ملح الكرامة ج2 حكايات شروق خالد
تاني يوم الصبح، روحت النيابة عشان أقفل المحضر وأثبت حالة الاعتداء بالتقرير الطبي. طارق وأمه قضوا الليلة في الحجز، ولما شفتهم واقفين قدام وكيل النيابة، مكنتش مصدقة إن دول نفس الشخصين اللي كانوا هيموتوا من الضحك والمنظرة من كام ساعة.
طارق كان شعره منكوش والجاكيت بتاعه متبهدل، وحنان كانت قاعدة على كرسي خشب وهي بتعيط بحرقة وطرحتها معوجة، ومفيش في بؤها غير كلمة واحدة: “يا فندم إحنا عيلة، ودي خلافات زوجية بسيطة”.
طارق أول ما شافني، حاول يقرب مني وهو بيترجاني: “يا رانيا، عشان خاطري تنازلي، أنا كنت متعصب والشيطان شاطر، والله ما هرفع إيدي عليكي تاني.. دي أمي كانت هتموت من الرعب طول الليل”.
بصيت له بكل برود وقلت له: “الشيطان مكنش شاطر ولا حاجة يا طارق، أنت اللي كنت فاكر إن ماليش ضهر، وأمك كانت بتضحك وهي شايفاك بتمد إيدك عليا.. اللي يمد إيده عشان ملح، بكرة يمد إيده عشان أي حاجة تانية”.
رفضت تماماً إني أتنازل عن محضر الضرب، والنيابة أمرت بإحالة القضية للمحكمة. وفي نفس الأسبوع، رفعت قضية طلاق للضرر وبدأت إجراءات الحجز على حساباته اللي كان واخدها من ورايا عشان أضمن كل مليم صرفته عليه من شقايا وتعب شفتات الـ 12 ساعة.
حنان حاولت تبعت لي قرايبها وجيرانها عشان يتدخلوا، وكانوا بيقولوا لي: “يا بنتي عشان بيتك ومستقبلك، بلاش فضايح في المحاكم”، فكنت بطلع لهم عقد الشقة والتقرير الطبي وأقولهم: “البيت بيتي أنا، وهو اللي اترمى برا، ومستقبلي بدأ من اللحظة اللي طردته فيها”.
بعد كام شهر، المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر، وطارق أخد حكم مع إيقاف التنفيذ في قضية الضرب عشان ملوش سوابق، بس الحكم ده دمر سمعه تماماً وبقى مكتوب في فيش وتشبيه بتاعه.. ومبقاش عارف يلاقي وظيفة محترمة في أي بنك تاني. اضطر ياخد أمه ويرجعوا يعيشوا في شقتهم القديمة الضيقة في الضواحي، بعد ما دفعوا كل اللي وراهم واللي قدامهم للمحامين.
النهاردة، وأنا قاعدة في بلكونة شقتي، بشرب قهوتي وببص على أنوار المدينة، حسيت براحة م عشتهاش من تلات سنين. الشوربة يومها مكنتش محتاجة ملح.. كانت محتاجة بس رشة كرامة، وأنا رشيت الكرامة اللي فوقتهم وعرفوا بيها قيمتهم الحقيقية.
حكايات شروق خالد
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها وأنا بكتشف فيها نفسي من جديد. الشغل اللي كانوا بيتريقوا عليه ويكلموني فيه بتناكة، اترقيت فيه وبقيت مديرة قسم التسويق العقاري في الشركة، وبقى اسمي معروف في السوق كله. بفلوسي وشقايا غيرت فرش الشقة كله، مبقتش طايقة أشوف أي حاجة تفكرني بيهم ولا بالـتلات سنين اللي ضاعوا من عمري في الهوا.
في يوم وأنا نازلة ورايحة لشركتي، لقيت طارق واقف جنب عربيتي. شكله كان يصعب على الكافر؛ خاسس جداً، ولبسه باهت، وراكب عربية قديمة متبهدلة خالص غير العربية اللي كنت مجيراهاله بفلوسي.
أول ما شافني، قرب مني بلهفة وصوت فيه كسرة عمري ما شفتها فيه قبل كده: “رانيا.. أرجوكي اسمعيني، خمس دقائق بس”.
وقفت وربعت إيدي وبصيت له من فوق لتحت ببرود: “عايز إيه يا طارق؟ أظن مفيش حاجة بينا تتقال”.
دموعه نزلت وقال: “أنا اتقرصت جامد يا رانيا.. الشقة اللي قاعدين فيها أنا وأمي ضيقة وتخنق، والناس كلها بتبص لي بنظرة وحشة بعد اللي حصل، ومحدش راضي يشغلني في مكان نظيف بسبب السابقة اللي في فيشي. أمي تعبانة وندمانة، وطول الليل بتقولي روح لرانيا وبوس إيدها تخليك ترجع لها.. إحنا اتخرب بيتنا وضيعنا النعمة اللي كانت في إيدينا بغبائنا”.
بصيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة، بس النمرة دي مأثرتش فيا ولا شعرة: “أنت جاي تقولي الكلام ده عشان ندمان بجد؟ ولا عشان مفيش لقمة باردة ولا شقة محترمة على حسابي تعيشوا فيها؟”
سكت ومبقى مش عارف يرد.. عينيه كانت بتقول كل حاجة.
قلتله وأنا بفتح باب عربيتي: “أنا يوم ما طلبت البوليس، مكنتش بربيك أنت وأمك بس.. أنا كنت بربي نفسي على الأيام اللي سكت فيها على قلة قيمتكم ليا. روح يا طارق.. روح كمل حياتك في المكان اللي يستاهل مقامك، والشوربة اللي من غير ملح دي.. هي اللي خلت طعم حياتي دلوقتي زي السكر”.
ركبت عربيتي ودورت المحرك ومشيت، وسبته واقف في المراية بيصغر ويصغر لحد ما اختفى تماماً. نزلت نظارة الشمس على عيني، وكنت حاسة إن الهوا اللي داخل من الشباك بيغسل قلبي.. الشقة بقت مملكتي بجد، وحياتي بقت ملكي أنا وبس.
ملح الكرامة ج2
حكايات شروق خالد