المعركة الأخيرة قبل الولادة ج2 حكايات شروق خالد
أغمضت هبة عينيها للحظة، وكأنها جمعت كل ما تبقى لديها من قوة.
قلت لها وأنا أضغط على يدها: “من النهارده، إنتِ مش لوحدك.”
دخل الطبيب المقيم لينادي اسمها، فمسحت دموعها بسرعة، وارتدت ابتسامة باهتة قبل أن تمشي إلى غرفة السونار، بينما بقيت أنا في الخارج أراقب كل من يمر أمامي.
كنت ضابطة سابقة في الجيش.
وتعلمت طوال سنوات خدمتي أن الخوف لا يُهزم بالصراخ… بل بالمعلومات.
بدأت ألاحظ كل شيء.
مدير المستشفى، الدكتور شريف، زوج ابنتي، كان يتحرك بثقة زائدة. كل الأطباء يقفون فور دخوله، وكل الممرضات يخفضن رؤوسهن. لكن وسط هذه الهيبة، كانت هناك نظرات خوف لم تخطئها عيناي.
اقتربت من ممرضة كانت تبدو في أواخر العشرينات.
قلت بهدوء: “أنا والدة هبة.”
تغير لون وجهها.
ثم همست بسرعة: “خلي بالك منها… أرجوكي.”
قبل أن أسألها أي شيء، مرت مشرفة التمريض، فسكتت الممرضة وابتعدت فورًا.
تأكدت أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما تخيلت.
في المساء، عدنا إلى منزل ابنتي.
كان الدكتور شريف يجلس في الصالة وكأنه الزوج المثالي.
وقف مبتسمًا وقال: “أهلًا يا طنط. طمني… السونار كله تمام؟”
ابتسمت له بنفس الهدوء.
“الحمد لله.”
جلسنا جميعًا على العشاء.
كان يتحدث بلطف أمامي، لكنه كلما حاولت هبة أن تتكلم، كان ينظر إليها نظرة حادة تجعلها تصمت فورًا.
عرفت هذه النظرة.
رأيتها كثيرًا في وجوه الجنود الذين كانوا يعيشون تحت قيادة قاسية.
بعد انتهاء الطعام، طلبت منه أن يساعدني في حمل بعض الحقائب إلى السيارة.
خرج معي.
وقفت أمامه مباشرة.
قلت: “لو فكرت تمد إيدك على بنتي مرة تانية…”
ابتسم ابتسامة باردة.
“حضرتك فاهمة غلط.”
أجبته وأنا أنظر في عينيه: “أنا ما بفهمش غلط.”
اقترب مني وهمس:
“حتى لو صدقتك… مين هيصدقك؟ أنا مدير أكبر مستشفى في المحافظة. وكل الناس تعرفني.”
ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
“وبنتك هتولد هنا… تحت إشرافي.”
تركته يكمل كلامه دون أن أرد.
لكن بداخلي، كنت قد اتخذت قراري.
في صباح اليوم التالي، لم أذهب إلى المستشفى مع هبة.
بل ذهبت إلى عنوان آخر.
عنوان صديق قديم من أيام الجيش.
العميد المتقاعد محمود.
بعد أن استمع إلى كل كلمة، فتح درج مكتبه، وأخرج بطاقة صغيرة ووضعها أمامي.
وقال:
“في ناس في الرقابة الإدارية والنيابة بيحققوا من فترة في شكاوى غير معلنة عن المستشفى دي… لكن محدش قدر يجيب دليل.”
نظرت إلى البطاقة.
فسألني:
“إنتِ مستعدة تدخلي المعركة دي؟”
أخذت البطاقة، وقلت بثبات:
“أنا مش بحارب علشان أنتصر… أنا بحارب علشان بنتي تعيش.”
وفي اللحظة نفسها، لم أكن أعلم أن الدكتور شريف كان قد أعطى أوامره لموظفي الأمن داخل المستشفى بمنعي من دخول المبنى مرة أخرى… بينما كانت هبة تقترب يومًا بعد يوم من موعد ولادتها، والوقت ينفد بسرعة.
حكايات شروق خالد
في صباح اليوم التالي، وصلت إلى المستشفى قبل شروق الشمس.
لم أدخل من البوابة الرئيسية.
كنت أعرف أن اسمي أصبح على قائمة الممنوعين.
وقفت في المقهى المقابل للمستشفى أراقب حركة الداخلين والخارجين، وبعد دقائق رأيت نفس الممرضة التي همست لي بالأمس.
خرجت وحدها وهي تنظر حولها بتوتر.
اقتربت منها بهدوء.
ارتبكت في البداية، ثم قالت بصوت منخفض:
“حضرتك ليه رجعتي؟ لو عرفوا إنهم شافوني معاكي هيفصلوني.”
قلت لها: “أنا مش جاية أعمل مشكلة… أنا جاية أنقذ بنتي.”
نظرت إلى الأرض للحظات، ثم قالت:
“اسمي سلمى… والدكتور شريف مش أول مرة يعمل كده.”
شعرت بأن قلبي انقبض.
أخرجت هاتفها، ثم فتحت مجلدًا مخفيًا.
كان بداخله صور لكدمات على أجساد سيدات بعد الولادة، ورسائل استغاثة، وتسجيلات صوتية لممرضات يتحدثن عن تهديدات تعرضن لها إذا شهدن ضد مدير المستشفى.
قالت وهي تبكي:
“كل واحدة كانت بتسكت خوفًا على شغلها… أو خوفًا على حياتها.”
سألتها:
“ليه قررتي تتكلمي دلوقتي؟”
قالت:
“لأن بنت حضرتك كانت أول واحدة قالت لي: لو حصلي حاجة… متسكتيش.”
تجمدت في مكاني.
لم أكن أعلم أن هبة كانت تستعد للأسوأ.
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كان رقم هبة.
رددت بسرعة.
لكن لم يكن صوتها.
كان صوت شريف.
قال بهدوء مخيف:
“حماتِي العزيزة… بلاش تدوري على حاجات متخصكيش.”
قبضت على الهاتف بقوة.
أكمل:
“هبة دخلت المستشفى من نص ساعة… عندها آلام ولادة.”
صرخت:
“إوعى تعمل فيها حاجة.”
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
“تعالي لو تقدري… بس افتكري إن كل دقيقة بتتأخريها… ممكن تكون الأخيرة.”
أغلق الخط.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
اتصلت فورًا بالعميد محمود.
لم يضيع ثانية واحدة.
قال:
“أنا بلغت الجهات المختصة… لكن لازم نصمد لحد ما يوصلوا.”
ركبت السيارة بأقصى سرعة.
وعندما وصلت، وجدت أفراد الأمن يقفون أمام البوابة ويمنعونني من الدخول.
أحدهم قال بلهجة حادة:
“عندنا تعليمات.”
صرخت:
“بنتي جوه بتموت.”
لكنهم لم يتحركوا.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت سيارات الشرطة أمام المستشفى، وتوقفت عدة سيارات دفعة واحدة، ونزل منها ضباط يحملون أوامر قضائية بالتفتيش والتحقيق.
تغيرت وجوه الجميع.
أما الدكتور شريف، الذي كان يقف خلف الزجاج في الطابق الثالث يراقب المشهد بثقة، فقد اختفت ابتسامته لأول مرة عندما رأى الضباط يتجهون مباشرة إلى مكتبه، بينما كانت هبة في غرفة العمليات، ولم يكن أحد يعلم إن كانت الجراحة قد بدأت بالفعل… أم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
حكايات شروق خالد
اندفع الضباط إلى داخل المستشفى، بينما كنت أحاول الوصول إلى غرفة العمليات بأي طريقة.
اعترضني أحد أفراد الأمن، لكن الضابط المسؤول أبرز أمر النيابة وقال بحزم:
“أي شخص يعطل تنفيذ القرار هيتحاسب.”
ابتعد أفراد الأمن على الفور.
ركضت في الممر حتى وصلت إلى قسم العمليات.
كان الهدوء مخيفًا.
ثم خرج طبيب تخدير مسرعًا، وعلى وجهه علامات ارتباك.
سألته:
“بنتي هبة فين؟”
نظر حوله قبل أن يجيب بصوت منخفض:
“كان المفروض تدخل العملية من عشر دقائق… لكن الدكتور شريف أصر إنه هو اللي يعمل القيصرية بنفسه، وبعد ما عرف إن الشرطة وصلت، اختفى.”
تسارعت دقات قلبي.
“اختفى؟! يعني إيه اختفى؟”
أشار إلى باب جانبي في آخر الممر.
“في ممر خاص بيوصل لمكتب المدير.”
في تلك اللحظة، خرجت هبة من غرفة التحضير وهي على السرير، تبكي في صمت.
أمسكت بيدي بقوة وقالت:
“ماما… هو كان عايز يحقني بحقنة، ولما سألته الممرضة عنها اتعصب جدًا. ولما سمع إن الشرطة وصلت، خرج بسرعة وسابني.”
اقترب الطبيب المناوب وقال للضابط:
“إحنا هنكمل الولادة فورًا، لكن لازم طبيب تاني يستلم الحالة.”
أومأ الضابط برأسه.
وبعد دقائق، دخل فريق طبي آخر لا يتبع شريف مباشرة، وبدأت العملية.
وقفت خارج غرفة العمليات، والدقائق تمر كأنها ساعات.
ثم…
انطلق صوت بكاء طفل صغير.
توقفت أنفاسي.
خرج الطبيب مبتسمًا وهو يحمل طفلًا ملفوفًا في بطانية زرقاء.
قال:
“مبروك… الأم والطفل بخير.”
انهرت من البكاء لأول مرة منذ سنوات.
بعد ساعة، كانت هبة في غرفة الإفاقة، تحتضن طفلها، بينما كان الضباط يفتشون مكتب شريف.
لم تمضِ سوى دقائق حتى خرج أحدهم يحمل عدة ملفات ووحدة تخزين إلكترونية.
قال للضابط المسؤول:
“لقينا مستندات وتسجيلات وكاميرات… واضح إن القضية أكبر مما كنا متوقعين.”
وفي الوقت نفسه، جاء اتصال عبر جهاز اللاسلكي.
“تم ضبط الدكتور شريف وهو بيحاول يهرب من البوابة الخلفية.”
ساد الصمت للحظة.
أغمضت هبة عينيها وهي تضم طفلها إلى صدرها.
ثم همست:
“انتهى الكابوس.”
نظرت إليها وابتسمت، وقلت:
“لا… الكابوس انتهى النهارده، لكن حياتك الجديدة بدأت من دلوقتي.”
بعد أشهر، بدأت هبة حياة جديدة بعيدًا عن الخوف، وتولت الجهات المختصة استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية وفقًا لما أسفرت عنه الأدلة التي جُمعت. أما أنا، فكلما حملت حفيدي بين ذراعي، تذكرت أن أصعب المعارك ليست التي نخوضها في ميادين القتال، بل تلك التي نخوضها لحماية من نحب.
المعركة الأخيرة قبل الولادة ج2
حكايات شروق خالد