بطل في التاسعة من عمره ج 2 حكايات شروق خالد

في اليوم التالي للزفاف، كانت هواتفنا لا تتوقف عن الرنين. أقارب، ومعارف، وحتى أشخاص لم نتحدث معهم منذ سنوات، الجميع كان يحاول الاتصال ليعتذر، أو ليعبر عن ذهوله من شجاعة مروان، لكنني قررت إغلاق هاتفي تماماً. لم أكن بحاجة لأسف متأخر من مجتمع لم يتحرك إلا عندما أحرجه طفل صغير.
قضيت اليوم بطوله مع مروان؛ صنعنا الحلوى التي يفضلها، وشاهدنا أفلامه المفضلة، وكأننا نكافئ أنفسنا على النجاة من تلك الليلة. كان ينظر إليّ بابتسامته الدافئة المعتادة، وكأنه لم يقلب موازين العائلة رأساً على عقب بالأمس.
في المساء، سمعت طرقات خفيفة ومترددة على باب الشقة.
فتحت الباب لأجد باسم واقفاً أمامي. كان يبدو منهكاً، وعيناه حمراوين من قلة النوم، وبدت على وجهه علامات انكسار لم أرها فيه منذ أن كان طفلاً يختبئ في غرفتي.
تنحنح وقال بصوت متحشرج: “هناء.. ممكن أدخل؟”
وقفت في مكاني ولم أتحرك لأفسح له المجال. نظرت إليه بهدوء وقلت: “جاي ليه يا باسم؟ الفرح خلص، والناس روّحت، ومبقاش فيه ميكروفونات علشان حد يظهر على حساب حد”.
سقطت دموعه وقال بصوت مرتعش: “أنا آسف.. أنا حمار، وجبان. نظرة مروان ليا وهو بيتكلم على المسرح دمرتني. كلامه صح، أنا نسيت كل حاجة عملتيها عشاني. مي مكنتش تعرف غلاوتك عندي، وأمي.. أمي جاملتها على حسابك وأنا سكتت. أنا مش قادر أسامح نفسي”.
في تلك اللحظة، خرج مروان من غرفته ووقف بجانبي، ونظر إلى خاله بهدوء شديد لا يناسب سنه.
أمسكت بكتف مروان ونظرت إلى شقيقي وقلت له: “باسم، أنا مش زعلانة منك، أنا أصلاً مبقاش يفرق معايا مين يختارني ومين يرفضني. ابني رجعلي حقي قدام الـ 200 فرد اللي كانوا واقفين، والأهم إنه ورّاني إن التربية والتعب اللي تعبته فيه ميروحوش الأرض. بس علشان نكون واضحين.. اللي بيسمح لمراته أو لأمه تهين أخته علشان يرضي كبريائه، ميرجعش يطلب الأمان في بيتها تاني”.
حاول باسم الكلام، لكنني أضفت بحسم: “مبروك يا عريس. ربنا يسعدك في حياتك الجديدة، بس حياتنا احنا ملهاش مكان فيها بعد النهاردة”.
أغلقت الباب بهدوء في وجهه، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت بعبء ثقيل ينزاح عن صدري. التفتُ إلى مروان، فغمرني بحضنه الصغير الدافئ، وقبلت رأسه وأنا أعلم تماماً أنني، بوجوده معي، لست الست التي لم يطلبها أحد، بل أنا أغنى وأقوى امرأة في العالم.

حكايات شروق خالد

مرت عدة أسابيع على تلك الليلة، وبدأت أصداء ما حدث في القاعة تتلاشى تدريجياً من أحاديث الناس، لكن أثرها في نفوسنا كان قد غيّر كل شيء إلى الأبد. أصبحت علاقتي بـ مروان أقوى من أي وقت مضى، وكأن تلك الليلة نضجت به قبل الأوان، فأصبح يتابع نظراتي ويهتم بكل تفاصيلي وكأنه رجل البيت الصغير.
في أحد الأيام، تلقيت اتصالاً من خالتي، وكانت نبرة صوتها هادئة ومترددة على غير العادة. أخبرتني أن أمي، نادية، تمر بحالة نفسية سيئة للغاية وعزلت نفسها في البيت منذ ذلك اليوم. قالت لي إن نظرات الأقارب والمعارف وهمساتهم بعد الفرح لم ترحمها، وأن الجميع صار يلومها ويعاتبها كيف تصف ابنتها بـ “الحاجة المركونة” أمام الغرباء جهاراً نهاراً لتجامل عروس ابنها.
قالت خالتي محاولة استعطافي: “يا هناء، أمك غلطت وغلطها في حقك كبير، بس هي ندمانة وبتبكي طول الوقت.. باسم كمان عايش في مشاكل وخناقات من أول يوم جواز مع مي بسبب اللي حصل، والكل شايلهم ذنب كسرة خاطرك. أمك عاوزة تشوفك أنتِ ومروان وتطلب منكم السماح”.
استمعت إليها وهناك غصة مألوفة في حلقي، لكنها لم تكن غصة ضعف هذه المرة، بل غصة حسم وقوة. أخذت نفساً عميقاً وقلت لها: “يا خالتي، أنا مسامحاها بيني وبين ربنا علشان مش عاوزه أشيل طاقة كره أو غل جوايا تؤذيني.. بس في فرق كبير بين المسامحة وبين إننا نرجع زي الأول. اللي انكسر في قاعة الفرح قدام 200 شخص مش مجرد كلمتين عابرين، دي كانت قسوة قلب متراكمة من سنين، وربنا أراد يظهرها للكل”.
وتابعتُ بثبات: “قولي لأمي إن مروان مش هيدخل مكان مكنش فيه محترم ومكرم من الأول، وأنا مش هحط نفسي في مكان يتقال عليا فيه كلمة تجرحني تاني. ربنا عوضني بابني، وهو عندي بالدنيا وعوضني عن كل اللي خسرتهم”.
أنهيت المكالمة وشعرت براحة حقيقية تسري في جسدي. التفتت إلى حياتي وعملي بكامل طاقتي، وبدأت أركز في طموحاتي وتطوير نفسي، وحققت نجاحاً ملموساً وسط زملائي ومحيطي حظي بتقدير واحترام كبيرين. لم أعد تلك المرأة التي تنتظر أن يختارها أحد ليمنحها قيمة أو وجوداً، بل صرت أنا من يحدد قيمتي ومكانتي بنفسي.
وفي يوم ميلاد مروان العاشر، أقمنا حفلاً صغيراً ودافئاً في بيتنا، اقتصر علينا وعلى أصدقائه المقربين وجيراني الذين ساندوني دائماً. وعندما جاء وقت إطفاء الشموع، نظر مروان في عيني وقال بصوت مسموع مليء بالرجولة والوعد: “كل سنة وأنتِ معايا يا أمي.. ووعد مني، طول ما أنا عايش، مش هسمح لأي حد في الدنيا يزعلك أو يقلل منك تاني”.
صفق الجميع بحرارة، ونظرت إليه وعيناي تلمعان بدموع الفرح الحقيقي. في تلك اللحظة تأكدت تماماً أن العدالة الإلهية لا تتأخر، وأن الله إذا أغلق في وجهك باباً من أقرب الناس إليك، يفتح لك أبواباً من العوض والكرامة والرفعة تنسيك مرارة كل ما مضى.

بطل في التاسعة من عمره
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *