيقات.

ولأول مرة، شفت سلمي تضحك بجد.

ضحكة صغيرة… لكنها حقيقية.

افتكرت إن الكابوس خلص.

لكن في ليلة شتوية، رجعت البيت بعد شيفت طويل في المستشفى.

ولقيت باب الشقة مفتوح سنة بسيطة.

اتجمدت مكاني.

أنا متأكد إني قفلته.

دخلت ببطء، وقلبي بيدق بعنف.

الشقة كانت هادية بشكل مرعب.

“سلمي؟”

محدش رد.

جريت ناحية أوضتها.

لقيتها نايمة.

لكن على الحيطة فوق سريرها… كان مكتوب بخط أسود كبير:

“النار بترجع دايمًا.”

وفي نفس اللحظة…

وصلت رسالة على موبايلي من رقم مجهول.

صورة لسلمي وهي نايمة من ثواني.

وتحتها رسالة قصيرة:

“دلوقتي دورك تحترق يا كريم.”

حكايات شروق خالد

حسيت الدم اتجمد في عروقي.

بصيت للصورة تاني… كانت متصورة فعلًا من جوه الشقة.

يعني ندى كانت هنا.

قريبة.

يمكن لسه جوه المكان.

جريت فتشت الشقة كلها وأنا ماسك أقرب حاجة لإيدي كس*لاح، لكن مكنش فيه حد.

الشباك اللي في المطبخ كان مفتوح سنة صغيرة.

هي دخلت… صورت سلمي… وخرجت.

بصيت للبنت الصغيرة وهي نايمة ببراءة على السرير، ومكنتش قادر أتخيل كمية الرعب اللي عاشتها طول السنين دي.

في اللحظة دي، فهمت إن ندى مش هتوقف.

مش طالما سلمي عايشة.

تاني يوم نقلت أنا وسلمي لشقة تانية تبع واحد صاحبي من غير ما أقول لأي حد العنوان.

حتى الشرطة.

الضابط كان معترض، لكني كنت عارف إن ندى ذكية… ولو قدرت تدخل شقتي مرة هتعرف توصلنا تاني.

الأيام الأولى عدت بهدوء غريب.

الهدوء اللي بيبقى قبل العاصفة.

سلمي بدأت تروح لثيرابي مخصوص للأطفال، وبقت تبتسم أكتر.

وفي يوم وهي بترسم، بصتلي فجأة وقالت: “إنت أول حد يخاف عليا بجد.”

الكلمة كسرت حاجة جوايا.

لكن نفس الليلة، وأنا برجع من الشغل، حسيت إن عربية سودا ماشية ورايا.

كل ما ألف… تلف.

كل ما أسرع… تسرع.

لحد ما فجأة اختفت.

بدأت أنام وس*كينة المطبخ جنب السرير.

وأصحى على أي صوت.

وفي ليلة الساعة كانت داخلة على ٣ الفجر، الكهربا قطعت فجأة.

الشقة غرقت في الضلمة.

سلمي صحيت مفزوعة.

“كريم؟”

“أنا هنا.”

قومت بسرعة أدور على كشاف الموبايل.

وفي نص الضلمة… سمعت صوت خبط خفيف جاي من الصالة.

تك.

تك.

تك.

ببطء خرجت من الأوضة.

الهواء كان ساقع بشكل غريب.

ولما نورت الكشاف ناحية الباب…

لقيته مفتوح.

مع إنّي متأكد إني قفلته بالمفتاح.

وفوق الأرض كان فيه أثر خطوات مبلولة داخلة لجوه الشقة.

قلبي كان هيقف.

اتبعت الأثر لحد المطبخ.

وهناك…

لقيت البوتاجاز مفتوح.

الغاز مالي المكان كله.

ندى كانت ناوية تنسف الشقة علينا وإحنا نايمين.

قفلت الغاز بسرعة وفتحت الشبابيك وأنا حرفيًا إيديا بتترعش.

وفجأة…

سمعت سلمي تصرخ من الأوضة.

جريت بكل قوتي.

ولما دخلت…

لقيت الستارة بتولع.

وندى واقفة في الركن المظلم من الأوضة، عينيها ثابتة علينا، وفي إيدها علبة كبريت.

وقالت بابتسامة باردة: “قولتلك… النار بترجع دايمًا.”

حكايات شروق خالد

سلمي كانت بتصرخ وبتستخبى ورا ضهري، والنار بدأت تاكل طرف الستارة بسرعة.

لكن المرة دي… أنا مكنتش مرعوب.

كنت مستعد.

من يوم الرسالة وأنا حاسس إنها هترجع.

ولما شوفتها واقفة قدامي وسط الضلمة، حسيت بحاجة واحدة بس…

غضب.

جريت بسرعة ناحية الستارة وطفيتها بالبطانية اللي كانت على السرير، وفي نفس اللحظة ندى حاولت تجري ناحية الباب.

لكنّي مسكتها قبل ما تهرب.

بدأت تخبط وتصرخ بجنون: “سيبني!”

كانت أقوى مما توقعت، بتخربش وتعض وتحاول توصل لعلبة الكبريت اللي وقعت منها.

سلمي كانت منهارة من العياط.

صرخت فيها: “اتصلي بالشرطة! دلوقتي!”

إيدي كانت بتترعش وأنا مثبت ندى على الأرض.

وفجأة… ضحكت.

وسط كل الفوضى، ضحكت.

وقالت بصوت هادي مرعب: “فاكر إنك كسبت؟”

بصيتلها بغضب: “انتهى كل حاجة.”

هزت راسها ببطء.

“لا… سلمي عمرها ما هتبقى طبيعية. أنا جواها خلاص.”

الكلام نزل على قلبي زي السم.

لكن قبل ما تكمّل، صوت sirens الشرطة قرب من تحت البيت.

ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

بدأت تتوتر وتحاول تفلت أكتر.

“لا… لا… مش السجن.”

الضباط دخلوا الشقة بعد ثواني.

وأخيرًا، بعد شهور من الرعب، اتحطت الكلابشات في إيد ندى.

وهي خارجة، كانت عينيها ثابتة على سلمي.

وقالت بابتسامة غريبة: “هتكبري وتبقي شبهي.”

سلمي استخبت في حضني وهي بتعيط.

أما أنا… فوقفت أتفرج على ندى وهي بتتاخد.

وأول ما باب عربية الشرطة اتقفل عليها…

حسيت إنّي أخدت أول نفس حقيقي من شهور.

بعدها بست شهور، المحكمة حكمت على ندى بالسجن المؤبد بعد ما ظهرت أدلة جديدة تثبت إنها فعلًا حبست جوزها الأول وسابت النار تق*تله.

أما سلمي…

فبقت تنام من غير كوابيس لأول مرة.

وفي يوم، وأنا بركبها المرجيحة في الجنينة، بصتلي وقالت: “هو إنت هتفضل بابا بتاعي حتى لو أنا مش من دمك؟”

ركعت قدامها وابتسمت.

“إنتِ بنتي… حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.”

ولأول مرة من يوم ما عرفتها…

سلمي ضحكت من قلبها.

زوجتي التي أحرقت الحقيقة

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *