**عزف الأوتار الميتة**ج2 حكايات شروق خالد

الكلمة نزلت على الراجل في التليفون زي الصاعقة، الخط قطع فجأة، وإبراهيم واقف برة الأوضة وسامع دقات قلبه هو شخصياً. كان عارف إن الكلمة دي لو تسربت لبرة، شوارع القاهرة هتغرق دم قبل ما يوسف يخطو أول خطوة برجليه.
جوة الأوضة، فريدة كانت حاسة إن الحيطان بتضيق عليها. كلام يوسف عن ابنها سليم وعلاجه في ألمانيا زلزلها، الأمومة جواها كانت بتحارب الخوف. بصت لعينيه القاسية وقالت بصوت متحشرج: “وابني؟ أنا مقدرش أبعد عنه ثانية واحدة، لو عايزني هنا.. سليم يكون معايا، وتحت عيني.”
يوسف سكت لثواني، عينيه كانت بتقلب في وشها كأنه بيقرا أفكارها، وبعدين هز رأسه بطاقة برود تخوف: “سليم هيتنقل الصبح لجناح خاص في أكبر مستشفى في المهندسين، دكاترة من برة هيجوا له، وإنتي هتروحي له كل يوم ساعتين بحراسة… غير كده، مفيش خروج. وافقي عشان نبدأ، لأن وقتي بفلوس، وصبري قليل.”
فريدة غَمضت عينيها، حست إنها بتوقع عقد مع الشيطان، بس تزييق صدر سليم في ليالي الشتا، والفقر، والبهدلة، كل ده خلاها تفتح عينيها وتبص له وتتكلم بقوة مكنتش تعرف إنها تملكها: “مواقفة.. بس العلاج ده مش سحر، هياخد وقت، وجسمك لازم يستحمل وجع أعصب بقالها عشرين سنة ميتة.”
يوسف ابتسم ابتسامة صفرا، وسند راسه لورا وقال بنبرة فحيح: “أنا استُحملت الموت نفسه عشرين سنة يا دكتورة… الوجع ده هيبقى لعبي المفضلة.”
بعد يومين، كانت الخطة مشيت زي الساعة. سليم اتنقل للمستشفى، وفريدة بقت مقيمة في جناح خاص في قصر المعادي. الجلسة التانية بدأت، بس المرة دي مكنتش مجرد لمسة؛ فريدة كانت بتضغط بكل قوتها وخبرتها على نقط معينة في ضهر يوسف وفي رجله، نقط بتخلي عروق جبهته تتنفخ وعرقه يسيل زي المية، بس مكنش بيطلع منه صِلة وجع واحدة.. كان بيموت من الألم وهو باصص في السقف وعينيه بتطلع شرار.
وفجأة، وسط الجلسة، تليفون يوسف الخاص برن بصوت مميز. يوسف شاور لفريدة تقف، وفتح الخط.
جاء صوت من الناحية التانية، صوت راجل عجوز ومرعوب، كان “سليم يكن”، واحد من الحيتان الكبار في السوق اللي كانوا شركاء أبوه وزرعوا العربية المفخخة زمان: “يوسف باشا.. سمعنا إن فيه دكتورة عندك في القصر؟ خير يا ابني؟ صحتك جرى لها حاجة؟ إحنا قلقانين عليك.”
يوسف بص لفريدة اللي كانت واقفة بتنهج، وبص لرجله اللي صوابعها اتهزت تاني لثاني مرة، ورد بصوت هادي يقطع الخميرة من البيت: ” مفيش حاجة يا سليم باشا.. الدكتورة بتعملي شوية مساج عشان الرطوبة.. متقلقش عليا، جهز نفسك بس، عشان فيه بضاعة قديمة بقالها عشرين سنة في المخازن.. جه الوقت إننا نطلعها ونحاسب عليها.”
يقفل يوسف السكة، وبص لفريدة وقال لها بحدة: “زودي الجرعة يا دكتورة.. مش عايز أحس برجلي بس.. أنا عايز أقف الأسبوع الجاي، عشان فيه رقاب كتير أوي حان وقت قطفها.”

حكايات شروق خالد

فريدة بصت له برعب وهي شايفة الغل والشر اللي مالي عينيه، حست إنها بتصنع وحش هيكتسح الأخضر واليابس. بس مكنش قدامها بديل؛ ابنها سليم في المستشفى متأمن بفلوس الراجل ده، وهي رجليها غرزت في أرض مفيهاش رجوع.
ضغطت فريدة بكل عزمها على العصب الرئيسي في أسفل ضهره. يوسف جسمه كله اتنفض، وعروق رقبته كانت هتنطق من كتر الوجع، وطلعت منه آهة مكتومة ومكتنزة بالغل بقالها عشرين سنة محبوسة. في اللحظة دي، يوسف حس بحرارة غريبة بتجري في فخدة اليمين، حرارة حامية زي النار الموقدة، ولأول مرة من سنة 2006، قدر يرفع ركبته عن الكرسي مسافة سنتيمتر واحد ويسبتها في الهواء!
إبراهيم اللي كان واقف عند الباب، شهق وصوت نفسه طلع عالي وهو مش مصدق. يوسف بص لركبته المرفوعة، ووشه اتشنج بمزيج من الذهول والانتصار المرعب، وكأنه رجع يملك الدنيا كلها في إيديه.
بص لفريدة وقال لها ونفسه عالي: “إنتي ساحرة… إنتي مش دكتورة.”
فريدة مسحت عرقها بإيد ترعش وقالت: “ده مش سحر، ده جسمك اللي كان مستني حد يفهمه. بس لازم ترتاح، العصب لو انضغط عليه أكتر من كده هيتدمر تمامًا ومفيش قوة على الأرض هتعالجه تاني.”
يوسف نزل رجله ببطء وهو بيتنفس بصعوبة، وشاور لإبراهيم يدخل. إبراهيم قرب وهو مبهور، ويوسف بصله بنظرة خلت ركب إبراهيم تخبط في بعضها وقال له بلهجة أمر قاطعة: “تجمعلي رجالتنا الخلّص الليلة في البدروم… مفيش مخلوق في البلد يعرف باللي حصل هنا، وسليم يكن وعصابته يفضلوا فاكرين إني جثة على كرسي لحد ما أروح لهم بنفسي على رجليا.”
عدى الأسبوع، وفريدة كانت بتموت في اليوم ميت مرة من الرعب والضغط، ويوسف السيوفي كان بيتحول كل يوم من تمثال حديد لبني آدم بينبض بالقوة. وفي ليلة عاصفة تانية، ويوسف قاعد على الكرسي، طلب من فريدة تقف بعيد.
سند إيديه على مساند الكرسي التيتانيوم، وأخد نفس طويل مالي صدره، وبعزيمة جبارة وغل ملوش آخر، بدأ يضغط على رجليه…
فريدة كانت واقفة كاتمة نفسها وإيديها على بقها، وإبراهيم حاطط إيده على قلبه… يوسف بدأ يترفع عن الكرسي ببطء… سم ورا سم… لحد ما وقف بكامل طوله على الأرض!
الأسطورة وقفت على رجليها تاني. ملامحه كانت حادة وعينيه بتلمع بانتصار مرعب وهو بيبص لفريدة ومن بعدها لإبراهيم، وقال بصوت جهوري هز أركان الأوضة: “إبراهيم… هاتلي سلاح أبويا الله يرحمه من الخزنة… الليلة هتعرف القاهرة كلها إن يوسف السيوفي مبيموتش.”
وفجأة، وقبل ما إبراهيم يتحرك، تليفون فريدة الشخصي رن، ولما بصت على الشاشة، وشها اتقلب لونه أبيض زي الأموات وصوت صرخة مكتومة طلعت من حنجرتها لما شافت رقم المستشفى اللي فيه ابنها سليم!

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *