غلطه بدفع ثمنها الجزء الثاني حكايات صافي هاني
إفاتت الأيام وكل حاجة حواالّيا كانت بتسودّ أكتر. حاولت أروّح لبيت حمايا، طردوني من على الباب ومنعوني حتى أعتب الشارع. حاولت أكلم طوب الأرض يتوسطلي، بس كل اللي عرف الحكاية قفل الباب في وشي.. محدش بيحترم راجل هان بيته وعياله.
حتى كاميليا، اللي فاكر إني خسرت كل حاجة عشانها، أول ما عرفت إن الحسابات البنكية اتجمدت بسبب قضايا النفقة والمؤخر، وإني مبقتش مدحت بتاع الفسح والبراندات.. اختفت. سابت الشغل، عملتلي بلوك، وكأنها فص ملح وداب. بعتتلي رسالة أخيرة تخلص فيها على الباقي مني: “أنت اللي رخيص يا مدحت.. اللي يبيع مراته وبنته، يبيع أي حد”.
ساعتها بس فوقت على الحقيقة المرة.. خسرت الدارين، وخسرت ستر ربنا اللي كان محاوطني.
بعد ست شهور، وقفت في المحكمة. القاضي ميرحميش، وبناءً على كل الأدلة والتحاليل وكشوفات البنك، حكم بطلاق صفاء طلقة بائنة للضرر، وحرماني من الحضانة، مع إلزامي بدفع مبالغ مكنتش أحلم بيها.. بس الفلوس غارت، الوجع الحقيقي كان في نظرة صفاء ليا وهي واقفة بعيد.
كانت وشها راجع فيه الروح، لابطة بنتنا فريدة في حضنها، وبتبصلي وكأني حشرة.. مفيش في عينيها حتى عتاب، كان فيهم “موت” كامل ليا.
حاولت أقرب، أصرخ وأقول: “فريدة.. بنتي!”.. بس الأمن منعني، وأخو صفاء وقف في وشي وقال الكلمة اللي قطمت ضهري: “ملهاش أب.. اتقي الله في اللي باقي من عمرك وانسانا”.
رجعت الشقة الفاضية.. قعدت على البلاط في نفس المكان اللي سابوني فيه. مفيش صوت غير صوت الهوا وصوت ضميري اللي بيجلد فيا. ندمان؟ الندم كلمة قليل على نار جهنم اللي قايدة في صدري. بعت الجنة وبنيت بيتي في الحرام، والنتيجة إني بقيت عايش ميت.. جوه بيت ملوش روح، وحياة ملهاش طعم.
ربنا يمهل ولا يهمل.. ودي كانت نهايتي.
للي دخل من الباب مكنش صفاء.. ده كان حمايا، الحاج أحمد.
راجل هيبة، طول عمره بكلمته ووقاره، وشعره الأبيض اللي مالي راسه كان دايماً بيفكرني بريحة الأصول والناس الطيبين. دخل الشقة بخطوات تقيلة، وعينيه كانت مليانة نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده.. نظرة قرف على شوية شفقة.
وقف قدامي في الممر، وأنا زي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق. مكنتش قادر أرفع عيني في عينه.
حط إيده في جيبه، وطلع نسخة مفتاح الشقة القديمة اللي كنا مدينها له للطوارئ، ورماها على الأرض تحت رجلي.. رنتها في الصمت كانت زي صوت الرصاص.
بصلي وقال بصوت هادي، بس هدوءه ده كان يرعب أكتر من الزعيق:
“أنا اللي جيت ألم حاجتها يا مدحت.. وأنا اللي خليتها تمشي من هنا ومتبصش وراها. بنتي صانتك وشالت اسمك، وأنت هدمت البيت وبعت الأصول.. والراجل اللي ملوش خير في بيته وعياله، ملوش خير في حد.”
حاولت أتكلم، صوتي طلع مخنوق، طالع بالعافية:
“يا عمي.. والنبيل استنى.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أرجوك.”
قاطعني برفع إيده، ومنعني أكمل:
“الكلام خلص يا ابن الناس. صفاء في حفظ الله وحفظ أبوها، وفريدة هتربى وسط رجالة يعرفوا الأصول وميرموش لحمهم. أنت من النهاردة غريب عننا.. والفلوس اللي كنت بتدلع بيها بره، جهزها عشان المحاكم، لإن حق بنتي وحق ابننا اللي مات في بطنها مش هسيبهولك.. بالقانون وبشرع ربنا.”
