حين عاد ميت الجزء الاول حكايات شروق خالد
من عشر سنين، أنا اللي وقفت إنعاش محمود السيوفي، وأنا اللي مضيت بإيدي على شهادة وفاته.
ومن يومها، ماعداش يوم إلا واللحظة دي بتطاردني.
كل ما أغمض عيني أشوف جهاز رسم القلب وهو بيطلع الخط المستقيم، وأسمع صوتي وأنا بقول:
“وقت الوفاة… الساعة تلاتة وستة وأربعين دقيقة.”
كنت فاكر إن الزمن هينسيني.
بس الزمن عمره ما بينسي دكتور أول مريض مات بين إيديه.
الليلة دي كانت زحمة في مستشفى بالقاهرة.
العربيات الإسعاف داخلة وخارجة.
الممرضين بيجروا في كل اتجاه.
وأنا خارج من عملية استمرت خمس ساعات، لسه حتى ما شربتش نقطة مية.
قبل ما أقعد دقيقة، جري عليا شاب من الاستقبال.
قال وهو بينهج:
“يا دكتور نادر… فيه حالة قلب خطيرة جاية حالًا، والدكتور سامح طالبك بنفسه.”
اتنهدت وقلت:
“جهزوا أوضة العمليات… وأنا جاي.”
غسلت إيديا ولبست هدوم العمليات.
دخلت الأوضة.
المريض كان متغطي بالكامل.
الممرضات وصلوا الأجهزة.
ودكتور التخدير قال:
“النبض بينزل بسرعة يا دكتور.”
هززت راسي.
“نبدأ.”
أول ما الممرضة شالت الغطا عن صدره عشان أعقمه…
إيدي وقفت في الهوا.
حرفيًا.
المشرط وقع من بين صوابعي.
الممرضة اتخضت.
“خير يا دكتور؟”
ما سمعتش صوتها.
كنت ببص على علامة صغيرة تحت ضلعه الشمال.
علامة ولادة على شكل هلال.
العلامة دي أنا حافظها.
لأن صاحبها دخل المستشفى عندي أكتر من مرة زمان.
وبجنبها أثر خياطة قديمة.
الخياطة دي أنا اللي عملتها.
مستحيل يكون تشابه.
قربت من وشه.
اللحية خفت ملامحه.
والشعر بقى فيه شوية بياض.
لكن الأثر اللي جنب ودنه.
والندبة اللي فوق كتفه.
كل حاجة كانت بتقول اسم واحد.
محمود السيوفي.
همست وأنا جسمي كله بيرتعش:
“لا… مستحيل.”
الدكتور سامح قرب مني.
“فيه إيه يا نادر؟”
قلت من غير ما أشيل عيني عنه:
“الراجل ده مات.”
سامح استغرب.
“إيه؟”
قلت:
“أنا اللي أعلنت وفاته من عشر سنين.”
كل اللي في أوضة العمليات سكت.
الممرضة بصتلي بعدم فهم.
سامح ضحك وقال:
“واضح إنك مرهق.”
لكن أنا كنت متأكد.
مليون في المية.
رجعت عشر سنين لورا.
كان محمود داخل بعد حادثة عربية.
نزيف شديد.
القلب وقف أكتر من مرة.
فضلنا نحارب ساعات.
كل مرة القلب يرجع ثواني ويرجع يقف.
صدمناه بالكهربا مرة.
اتنين.
تلاتة.
أربعة.
خمسة.
وأنا بعمل إنعاش بإيديا لحد ما حسيت إن دراعاتي هتقع.
وفي الآخر…
الصمت.
جهاز القلب أعلن النهاية.
بصيت على الساعة.
وقلت:
“وقت الوفاة… الساعة تلاتة وستة وأربعين.”
وساعتها مراته سلمى وقعت على الأرض من العياط.
أهله صرخوا.
وأنا خرجت من الأوضة لأول مرة في حياتي حاسس بالعجز.
رجعت للحاضر.
المريض قدامي بيتنفس.
يعني اللي مات وقتها كان مين؟
ولا محمود ما ماتش أصلًا؟
ولا أنا كنت ضحية خدعة؟
قطعت أفكاري الممرضة.
“يا دكتور… الضغط بينزل.”
فوقت.
قلت بسرعة:
“نبدأ العملية.”
بدأنا.
كل دقيقة كنت ببص في وشه.
بعد ساعتين من الشغل، العملية نجحت.
وأول ما خرجناه الرعاية المركزة، وقفت جنبه.
حطيت إيدي على رسغه.
النبض مستقر.
وفجأة…
أصابعه اتحركت.
الممرضة قالت بفرحة:
“بدأ يفوق.”
فتحت عينه واحدة.
وبعدين التانية.
لف راسه بالعافية.
وأول ما عينه وقعت عليا…
ملامحه اتغيرت.
قال بصوت ضعيف:
“إنت…”
قربت منه.
“محمود… أنا الدكتور نادر.”
ابتسم ابتسامة باهتة.
وقال:
“فاكر… كل حاجة.”
بلعت ريقي.
“فين كنت عشر سنين؟”
قبل ما يرد…
باب الرعاية اتفتح بعنف.
دخلت ست في الأربعينات.
كانت لابسة إسدال أسود، ووشها كله خوف.
أول ما شافت محمود، دموعها نزلت.
جريت عليه.
مسكت إيده.
وقالت وهي بتعيط:
“الحمد لله… الحمد لله إنك عشت.”
عرفتها فورًا.
سلمى.
مراته.
لفت ناحيتها.
قلت بحدة:
“إنتِ مش المفروض جوزك مات من عشر سنين؟”
بصتلي.
ولأول مرة الخوف ظهر في عينيها.
قالت:
“لو سمحت… مش هنا.”
قلت:
“لا… هنا.”
صوتي كان عالي.
“أنا عايز أفهم.”
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
“فيه ناس كانت عايزة محمود يختفي.”
قلت:
“مين؟”
هزت راسها.
“لو قلتلك… كلنا هنموت.”
في اللحظة دي محمود شد إيدي بالعافية.
بصلي وقال:
“اسمعني كويس يا دكتور…”
قربت منه.
همس بصوت بالكاد بيتسمع:
“إوعى تثق في أي حد جوه المستشفى.”
اتجمدت مكاني.
قلت:
“ليه؟”
قال:
“لأن اللي حاول يقت*لني زمان… لسه شغال هنا.”
وفي نفس اللحظة…
صوت جهاز القلب بدأ يطلع إنذار متواصل.
النبض نزل فجأة.
الممرضات جريت.
وأنا لفيت بسرعة.
لكن قبل ما أبدأ إنعاشه…
لمحت راجل لابس بالطو أبيض واقف آخر الممر.
أول ما عيني جت في عينه…
لف وجرى.
وساعتها بس…
عرفت إن الكابوس اللي بدأ من عشر سنين…
لسه أوله.
حكايات شروق خالد
ارتفع صوت جهاز المراقبة بشكل هستيري.
“بيب… بيب… بييييييب…”
صرخت الممرضة: “الضغط بينهار يا دكتور!”
اندفع نادر ناحية السرير، وبدأ يفحص محمود بسرعة.
“حضّروا الأدرينالين… بسرعة!”
الممرضات اتحركوا في لحظة، لكن نادر كانت عينه كل شوية تروح ناحية باب الرعاية.
الراجل اللي كان لابس بالطو أبيض اختفى.
كأنه اتبخر.
وصل الدكتور سامح وهو بيجري.
“إيه اللي حصل؟”
رد نادر وهو بيضغط على صدر محمود: “حد عمله حاجة… أنا متأكد.”
قال سامح باستغراب: “إنت شفته؟”
هز نادر رأسه.
“أيوه… وكان واقف يبص علينا.”
بعد دقائق طويلة، بدأ النبض يرجع بالتدريج.
تنفس نادر الصعداء.
لكن المرة دي ما سابش محمود لحظة واحدة.
طلب من الأمن يقفل الرعاية المركزة بالكامل، وما يدخلش حد غير بتصريح منه شخصيًا.
اعترض سامح وقال: “إنت مكبر الموضوع.”
رد نادر بنبرة حادة: “لما راجل أعلنته ميت من عشر سنين يرجع قدامي حي… يبقى مفيش حاجة اسمها مكبر الموضوع.”
…
في مكتب مدير المستشفى.
كان نادر بيحكي كل اللي حصل.
مدير المستشفى، الدكتور فؤاد، فضل ساكت لحد ما خلص.
وبعدين قال بهدوء غريب:
“يمكن تشابه أسماء.”
رد نادر بسرعة: “اسمه محمود السيوفي… نفس السن… نفس الندبات… حتى عملية الطحال أنا اللي عملتها بإيدي.”
سكت فؤاد ثواني.
ثم قال: “ملفه القديم اختفى.”
رفع نادر رأسه فجأة.
“اختفى؟”
“دورنا عليه من شوية… مش موجود.”
ضرب نادر المكتب بإيده.
“مستحيل… الملفات الورقية محفوظة.”
قال المدير: “الغريبة إن الكاميرات كمان فقدت تسجيلات آخر تمان ساعات.”
بدأ العرق ينزل من جبين نادر.
حد بيمسح الأدلة أول بأول.
…
رجع للرعاية.
لقى سلمى قاعدة جنب محمود.
وشها شاحب.
أول ما شافته، قامت بسرعة.
قالت: “لو سمحت… لازم تمشي.”
استغرب.
“ليه؟”
ردت وهي بتبص حواليها بخوف: “هما عرفوا إنك شوفته.”
“مين هما؟”
دموعها نزلت.
“الناس اللي موتوا محمود قدام العالم.”
نادر قرب منها.
“احكي.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بصوت مكسور:
“بعد الحادثة… جه ناس قبل ما نستلم الج*ثة.”
اتسعت عينا نادر.
“إيه؟”
“قالوا لو عايزين ابننا يعيش… ننفذ اللي يقولوا عليه.”
“ابنكم؟”
هزت رأسها.
“كان عمره خمس سنين.”
“عملوا إيه؟”
قالت: “خدوه رهينة.”
اتجمد نادر.
“وقالوا إن محمود لازم يختفي.”
“إزاي؟”
“بدلوا الج*ثة.”
حس نادر إن الأرض بتميل تحته.
“يعني الشخص اللي دفناه…”
قالت وهي تبكي: “ماكانش محمود.”
سكت المكان كله.
كان الكلام أكبر من أي عقل يصدقه.
…
وقبل ما نادر يسأل سؤال تاني…
دخل شاب في أواخر العشرينات الرعاية.
كان لابس بدلة سودة.
وقف قدام سلمى.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال: “خلصتي كلامك؟”
اتحول لون وش سلمى للأصفر.
رجعت خطوة لورا.
همست: “يوسف…”
الشاب بص لمحمود.
ثم قال: “واضح إننا اتأخرنا.”
أخرج موبايله.
ضغط زر واحد.
وفي نفس الثانية…
انطفأت أنوار الدور كله.
عمّ الظلام.
بدأت صرخات المرضى تتعالى.
أجهزة الإنذار اشتغلت.
ووسط الفوضى…
سمع نادر صوت طلقة كاتم صوت.
طلق.
ثم طلقة تانية.
ولما اشتغلت الإضاءة الاحتياطية بعد ثوانٍ…
كانت سلمى واقعة على الأرض، والدم بينتشر تحتها.
أما سرير محمود…
فكان فارغًا.
اختفى.
وكأن الأرض انشقت وابتلعته.
وقف نادر مصدومًا، قبل أن يلاحظ شيئًا صغيرًا على الأرض بجوار السرير.
ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كانت مكتوبة بخط يعرفه جيدًا… خط محمود.
“لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى هما سبقوك بخطوة… لكن الحقيقة كلها موجودة في المكان اللي أعلنت فيه وفاتي من عشر سنين. متجيش لوحدك… لأن القاتل أقرب ليك مما تتخيل.”
حكايات شروق خالد