ثمن الصبر حكايات شروق خالد
شنطتك برة يا نادين.. ومباقاش ليكي مكان في البيت ده خلاص.
كنت واقفة مش قادرة أتحرك قدام باب فيلتنا في التجمع الخامس. إيد بترتعش وحطاها على بطني، والإيد التانية ماسكة ظرف أبيض كبير.. جواه ورق طلاقي. مفاتيح بيتي كانت محطوطة بنظام فوق الشنطة الملمومة، كأن جوزي قرر يختصر عشرة عمري كلها في شلل شنط وورقة قانونية.
من جوة البيت كنت سامعة صوت ضحك.. مش ضحك مكسوف ولا متفاجئ، ده ضحك ناس واثقة إنها كسبت كل حاجة ودست عليا. من الباب المفتوح، شفت رامي قاعد ومتربع على الكنبة اللي نقيتها بنفسي من كام سنة، وجنبه قاعدة شيرين.. صغيرة، زي القمر، مهتمة بنفسها على الآخر، وماسكة كاس العصير في إيدها كأن المكان ده مكانها من زمان.
وجنبهم كانت واقفة حماتي، الحاجة كريمة، بطقم الدهب بتاعها ونظرة العوجة والتعالي اللي حافظاها صم. بقالها سنين بتسمعني نفس الكلام المسموم في كل عزومة عيلة ولمة رمضان:
“الجوازة من غير عيال بتبقى ناقصة يا حبيبتي.”
“الست اللي متجيبش حتة عيل يملى عليها بيتها، بتبقى ناقصة أهم حتة في أنوثتها.”
كل كلمة كانت بتد..بحني من جوة وهم مش حاسين. بقالي أكتر من حداشر سنة مستحملة مأساة الدكاترة، وحقن التنشيط اللي بتهد الجسم، وعمليات ومصاريف، وليالي طويلة بقضيها على السجادة ببكي وبدعي ربنا. كل تحليل حمل يطلع سالب كان بيبقى كسرة قلب جديدة.. ومع كل صدمة، رامي كان بيبعد أكتر.. لحد ما مابقاش يحاول أصلاً، وبقى يبصلي بقرف كأني عاجزة.
اللي محدش فيهم كان يعلمه، إن من سبع أسابيع بس، ربنا رماني في طريق دكتور جديد كشف الحقيقة.. بعد سنين من التشخيص الغلط من دكاترة مشهورين، طلع عندي بطانة رحم مهاجرة شديدة ومحدش عالجها صح. يعني العيب عمره ما كان مني.. ولا مرة!
وبعد عملية جراحية وعلاج مظبوط، حصلت المعجزة اللي الدكاترة قالوا إنها شبه مستحيلة.. الصبح ده بالذات، عرفت إني حامل!
كنت راجعة البيت طيران وأنا شايلة أحلى خبر في حياتي، وبتخيل فرحة رامي لما يعرف إنه خلاص هيبقى أب.. لكن دخلت لقيت حاجتي ملمومة، ورق طلاقي مستنيني، وست تانية قاعدة مكاني.
الحاجة كريمة قربت مني وبابتسامة شمتانة قالت: “متصعبيهاش على نفسك يا نادين، رامي من حقه يشوف نفسه مع ست تجيب له العيل اللي يحمل اسمه.. احنا ضحينا واستحملنا معاكي كتير.”
الكلام نزل عليا زي الكرباج في صدري. في لحظة، كنت عاوزه أصرخ في وشهم وأقولهم كل حاجة.. كنت عاوزه أقولهم إن فيه بيبي بيكبر جوايا حالا.. كنت عاوزه أشوف مناخيرهم اللي في السما دي وهي بتتكسر. بس لما بصيت لـ رامي، لقيت عينه في الأرض.. مش قادر حتى يبص في عيني. ما قامش من مكانه، معتذرش، مسألنيش هتروحي فين في الغربة دي.
أخدت شنطتي في سكات، ومشيت في الطرقة وخرجت برة الفيلا خالص. حملي لسه مش باين.. بس كسرتي وخيانتهم ليا كانت مغطية على الكون كله.
مشيت في الشوارع مش دارية بنفسي ولا عارفة أروح فين، لحد ما رجلي وقفت جنب عربية مرسيدس سودا فخمة راكنة على جنب. الإزاز الفامييه بتاعها عكس صورتي.. ست تانية خالص معرفهاش.. حامل، مكسورة، ولوحدها في الدنيا.
وفي اللحظة اللي كنت فاكرة إن اليوم مش ممكن يسوء أكتر من كده، إزاز العربية نزل براحة.. ولقيت راجل كبير في السن، هيبته تملى المكان، لابس بدلة رمادي شيك جداً، وبصلي بذهول وصدمة مش طبيعية.. كأنه شاف حد مات من سنين ورجع تاني للدنيا.
بصلي وبصوت دافي وكله حنية قال: “يا بنتي.. أنتِ بتعيطي كده ليه؟ ومين اللي عمل فيكي كده؟”
وقتها، مكنتش أعرف إن السؤال البسيط ده من الراجل الغريب، هيفتح باب لسر قديم وخطير.. سر هيهد كل اللي رامي بناه، وهيخليه يركع على ركبه وهو بيبكي قدام المعازيم كلهم يوم فرحه بعد كام سنة!
أول ما ركبت مع الراجل ده، واكتشفت هو مين، الحكاية اتغيرت تماماً.. الراجل ده طلع اسمه المستشار جلال، وأول ما شاف ملامحي افتكر بنته الله يرحمها اللي ماتت في حادثة، وقرر يتبناني ويقف ضهر ليا. أخدني في بيته، وعالجني، ووقف معايا لحد ما ولدت.. ومش طفل واحد.. ربنا رزقني بتوأم تلات أطفال زي القمر.. ولدين وبنت!
مرت السنين، ورامي كان عايش في وهم إن شيرين هي اللي هتعوضه، بس الصدمة إن شيرين طلعت هي اللي مبتخلفش، وبقوا عايشين في نكد، لحد ما قرر يتجوز عليها واحدة تالتة أصغر منها ويعمل فرح تاريخي في أكبر فندق في القاهرة عشان يثبت لنفسه إنه لسه عريس ويقدر يجيب العزوة.
يوم الفرح.. والقاعة مليانة على آخرها برواد الأعمال وحيتان السوق والحاجة كريمة قاعدة زي الملكة.. الأغاني اشتغلت، ورامي ماسك إيد عروسته الجديدة وبيضحك للفوتوجرافر.
وفجأة.. الباب الكبير بتاع القاعة اتفتح.
ودخل تلات أطفال زي الملايكة، لابسين أشيك لبس، وفي إيديهم باقات ورد صغيرة.. وبخطوات واثقة مشيوا في وسط الممر لحد ما وصلوا للكوشة. رامي ضحك وافتكرهم تبع تنظيم الفرح ومفاجأة من أصحابه، فوطى عليهم وقالهم: “يا حبايب قلبي، انتوا تبع مين؟”
الولد الصغير مسك الميكروفون من على التربيزة اللي جنب الكوشة، وبصوت طفولي رن في القاعة كلها قال: “احنا ولاد نادين.. وجايين نقولك إن مامي بتبلغك إن العيب عمره ما كان منها.. والتحاليل دي بتقول إنك أنت اللي مبتخلفش أصلاً يا بابا!”
القاعة كلها سكتت تماماً.. المزيكا وقفت.
وفي اللحظة دي، دخلت أنا.. نادين. لابسة فستان أسود شيك جداً وراقية لأبعد حد، وجنبي المستشار جلال اللي بقيت ماسكة كل شركات المقاولات بتاعته وسوق السوق بقى في إيدي.
رامي وشه بقى أزرق، وجسمه بدأ يترعش وهو بيبص للعيال ويبصلي ومش مستوعب الصدمة. الحاجة كريمة وقعت من على الكرسي من طولها والناس بتجري تلحقها، وشيرين اللي كانت قاعدة في الفرح شمتانة بدأت تضحك بهيستيريا وهي شايفة رامي بيتفضح قدام مصر كلها وعروسته الجديدة رمت الورد في وشه وجريت برة القاعة.
قربت من الكوشة براحة، وبصيت في عينه المكسورة وقلت له وبأعلى صوت يسمعه الكل: “حداشر سنة رميت عليا ذنب مش ذنبي وطردتني في الشارع.. والنهاردة ربنا ردلي اعتباري قدام كل الناس اللي صغرتني بسببهم.. مبروك فرحك يا رامي.”
أخدت ولادي التلاتة في حضني، ولفيت ضهري وخرجت وأنا سامعه صوته وهو عمال يصرخ ورايا ويركع في الأرض ويبكي، بس خلاص.. الدور ده كان دوري أنا اللي أضحك وأمشي وأنا كسبانة كل حاجة!
#حكايات_شروق_خالد
الصدمة شلّت حركة الكل في القاعة، ورامي كان واقف بيبصلي ويبص للأولاد وكأن تيار كهربائي ضربه. عروسته الجديدة لمت فستانها الأبيض وبصتله بقرف وزعيق: “يعني أنت غشيتني؟ وكنت عاوز تتدبس فيا وأنا مش هخلف منك؟” رمت بوكيه الورد في وشه وجريت برة القاعة والمعازيم كلهم بيتوشوشوا ويصوروا بالموبايلات.
الحاجة كريمة حاولت تقوم وتقف وسط الناس وهي بتزعق: “كدب.. البنت دي كدابة.. ابني سيد الرجالة!”