لف ضهره ومشي، وقفل الباب وراه.. رقعة الباب سمعت في نفوخي.
قعدت في الأرض وسط الشقة الفاضية، ضلمة الليل بدأت تدخل من الشبابيك، ومبقاش فاضل معايا غير صدى صوت كلامه، وورق الطلاق المرمي، وكسرة النفس اللي هعيش بيها عمري كله.
عرفت ساعتها إن في حاجات لما بتروح مبت Use عودش.. وإن الستر لما بيترفع، مفيش قوة في الأرض تقدر ترجعه.
تفتكروا مدحت هيحاول يوصل لصفاء تاني ولا القضاء هيقول كلمته؟ القصة كاملة في أول تعليق 👇👇👇
عدت الأيام وأنا زي المجنون، مش عارف أوصلهم. تليفوناتهم كلها اتقفلت في وشي، ولما رحت بيت حمايا في مصر الجديدة، الأمن بتاع العمارة منعني أدخل وقالي: “يا أستاذ مدحت، الحاج أحمد مبهدل الدنيا وموصي عليك، بلاش مشاكل الله يخليك”.
كنت برجع كل يوم للشقة الفاضية، أقعد في الضلمة، كأني عايش في تربة. المأساة الكبيرة إني مكنتش قادر أحكي لأمي وأهلي.. هقولهم إيه؟ خنت مراتي وهي حامل وسقطت بسبب قهرتي؟ بعت بيتي وبنتي عشان نزوة؟ مكنش عندي عين أبص في مراية، فما بالك بأمي اللي ربتني على الحلال وأكل العيش بالقمة الشريفة.
في وسط الدوامة دي، جالي إشعار على الموبايل من المحامي بتاعي. فتحته وإيدي بترتعش.
كانت صورة من إنذار على يد محضر، دعوة “تبديد منقولات زوجية” و”نفقة متعة وعدة” بمبالغ تكسر الظهر، ومعاهم قضية الحضانة. صفاء مسبتش ثغرة واحدة.. كانت مأمنة نفسها بورق وتقارير تخلي أي قاضي يحكم لها من أول جلسة.
وفي نفس اللحظة.. تليفوني رن. كان رقم كاميليا.
رديت وأنا مش شايف قدامي، وصوتي كله غل: “عايزة إيه؟”
قالت بدلع وبرود مستفز: “إيه يا مدحت، مالك؟ مبقتش تيجي الشركة ليه؟ والمدير قالب الدنيا عليك عشان الشغل الواقف.. وبعدين فين الطقم الألماظ التاني اللي وعدتني بيه؟”
ساعتها، غشاوة عمري كله انزاحت عن عيني. البنت دي مكنتش شايفاني أصلاً.. كانت شايفاني محفظة وفلوس وخروج وفسح. مكنتش شريكة حياة، كانت حبل المشنقة اللي لفيتة حوالين رقبتي بإيدي.
قلت لها بنبرة ميتة: “الشركة أنا هقدم استقالتي منها بكره.. والألماظ اللي بتدوري عليه، ده كان تمن بيتي وبنتي اللي ضاعوا. متتصليش بيا تاني يا كاميليا.. ربنا ياخدني لو شفت وشك تاني”. وقفل السكة وعملتلها بلوك.
نزلت على سجادة الصلاة، سجدت وبكيت بكا عمري ما بكيته وأنا عيل صغير. كنت بقول: “يا رب، أنا عصيتك في النور وعميت عن بيتي، أنا مش طالب ترجعلي حاجة لأني مستاهلش.. أنا طالب بس تسامحني على الروح اللي ماتت بسببي”.
تاني يوم الصبح، نزلت رحت للمحامي بتاعي. دخلت عليه المكتب، رحت رامي ورق صفاء كله على مكتبه.
بصلي وقال: “يا مدحت، الموقف صعب، والورق اللي معاهم يوديك في داهية وتتحبس.. إحنا لازم نطعن ونعمل قضايا قصادهم ونشغلهم”.
بصيت له وقلت بقلب مكسور بس ثابت: “مش هطعن في حاجة يا متر.. كل اللي مكتوب في الورق ده حق، وأنا مش هقف قدام مراتي في المحاكم.. اكتب إقرار إ