لكن المستشار جلال قرب خطوة، وطلع من جيب بدلته الورق الرسمي والتحاليل المعتمدة من أكبر مراكز التحاليل في مصر، ورماها في وش رامي قدام الكل وقال بصوت هز القاعة: “الورق ده فيه تحاليل ابنك القديمة اللي كان مخبيها عن نادين، وتحاليل نادين اللي بتثبت إنها سليمة، والتحاليل الجديدة اللي بتثبت إن الولاد دول ولاده جينياً بنسبة 100%.. يعني ربنا حرمك من العزوة بإيدك لما ظلمت الست اللي صانتك حداشر سنة!”
رامي انهار تماماً، وقع على ركبه في وسط الممر ونزل عند رجلي وهو بيبكي بهيستيريا ويقول: “سامحيني يا نادين.. أنا اضحك عليا.. أمي هي اللي وزتني، شيرين هي اللي خلتني أعمل كده.. أرجوكي ارجعيلي وخدوا كل ممتلكاتي.. أنا عاوز ولادي!”
بصيت له من فوق لتحت ببرود تام، وقلعت الدبلة القديمة اللي كنت شايلاها في شنطتي ورميتها قدامه على الأرض: “ممتلكاتك؟ أنا دلوقتي شريكة المستشار جلال في أكبر شركة مقاولات في السوق، وممتلكاتك دي متجيش ثمن فرع واحد من فروع شركتنا. وولادك دول.. اسمهم اتكتب باسمي أنا، وهيربوا في عزي أنا.. أنت بالنسبالهم مجرد صفحة سودا وقفلناها.”
مسكت إيد ولادي التلاتة، وبصيت للمستشار جلال وابتسمت، ولفينا ضهرنا ومشينا في وسط الممر الفخم والكل كان بيوسع لنا باحترام وذهول.
واحنا خارجين من باب الفندق، ركبت عربيتي المرسيدس السودا الفخمة، وبصيت من الشباك على تلاتة من أحلى ملايكة في الدنيا قاعدين في الكنبة اللي ورا وبيضحكوا.. وبقيت عارفة إن اللي بيصبر على الظلم وبيفوض أمره لربنا.. لازم يجي اليوم اللي يشوف فيه حقه بيرجع له تالت ومتلت والدنيا كلها بتتفرج.
حكايات شروق خالد
عدت الشهور بعد الليلة دي، ورامي مابقاش ليه قايمة في السوق. الفضيحة اللي حصلت في الفرح خلت كل المستثمرين ورجال الأعمال يسحبوا عقودهم من شركته خوفاً على سمعتهم، وبقى مديون ومفلس، والحاجة كريمة جالها جلطة من الصدمة وقعدت في السرير ومبقتش تقوى تفرد ظهرها ولا تتنطط على حد تاني.
أما أنا.. فكنت قاعدة في مكتبي الجديد في البرج الإداري بالتجمع، باصة من الشباك الإزاز الكبير على الفيلل والبيوت اللي شركتنا بتبنيها. مابقيتش نادين المكسورة بتاعة زمان؛ بقيت سيدة أعمال ليها اسمها ووزنها في السوق، والكل بيعملها ألف حساب.
الباب خبط، ودخل المستشار جلال وهو مبتسم وجايب في إيده أكياس حلويات وشوكولاتة كبيرة: “مساء الخير يا سيادة الدكتورة.. فين العزوة بتوعنا؟”
وفجأة من وراه، جرى ولادي التلاتة.. الولدين والبنت، دخلوا المكتب وصوت ضحكهم ملى المكان بروح وحياة. جريوا عليا وحضنوني، والولد الصغير قال وهو بيوريني كشكول الرسم بتاعه: “بصي يا مامي.. أنا رسمت الفيلا الجديدة اللي هنعيش فيها.. ورسمت ليكي عربية طيارة عشان تروحي بيها الشغل!”
ضحكت من كل قلبي ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة صافية. بصيت للمستشار جلال وقلت له: “أنا عمري ما هنسى جمايلك عليا يا سيادة المستشار.. أنت رجعتلي روحي.”
طبطب على كتفي وقال بحنية أب حقيقي: “يا بنتي.. ربنا لما بياخد حاجة من بني آدم، بيبقى شايل له الأحسن بكتير.. أنتِ صبرتي على حداشر سنة ظلم وافتراء، وكان لازم عوض ربنا يجيلك كبير ومجلجل عشان ينسيكي كل ليلة نمتي فيها ودموعك على خدك.”
لميت حاجتي، وأخدت ولادي في إيدي، وخرجنا من الشركة وإحنا ماشيين في وسط الموظفين اللي واقفين بكل احترام يلقوا علينا التحية. ركبنا عربيتنا، وبقيت باصة للطريق قدامي بابتسامة راحة وثقة.. مابقاش فيه خوف من بكرة، ومابقاش فيه ماضي بيوجع، لأن اللي معاه ربنا ومعاه عزوته وولاده في حضنه.. بيبقى ملك الدنيا كلها وميقدروش عليه إنس ولا جان.
“ثمن الصبر
حكايات شروق خالد